الأربعاء , سبتمبر 23 2020

بحث بالدرجة الكبرى في دراسة الطب ….. مقال للشاعر/ أنس بدوي

إنّي أؤمن جدًا أنّ دراسة الطبّ مجال بحثي بالدرجة الكبرى ، لكنّ هذه الدرجة مهما علت وعظُمت تُبقي مجال البحث وراء المعلومة جزئيًا يقتصر على المتممات للأساسيات والمستجدات في هذا الفرع المتجدد على مدار اليوم والساعة .. لكنّ ذلك بالطبع لا يتضمن البحث وراء المعلومة كاملةً بأساسياتها ومتمماتها ومستجداتها وتاريخها !.. بالتالي أظنّ أنّه من المفترض أن يقوم القائمون على هذا الفرع من أطباء ومحاضرين وأساتذة وطلاب أيضًا بتقاسم هذه المهام في البحث وراء المعلومة لا أن يحمل أحدٌ ما الأدوار كلها ويغدو الآخرون متواكلون لا أكثر ..
وإنّ تقصير الطالب في دوره لا يتحمل نتائجه أحد سوى الطالب ذاته ، فذاك لا يهمّ ولن يؤثر على الطبيب الذي اكتفى بما امتلك وبات يتوسع بإضافات ومستجدات فقط بجهود من ذاته بالطبع .. وإنّ تقصير الأستاذ أو المحاضر أيضًا بدوره أيضًا تجاه طلابه وتلامذته القاضي بإعطائهم تلك الأساسيات دون أيّ نقصٍ أو تقصير والتي لا يمكن لهم الغوص في الطبّ دونها كاملةً ووضعهم على طريقٍ يؤمن لهم ويرشدهم ليغدوا يومًا كما هو الآن ، فإنّ أيّ خلل بذلك أيضًا لا يؤثر على الطبيب نفسه سوى بضميره الذي من الممكن وجوده أو الغياب ..
وبذات الدرجة التي ليس للطالب واجب -منطقيًا- لتحمل نتائج هذا الفشل أو التقصير ، عليه وحده أن يتحمل كلّ ذلك ويغدو يمثل كلّ أدوار المسرحية تلك التي غاب فريقها ليغدو المنظمّ والباحث والدارس والمفتش عن كلّ معلومة إن أراد يومًا فهم آلية مرضٍ ما أو فيزيولوجية عضوٍ ما .. وكذلك الشارح والمفسّر لزملائه وينوب عن وجود الكثير من الأساتذة ، لكنّه لا يمكن أن يغدو المقيّم لا لنفسه ولا لعمل جامعته وأساتذته أيضًا مهما مرّ الزمن .. ليبقى هدف التعليم عندنا كميّ ويهدف لكسب العلامات والمعدلات والأرقام لا أكثر ، وإنّه من المؤسف جدًا أن تكون جامعتك وأساتذتك -إلّا فيما خلا البعض- محرضًا على ذلك وعلى الاستهتار والاهتمام بالأساليب “التجارية” للتعليم بدلًا من الاهتمام بالعلم كعلمٍ مجردٍ وواجب حتميّ مقدّس ..
يبادرني السؤال أحيانًا ما نفع جامعاتنا ؟ وما مهمة أساتذتنا والمشرفين ؟ ما نفعهم إن كان الطالب سيغدو مكتفيًا بذاته علميًا ومحققًا كلّ ما يرغب بجهودٍ شخصيّةٍ بحتة ؟ كان بإمكان شخصٍ واحد أو اثنين القيام بكلّ التوجيهات واللوازم .. لسنا في الحقيقة سوى بحاجة مَن يضع العناوين وتوصيف المواد والقيام ببعض الأمور التنظيمية .. ونحن نباشر عندها بكلّ شيء .. من البحث حتى كتابة المقرر وصياغته بعيدًا عن الأخطاء أولًا وبعيدًا عن الحشو والقدم واللا نفع .. حتى صياغة أسئلة منطقية ربّما وتليق بالمسيرة التعليمية والاختبار .. ولربّما أيضًا إعادة وضع نظام تعليمي يُعطي كوادر أجدر وأكفأ ويُجبر بالالتزام النابع عن الرغبة بالتعلم لا مجرد الالتزام كضرورة لا غنى عنها ، إن لزم الأمر ..
لنستنتج عندها أنّ الخطأ في المسيرة التعليمية هو في الآلية ذاتها والقائمين عليها وليس بالمنفذين والمستهلكين (الطلاب) .. ولطالما كان اعتبار نقد تلك الآلية وذاك الخطأ “مُهينًا” للعلم وقداسته ، ولطالما كان الجميع غير قادرٍ على التفريق بين العلم والآلية للحصول عليه ، وهذا ما استدعى خطأ أفدح ، كان من واجبنا نحن -الكثير من- الطلاب الترفّع عن الأمر كلّه ! كسبيلٍ وحيدٍ للخلاص والراحة وعدم الدخول في دوامة الفشل .. والالتفات للاكتفاء الذاتيّ بالتعلم .. فلم نحصل عندها إلا على فشلٍ آخر أيضًا ..
أيّ الطرق يجب أن نسلك ؟ نتساءل هنا وسط كلّ هذا الضياع والتشتت الفكريّ ! أيّ الدروب أقل وعورةً ومرارًا ؟ ثمّ هل هناك ما يجعل من الأمور قواعد يمكن أن تُطبق -ليس على الجميع إنّما- على الغالب من الطلاب أم أنّ المعايير والمعطيات تتفاوت لتجعل من الأمر متفردًا لكلّ طالب وله هو وحده أن يختار الطريق ذاك !..
وفي الضفة المقابلة .. ترى القليل -وممَّن لا تقدر نفي وجودهم- يأخذون دورهم بشكلٍ محكم ، ويُحاسبون أنفسهم فيتقنون عملهم ومهمتهم التعليمية والتوجيهية ، فتراهم يخلقون الرغبة فينا ، وقد يفتحون سبلًا جديدةً لنا من باب التجربة واكتساب الخبرة والاعداد لجيلٍ متين من الأطباء والأساتذة .. وتتساءل هنا ، هل فيما لو غدا هؤلاء الأشخاص قيّمين على جامعاتنا فيديرون شؤونها ويتولون أمورها وقوانينها وآلية سيرها ، هل نشهد نهوضًا في المسيرة تلك ؟ هل تُخلق نقلةٌ نوعية في اهتمام الجيل وتوجهاتهم !.. أو ماذا لو عمّم القلة القليلة من الطلاب الناجحين تجاربهم وخبراتهم على الآخرين ولم ينطوا على أنفسهم ويتقنّعوا بالأنانية والذاتية !..
إنّ المهمة ليست موكلةً على جهةٍ دون أخرى أو على شخصٍ بعينه دون آخر ، كما أنّ الخطأ ليس مرميًا على جهةٍ واحدة .. فالجميع ضليعٌ فيه ومسؤولٌ عنه وسبب خلقه ووجوده .. فنرى أنّنا بحاجة لتضافر كلّ الجهود والاهتمامات والأفكار والرغبات .. من الإدارة إلى الآلية والتنفيذ ، وصولًا إلينا نحن الطلبة ..
فنحن بدايةً علينا أن ننتقد بموضوعيّة ومنطق ودون تطاولٍ مثلًا على مَن هم أعلى منا علمًا ومعرفة .. وعلينا ثمّ أن نتقبل منهم توجيهاتهم وقراراتهم وأن لا نُعطي أنفسنا حق الاعتراض على كلّ فتحة وضمّة وحركة !.. وأن نلتزم بدورنا ورغبتنا بالنهوض علمًا فنبادر من أنفسنا بواجباتنا ، لا أن نتركها واجبًا فقط !.. وانتقالًا إلى الإدارة والكادر التدريسيّ والإشرافي ، عليه هو أن يتقبل نقد الطلاب ليكون قريبًا منهم مستحوذًا على ثقتهم .. أن يحارب لأجلهم بأفكارهم ما دامت صحيحة ، لا لأجله بأفكاره ، عليه توجيههم إن أخطأوا بأسلوب مُتقبّلٍ يحتويهم .. والأهمّ من ذلك أن تُسنّ آليات وقوانين تخلق فينا رغبةً بالنهوض والاستمرار ، لا أن يكون همّهم الأول والوحيد ربّما -للكثير وليس الجميع منهم- محاربتنا وتعجيزنا والوصول بنا لحدّ الهيستيريا ..
في النهاية نرى أنّ كلّ طرف في المعادلة التعليميّة هذه عليه أن يعيَ دوره جيدًا ويلتزم به .. ويعيَ واجباته قبل حقوقه .. وأن لا يمكن له أن يطلب أمرًا دون التزامه ذاك .. ودون تقديمه لبعضٍ من التنازلات لتلقي القوى والأفكار والجهود في هدف واحد .. فهلّا نبدأ بأنفسنا نحن الطلاب ؟..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: