الأربعاء , ديسمبر 2 2020

كلمة الدكتور نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية في الإجتماع الوزاري الثامن لدول جوار ليبيا بتونس

كتب : إبراهيم جابر إبراهيم             

أود بداية أن أتوجه بخالص التحية والتقدير إلى تونس رئيساً وحكومة وشعباً وأن أتقدم إلي الشعب التونسي بالتهنئة بمناسبة العيد الوطني الستين للجمهورية التونسية. واغتنم هذه المناسبة لأعبر عن تضامن جامعة الدول العربية التام مع الجمهورية التونسية في حربها على الإرهاب الذي يحاول النيل من أمن واستقرار تونس وتعطيل مسيرة الشعب التونسي الرائدة في التغيير السياسي السلمي وبناء دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية.

ولا شك أن ما شهدته مدينة بن قردان على الحدود الليبية التونسية، من اعتداءات إرهابية وحشية منذ بضعة أيام، يعكس حجم التحديات والتداعيات الخطيرة للأزمة الليبية وما آلت إليه من تطورات تكاد تعصف بتطلعات الشعب الليبي في الحرية والاستقرار، وتلقى بظلالها على دول الجوار، وتنعكس آثارها الخطيرة على أمن واستقرار هذه الدول وعلى المنطقة برمتها. ومن هذا المنظور تأتي ضرورة تكاتف الجهود الإقليمية والدولية لمساعدة ليبيا على إنهاء هذه الأزمة وفق مشروع الحل السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة ويحظى بتأييد دول الجوار والمجتمع الدولي. وقد تحدث اليوم عدد من وزراء الخارجية مؤكدين هذا التوجه.

لقد واكبت جامعة الدول العربية تطورات الأزمة الليبية، وانحازت منذ البداية لخيارات الشعب الليبي في الحرية والتغيير الديمقراطي، ولمساندة تطلعاته فى إعادة بناء الدولة الليبية على أسس الحكم الرشيد ودولة المؤسسات وإنفاذ القانون. وأكدت جميع القرارات الصادرة عن مجلس الجامعة على المساندة التامة لمسار العملية السياسية، التي انطلقت تحت رعاية الأمم المتحدة-وممثلها السيد مارتن كوبلر، وأشكره على جهوده ومثابرته- بدعم وإسهام كبير من دول الجوار، مما أتاح التوصل إلى الاتفاق السياسي في الصخيرات بالمملكة المغربية، والذي نتطلع أن تسفر المشاورات والاتصالات الجارية إلى تتويجه بالإسراع فى انطلاق حكومة الوفاق الوطني وتمكينها من البدء بعملية بناء مؤسسات الدولة واستعادة الأمن والاستقرار وجمع السلاح وإلحاق الهزيمة بالمنظمات الإرهابية التي تسعى إلى استغلال عدم الاستقرار الذي تشهده ليبيا فى الوقت الحالى لتعبث بأمن وسلامة المجتمع الليبي، واستقرار دول الجوار.

إن الخيار الوحيد المتاح للخروج من نفق الأزمة الليبية وحالة الجمود السياسي الراهنة، يكمن في مدى قدرة الشعب الليبي بمختلف مكوناته وقواه السياسية، على تحقيق التوافق الوطني حول خطوات مسيرة الانتقال الديمقراطي وتنفيذ ما نص عليه اتفاق الصخيرات. ومثل هذا الجهد، وإن كان مسئولية الليبيين أنفسهم في المقام الأول، فإن جميع الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة في مجريات الأزمة الليبية، وفي مقدمتها دول الجوار الليبي، تتحمل مسئولية أساسية في توفير الأجواء الملائمة والمحفزة على تحقيق التوافق الوطني بين الليبيين. فما يحدث في ليبيا اليوم لا يتم بمعزل عن الأوضاع المضطربة التي تشهدها المنطقة، وما تواجهه من تحديات في المواجهة المفتوحة مع الإرهاب وما يمثله من تهديدات على استقلال وسيادة هذه الدول.

إن تحقيق المصالحة الوطنية بين جميع مكونات الشعب الليبي وقواه السياسية، يمثل ضرورة قصوى لإنهاء العوامل التي أدت إلى تأجيج النزاع ولانطلاق العملية السياسية، التي بدأت أولى معالمها بتشكيل حكومة الوفاق الوطني برئاسة السيد فايز السراج والتي أتت نتاجا لمشاورات عميقة بين مختلف أطياف الشعب الليبي، الأمر الذي يدعو إلى تقديم كافة أشكال الدعم والمساندة لها، وإزالة كل العقبات التي تعترض أداءها للمهام المناطة بها.

كما أن انطلاق عملية صياغة الدستور الليبي، وإعداده بصورته النهائية تمهيداً للاستفتاء الشعبي عليه، يمثل خطوة هامة لإرساء دولة القانون والحكم الرشيد. وما تقوم به لجنة صياغة الدستور التي تواصل اجتماعاتها الآن في مدينة صلالة، يعد عملاً يستحق الإشادة والتقدير، وذلك لكونه سيرسي ميثاقاً جديداً للشعب الليبى يقوم على أسس العدل والمواطنة والحقوق المتساوية لجميع فئات الشعب ويكرس واجبات جميع الليبيين في الدفاع عن وحدة المجتمع الليبي وصيانة مكتسباته ومقدراته. وأود أن اغتنم هذه المناسبة لتوجيه الشكر والعرفان إلى سلطنة عمان على حرصها لتهيئة المناخ المناسب لاجتماعات اللجنة وضمان عقدها في أفضل الظروف وأيسرها بما يمكن اللجنة من الوصول إلى صياغة دستور عصري يحظى بتأييد الشعب الليبي ويعكس طموحاته وتطلعاته التي ثار من أجلها.

وفي هذا الإطار، فإن بناء مؤسسات الدولة يعتبر المهمة الأكثر إلحاحاً، والتي يجدر بحكومة الوفاق الوطني الإسراع بإنجاز متطلباتها وتأتي في مقدمة ذلك الانتقال إلى العاصمة طرابلس وبناء المؤسسات المناط بها حماية أمن الوطن واستقلاله، وإنفاذ القانون، حيث أن بناء المؤسسة الأمنية بشقيها الدفاعي والأمني، يحتل أولوية قصوى في عملية إعادة البناء لتحقيق الاستقرار واستتباب الأمن. وفي هذا السياق فإن دول الجوار العربي قادرة على الإسهام على نحو فعال بإعادة بناء الجيش الليبي والأجهزة الأمنية، وتقديم الدعم الفني وتوفير الخبرات الميدانية لها، بما يساعدها على فرض النظام وحماية السيادة الوطنية، وإنهاء كافة أشكال التهديدات التي تمثلها المنظمات الإرهابية، وتصفية وجودها على امتداد الأراضي الليبية.

وختامآ ، أود أن أؤكد مجدداً على التزام جامعة الدول العربية، بالمحافظة على وحدة وسيادة ليبيا وسلامة أراضيها، ورفضها لكل ما يهدد مستقبل أمنها واستقرارها واستقلالها السياسي. وأود أن أؤكد مرة أخرى على استعداد الجامعة العربية، بالتعاون مع المنظمات الإقليمية والدولية وعلى نحو خاص الاتحاد الافريقي، وأود هنا أن أرحب بتعيين الرئيس جاكايا كيكواتى لهذه المهمة وبالطبع سيكون هناك تعاون تام بين جامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقى، ومنظمة التعاون الإسلامي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى، لبذل جهود إضافية مشتركة مع كافة الأطراف الليبية المعنية للإسراع بعملية المصالحة وتحقيق الوفاق الوطني والاستقرار.

وأتمنى أن تسفر مشاورات هذا الاجتماع الهام اليوم، عن نتائج ملموسة وفعالة تؤدي إلى تدعيم مسار عملية التوافق السياسي وتحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا. وأود أن أتقدم مجددا بخالص الشكر للجمهورية التونسية على استتضافتها الكريمة لهذا الاجتماع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: