الخميس , نوفمبر 26 2020

عصام نبيل يكتب …..ارفعوا أيديكم عن إبليس

كان علينا أن نمر بخطايانا ولا نتخلص منها على بوابة إبليس كما يفعل الجميع، يجمعون خطاياهم في أكياس سوداء كبيرة كما يجمعون القمامة، ويتسللون حتى البوابة مستغلين غياب إبليس الذي يسعى من أجل عيشه منذ طلوع الشمس دون جدوى، فقد سبقه بني آدم لم ينم ليله ليدبر ويخطط لخطايا جديدة لم تخطر على قلب عفريت، ويلقون بأحمالهم ويفرُّون، ما الذي سيتحمله إبليس أكثر من ذلك، كل الخطايا نفعلها ونلصقها ببابه؟!!، ويعود إبليس إلى بيته يجر أذيال خيبته بعد أن تغيب الشمس.
رأيته بعيني من شرفتي، وكان يبكي دمًا وكاد أن يسقط مغشيًا عليه، ويهزي بكلمات سمعتها جيدًا، كان يتحدث إلى نفسه بصوت متهدِّج عن امرأة سألها رجل شربة ماء لأنه على وشك الموت عطشًا فروت أحشاءه بماء الكبريتيك المركز، فاستعاذ إبليس بالله منها ودلف إلى بيته مروَّعًا مرتعدًا، وكاد لهيبه أن ينطفيء.
في طريقي إلى بوابة إبليس ألتقي أناسًا أعرفهم حق المعرفة وأعرف أن إبليس لا يعرفهم، وأعرف أنه لو فكر أحدهم في تأسيس مدرسة للشر لكان إبليس أول المتقدمين، خاصة بعد أن ضاق به العيش وفسدت تجارته مع البشر، ومن المؤكد أنه سيكون نعم التلميذ، فكيف نتهمه بدم بارد فيما ورَّطنا أنفسنا فيه؟!!، وبالعقل، هل يستطيع إبليس وعائلته المحدودة في توريطنا جميعًا بهذا الشكل؟!!، لماذا – إذن – تناسينا أن ما فعله إبليس على مدى قرون لا يقارن بما فعله أكثرنا طيبة في خمسة أعوام؟!!، هذا الرجل الذي زنا بمحارمه ثم دلف إلى بوابة إبليس وألقى بخطيئته ورحل أنا على يقين أن إبليس لا يعرفه اسمًا ولا رسمًا كما لا يعرفه أحد من عياله الشياطين، وهذه المرأة التي سفكت دماء ضناها من أجل عشيقها وعادت للتو بعد أن تخلصت من خطيئتها على البوابة لا صلة لها بزوجة إبليس ولا ببناته ولا زوجات أولاده؟!!.
ولمَّا أعيته الحيلة، جمع رهطًا من أحفاده ذات فجر، وأخبرهم أنه يحتاجهم في عمله الجديد، فقد قرر أن يفتح كشكًا لبيع الزهور تحت كوبري على بعد خمس دقائق من بيته، فاستخدم أحد الأحفاد طريقته الخاصة في استخراج التصاريح، وآخر سابق الزمن ليجمع تشكيلة رائعة من الزهور، والباقون شيدوا الكشك الذي بدا تحفة زجاجية تضوي تحت الكوبري، وفي الصباح حضرت زوجة إبليس بنفسها الافتتاح، وما هيإلا ساعات وتطايرت زجاجات المولوتوف التي عرفت طريقها للكشك، ولم تنفض المظاهرة إلا بعد أن بات الكشك زهورًًا ذبيحة ومهروسة وشظايا زجاج، وأصيب إبليس بشج عميق في جبهته، وطارت عين أحد أحفاده، وعاد إبليس إلى بيته مكلومًا محسروًا.
خفتت شعلة إبليس، وأصابه الوهن، وداهمه اليأس، وصار حبيس بيته، يرتعب من مجرد ذكر الشارع والناس، وعلق لافتة على بوابته مكتوب عليها: “ارفعوا أيديكم عن إبليس”، وبات يقضي الليل رافعًا يديه للسماء طالبًا العفو من الله، وحين يغفو قليلاً يهب من رقدته فزعًا متصايحًا: “أريد أن أسجد لآدم، أريد أن أسجد لآدم”!!.

 
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: