الثلاثاء , سبتمبر 29 2020

د. سلطان الخضور .. يكتب : الناس غير الناس

عجبي من زمان لم تعد فيه الأشياء هي الأشياء ولا الناس هم الناس
معظم الأشياء كما الناس هذه الأيام ، إما براقة لماعة يبهرك منظرها ,أو جوفاء منفوخة يبهرك حجمها . لكن ما يبهرك أكثر حين تتفحصها فتجدها إما مطليه أو منفوخه بطريقة أو بأخرى , وحين تتلمس واقعها تجد أن ما هو موجود يختلف كثيرا عما تريد.
تماما هم الناس وخاصة الأصدقاء , كنا في زمن مضى ، نتزاور بلا موعد ,فلم تكن الهواتف متوفرة ,كان الشوق يجمعنا ,نتوق للقاء ولا نستقبل (بفتح النون وكسر الباء)ولا نستقبل (بضم النون وفتح الباء ) الا بالترحاب ,كان لعبارة أهلا وسهلا معنى ووقع على النفس غير الذي صار .كنا في جلساتنا نتبادل أطراف الحديث , ونتباحث فيما يستجد من الأحداث ونقبل على النقاش بجدية , نتناقش حول شيء مما قرأنا أو رأينا أو سمعنا . كنا نتحاور , نتفق أحيانا ونختلف أحيانا , نحمل على كاهلنا هم الأسرة وبضعا من هم الوطن وشيئا من هم الأمة.
اليوم , تشعر وكأنك تدور في حلقة مفرغة . أقلاء هم الذين يبدون استعدادا جزئيا للاستماع ,أقلاء هم الذين يعنيهم أمر العامة ، وإن كانوا تجد سوادهم يلهث وراء موقع او تشعر أن عقله مشتت أو مبرمج.
لم يعد الأصدقاء كما كانوا , يكتفي الأصدقاء بلقاءات ترتبها لهم الصدف , وحين تتكرم الصدف وتسمح باللقاء فإن اللقاء يتم على عجل . فإما أن يكون أحد الطرفين مشغولا ,أو يخشى أن يشغل صديقه …يشعر الصديق وكأنه يسرق من وقت صديقه أو يغتصبه اغتصابا ويفترق الصديقان على عجل . وصار التقاء الأصدقاء فقط لقتل الوقت او اللهو ، فلم تعد الصداقة على سلم الاولويات ، ولم يعد من أولويات الأصدقاء بحث الهم العام هم المجتمع أو الوطن أو الأمة . وباتت الأشياء أهم من الصداقات , ولم يعد منسوب الشوق للقاء كما كان.
كانت الصداقة تقاس بمعيار الإخلاص ….كنا ندرك معنى الوفاء … انقلب المعيار وباتت المصالح تتحكم باللقاءات وتفرض حجم الابتسامات , فعرض الابتسامة ومدتها تفرضهما طبيعة الغرض , وتعكس حجم وأهمية الذي على الضفة الأخرى من اللقاء.
وإذا التقى الجمع في واحدة من المناسبات , بات التلفاز يحدث الجميع والكل يجيد الاستماع والمعروض إما مسلسل مخلخل للخلق أو مباراة لكرة القدم تجعل الحضور يتنافسون على الفوز وكأن كل منهم سيتحمل مسؤولية خسارة من يشجع من الفرق . أو لا ترى إلا أياد تتحرك على شاشات صغيرة ، تسمى هواتف ذكية , مع أني أشك بذكاء الهاتف وأقر بذكاء من صنع الهاتف ,لا اعجابا بما اخترع , بل بقدرته الذكية أحيانا على اشغال كل الحضور كل الوقت .
أضم صوتي إلى صوت من سيقول أنتم فشلتم وهزمتم وأعترف بالفشل لكني أحزن على الأجيال القادمة ، فقد قبضنا على الجمر ولم نفلح ، فما بالك بمن لا يقبض حتى على الريح ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: