الخميس , ديسمبر 3 2020

مروه الملحم تكتب …..ثمّة أشخاصٌ في غاية الجمال، يمكننا الكتابة عنهم.. وثمّة أمي ..أجمل منهم ولا يمكننا الكتابة عنها

هي ليست من هنا، يقول بيتُ جدّي بحجارتهِ العتيقة وأثوابُ النوم المخيّطة على الطريقةِ الانجليزية،هيَ من زمنٍ كان كلّ شيءٍ فيه جميلاً، تقولُ الصورُ القديمةُ التي يضحكُ فيها وجهُ أمي على كنبةٍ خضراء بجوارِها مكتبة.

يقولُ جدّي أنها ولدت في “بيـت شبـاب”، اسمُ القرية يبدو جذّاباً حتى لو لم تعرف أنها قريةٌ تشبه إكليل وردٍ على تلّةٍ عاليةٍ في ريف لبنان. وكذلك أمي.
لكنني لا أصدّق ذلك، وأعتقد أنها هربت من إحدى قصص تشيخوف، بشخصيّةٍ يكونُ وصفُها سريعاً كأنك تحفظُها غيباً… ثمّ تُفاجأ أنك لاتعرفها، نموذجيّةٌ لخيالِ الكُـتّـابِ حين ينسجونَ نساءً يعلقون في الذاكرةِ، مثل انبهار.
“كانت شـاطرة كتير، بتجاوب ع كل الأسئلة! ” يقولُ زميلُ دراستها الذي مازالَ منبهراً بعد ثلاثينَ عاماً.
“كانت تنزل درج المركز الثقافي حاملة كومة كتب”، يقول الجيران.
“بتضحـك كتيـر، وضحكتـهـا حـلـوة” يقولُ الجميع.
امرأةٌ أحبّت “جولييت بينوش” و “جين فوندا”، رغمُ أن تلفازَها لم يكن ينفعُ إلا لتلعبَ “ماريو” بينما تنتظرُ جولةَ الأمومة.
صوتُها يتراوحُ بين فيروز تدندنُ وتهربُ من الشبّاك، وبينَ يدِها تهزّ السرير وبصوتٍ خافتٍ تُغنَي “يـلا تنـام”.
عيناها ألبومات صور، تتناوبان على الفرح والحزن، الحبّ والكره، النقمةِ والرّضا، تسردان حكايةِ العمر.
عرفت كيف تُبقي التماعةَ ملامحها فوق صُراخنا وعنادِنا وشغبِنا وخذلاننا،
كأنها ألفُ امرأةٍ في واحدة، كأنها شهرزادُ تتحايلُ على خبثِ الحياة لتشرق الشموسُ علينا ونحنُ أبطالُ حكاياها ….

هوامش كثيرة:
أمي لا تشبه أحداً، /باستثناء أخواتها التسعة/
أمي تعلمُ أني لم أكتب هذا المنشور لأتملّقها..
أمي تسامحني حين أشتري لها هديّة ثم أسرقها
أمي حضنُها واسعٌ لدرجة أن يتّسـع لأخي الذي طوله 180 سم
أمي حنونةٌ لدرجة أن تضعهُ فعلاً في حضنها.
صبورةٌ لدرجةِ أن تجمع هذه الألعاب الصغيرة وتحافظ عليها لأجلنا عشرينَ عاماً
أمي تلـحّ في هذه اللحظـة أن أتـرك الكتابـة وأنطلـقَ إلى جلي الصحون…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: