الخميس , أكتوبر 1 2020

منصف الوهايبي يكتب ….أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك: تغييب الرأي العامّ

 لم أجد أفضل من هذا العنوان «أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك» وهو عنوان كتاب خير الدين التونسي (1820 ـ1890)، لأسِمَ به هذا المقال في السياسة والرأي العامّ، بالمعنى الواسع للكلمة؛ مع أنّي لست من أهل السياسة ولا من كتّابها. ولكنّ الدافع إلى طرح الموضوع أو المسوّغ له، هو هذه الأزمات المتتالية التي تندلع في عالمنا العربي دون سابق إنذار، ودون أن يكون بميسور أيّ منّا أن ينأى بنفسه عنها. ونحن اليوم نعيش في أجواء سياسيّة أشدّ التباسا، نخشى أن يضيع فيها مكسبان أساسيّان، إن لم يكونا قد أخذا يتلاشيان، سعت بعض دولنا منذ الاستقلال، إلى تحقيقهما: المواطنة والسيادة. نقول هذا باطمئنان حذر، على ضرورة تنسيب هذا الحكم أو الوصف؛ ونحن ندرك أنّ بلداننا لم تفلح تماما في بناء مؤسّساتها وتحريرها من الاستبداد والفساد، ومن هذا العقل السياسي المتوحّش الذي نذكّر دائما بأنّه يكاد لا يزدهر عندنا نحن العرب، إلاّ بمصادرة حقّ شعوبنا في الحرية والديمقراطيّة؛ بل مصادرة ما نصطلح عليه بـ»الرأي العامّ»، والحقّ في إبداء الرأي المختلف؛ حتى كأنّ السياسة عند بعض حكّامنا، تقوم على المزاج الفردي، أو كأنّهم بمنأى عن تقلّبات العصر وتحوّلاته، وتقلقل أوضاعه، أو أنّ من حقّهم وحدهم أن يستأثروا بالإشراف على كلّ ما هو سياسيّ، واستثماره أو توظيفه؛ متعلّلين بأنّ صنيعهم من ذرائع الدولة، ومن وسائل السياسة. وهو ما يفضي عادة إلى مواقف مصطنعة، لا سند لها من منطق الحوادث، مثلما يفضي أيضا بقليل أو كثير من المثقّفين والكتّاب والأكاديميّين، إلى مصانعة الحاكم ومداهنته.

 وأقدّر أنّ بعضا ممّا أشير إليه، من مصطلحات السياسة عند العرب ومفاهيمها وأصولها، وخاصّة عند ابن خلدون وخير الدين وابن أبي الضياف؛ على نحو ما عالجها أستاذنا الراحل أحمد عبد السلام، ممّا نحتاج إليه في حالنا اليوم؛ لكن شريطة أن نستدرك على هذه الأصول، وندرك أنّ ما غاب عن أسلافنا، إنّما هو مفهوم «الرأي العامّ»؛ وإن ألمّوا به في كلامهم على الشورى؛ لأنّ الأمر كان منُوطًا عندهم بـ»رعايا» لا بـ»مواطنين»، أو ربّما لأنّ مصطلح السياسة الذي لا يزال سائدا في بعض بلداننا، لا يتّسع لهذا المفهوم. من ذلك ما جاء في «مصطلح العلوم» للتهانوي من أنّ السياسة «عبارة عن إصلاح معاملة عامّة الناس فيما بينهم، ونظمهم في أمور معاشهم؛ وتسمّى سياسة مدنيّة». ويذكر في الموضع نفسه أنّ إصلاح العامّة «مبنيّ على الشوكة الظاهرة والسلطنة القاهرة.» وهذا يذكّر بما أثبته ابن خلدون من اقتران المُلْك أي الدولة «بالتغلّب والقهر»، وأنّ المُلْك» على الحقيقة لمن يستعبد الرعيّة… ولا تكون فوق يده يد قاهرة…». وإذا كان التونسيّ الآخر خير الدين قد استأنس بابن خلدون في مفهوم العمران، فإنّه لم يسلم من تأثير النظريّات السياسيّة والاقتصاديّة التي انتشرت في أوروبا القرن التاسع عشر (سان سيمون وآدم سميث وستوارت ميل) ممّا يسّر له أن يستخدم مصطلحات غير مألوفة مثل «الحريّة السياسيّة» و»الحقوق السياسيّة» و»العدل السياسي»؛ وإن وصلها في مسعى منه لتقريبها إلى الأذهان بـ»الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر». ويشبّهه أحمد عبد السلام في هذا المسعى التوفيقي، بالشاعر الذي ينظم معاني عصريّة في شعر قديم الصيغة. ومثال ذلك جمعه بين «الوازع» و»السياسة المعقولة» لإثبات ضرورة القوانين والدساتير التي تقيّد الحاكم، وتمنعه من الجبروت. أمّا ابن أبي الضياف (1802 ـ 1874) فالسياسة عنده هي التصرّف في مصالح الناس، والحسنة هي «المعقولة المشروعة». وهو يميّز بين الشرع والسياسة، وبين المُلْك المقيّد بقانون شرعيّ، والمقيّد بعقل سياسيّ.

 على أنّ ما يعنينا في السياق الذي نحن به، إنّما هو مصطلح «الشورى» و»أهل الحلّ والعقد». والشورى عند ابن خلدون، ذات نفوذ محدود، لا يتعلّق بتدبير عموم أمور الدولة؛ و»الانتصاب للشورى كلّ في بلده، وعلى قدره في قومه.» ويسوق ما كان يشكو منه الفقهاء في عصره، من أنّ الملوك ووُلاَتهم، كانوا يحصرون دورهم في مجرّد الاستشارة، لمعرفة أحكام الشرع؛ ولا يشركونهم في تقرير الأحكام التي يصدرونها. والشورى عند خير الدين هي المشورة التي تشمل شؤون السياسة. وقد تمثّل لها بالقرآن، وأقوال للإمام علي، ونقل عن القاضي ابن العربي أنّها «حقّ على عامّة الخليقة من الرسول إلى أقلّ الخلق»، واعتبرها من أصول» قوانين الشريعة» التي يجب أن يتقيّد بها وُلاَة الأمر؛ بل نقلها ـ وهذه إضافته حقّا ـ من «النصيحة» إلى «مراقبة للحكم» و»مشاركة في كلّيات السياسة، وتقييد للحكم بمجالس ذات حول وقول. ويكاد ابن أبي الضياف يذهب المذهب نفسه، في كلامه على الشورى؛ فيدعو إلى استحداث هيئات استشاريّة كما هو الشأن في أوروبا، لأنّ «المُلْك المقيّد بقانون» هو أفضل أصناف الحكم.

 وأمّا مصطلح «الحلّ والعقد» فلا يجري على وتيرة واحدة، من ذلك أنّ ابن خلدون يرى أنّه لا يكون «إلاّ لصاحب عصبيّة» إذ بالعصبيّة يقدر على حلّ أو عقد، أو فعل أو ترك، وأنّ أهل الحلّ والعقد الذين يتمّ ببيعتهم تعيين الخليفة؛ فيجب أن يكونوا من أصحاب العصبيّة هم أيضا، إذ بهم تُشدّ أواصر الملْك وتتوطّد دعائمه. ولكنّه نفى أن يكون الفقهاء في عصره من أهل الحلّ والعقد، إذ صاروا «من المستضعفين من أهل الأمصار» ولا عصبيّة لهم؛ وإنّما هم «عيال على الحامية». ويصل خير الدين بين المصطلحين: أهل الحلّ والعقد، والشورى، ويقول إنّهم «طائفة من أهل المعرفة والمروءة، تسمّى عند الأروباويّين بمجلس نواب العامّة؛ وعندنا بأهل الحلّ والعقد، وإن لم يكونوا منتخبين من الأهالي»، بما يدلّ على أنّهم من صفوة القوم، وليسوا من عامّتهم. وهم عند ابن أبي الضياف «أهل الحقّ» أو «أهل السنّة» حينا، و»العلماء وأكابر الجند ووجوه الحاضرة» حينا آخر.

ونقدّر أنّ هذين المصطلحين، لا يمكن أن يؤدّيا عن مفهوم الرأي العامّ الذي ظهر في الغرب في القرن الثامن عشر، وهو إحدى ثمرات الثورة الفرنسيّة. والحقّ هو اصطلاح قديم من عمل التواضع الجمعي؛ يضرب بجذوره في المجتمعات القبليّة، بما فيها تلك الجاهلة بالكتابة والخطّ. ومنذ أقدم العصور، كانت الحاجة ماسّة إلى الاستئناس بآراء الآخرين، في القضايا الشائكة التي تستدعي رأيا توافقيّا أو جماعيّا. على أنّ المفهوم وهو عمل الفكر الفلسفي عادة، قد بدا يتشكّل مع انتشار الكتابة وذيوعها. والكتابة على وشيجة بالسّياسة من حيث هي علاقة الفرد بالمجتمع من ناحية وعلاقته بالسّلطة من أخرى. وقد يتساءل المرء: إذن ما علاقة الكتابة بالرأي العامّ؟

إنّ الكتابة هي التي توطّئ السبيل إلى تركيز الآراء والأفكار وتوضيحها وتثبيتها؛ فإذاعتها. وبفضلها يمكن لنا، أن نقف على آراء مختلفة حيال المسألة نفسها، ودون أن يكون من هواجسنا، كما يقول الألماني نيكلاس هولمان، أن نتساءل كما كان الأمر قديما؛ ما إذا كان أحدهم يكذب أو هو يقول الحقيقة. ذلك أنّ المشكل المطروح اليوم، وقد أعيدت صياغته؛

 إنّما يتحدّد في ضوء ما استتبّ حديثا من فرق بين المعرفة بالمعنى الدقيق أي مجموعة العلوم الخاصّة بمجتمع أو حقبة مخصوصة، والمعرفة القائمة على الظنّ. وفي الحال الأولى، ليس بميسور صاحبها أن يدافع حقّا عن رأي مختلف؛ إذ يمكن أن يكون عرضة للتفنيد والدحض. وأمّا في الحال الثانية، فالأمر يتعلّق بموضوع الآراء؛ ممّا يضعنا إزاء طريقة في التفكير عاديّة، يشاطرنا فيها غالبيّة الناس. ويمكن أن نفتتح بها وفيها مسالك جديدة، لآراء أخرى.

 على أنّه من المفيد أن ندرك، كلّما تعلّق الأمر بمفهوم الرأي العامّ؛ أنّ قبول رأي ما، أو رفضه واستبعاده؛ لا يكون سلفا، أي دون تواصل جماهيريّ، يتيح لنا أن نقطع بهذا الرأي أو ذاك. وهو تواصل يشارك فيه كلّ الناس، وليس وقفا على فئة دون أخرى؛ فالإنسان العادي أو «غير المسيّس»، طرف في هذا الرأي العامّ. ولهذا أثره في السياسة والاقتصاد والاجتماع ونظم التربية والتعليم. وفي سياق كهذا وبمقتضاه، يمكن أن نأمل في قرار عقليّ منطقيّ؛ لأنّه حصيلة تدبّر ونقاش، فيكون مجرّدا عن التعصّب، منزّها عن الأخطاء، ومن المؤثّرات الخارجيّة. أمّا وجهات النظر التي يمكن أن تفرضها من الخارج، السلطةُ أو التقليدُ؛ فلا يمكن قبولها.

 إنّ السياسة من حيث هي فنّ الممكن أو هي علم وطريقة في الحكم، وتنظيم قوى المجتمع، وتدبير شؤونه، يمكن ما لم تُبنَ على رأي عامّ، أن تقتل، أو أن تكشّ في وجه السياسيّ، كما تكشّ الحيّة، وتخرج لسانها المشقوق؛ كما لو أنها تذكّره بالغواية الأولى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: