الأحد , نوفمبر 29 2020
أخبار عاجلة

شريف ممدوح يكتب : دلو الآلام

 أعتدت الأمر مع مرور الأيام .المواقف تتكرر بنمط شبه ثابت.نظرات الشفقة فى عيون الناس.خوف الأطفال من هيئة تسنيم.عدم أكتراث البعض .ذلك الرجل الذى يرمقنى انا و تسنيم بنظراته سوف يعرض عليّ المساعدة حالاً .سيدتى هل أساعدك فى أى شئ؟ .أشكرك .نطقتها لا شعورياً.ركبنا المترو حتى وصلناللعيادة . منذ تسعة أعوام مضت اتذكر نفس الحدث كما لو كان أمس. صوت الطبيب الهادئ : الأعاقة الذهنية و الحركية لا يُجدى معها أى محاولات.أتفهم جيداً سيدتى موقفك ولكن العلم مبنى على أساس و تجارب و ليس العواطف و الأحاسيس .كل ما تقوليه رائع و مُشجع ولكن ليس فى حالة ابنتك.ابنتك لن تتفهم الموسيقى و الرسم و الفنون .لن يصل اليها المعانى ولا الأحاسيس .ربما مراكز التأهيل النفسى تساعدك بشكل أفضل منى .لا أملك ألا ما كتبت لك من عقاقير مساعدة فى تحسين الحالة نسبيا و ثباتها حتى لا تتفاقم .كان الله فى عونك.صوت الممرضة أيقظنى من ذكرياتى.تسنيم دورك القادم.لا جديد فى الأستشارة النصف سنوية .فقط أذهب اليها كى أتمم حق تنسيم .تنسومة سوف نعود الى منزلنا فى تاكسى .أرتفعا حاجبيها و أومئت برأسها كما لو كانت تعى ما أقول.فى الشارع وانا فى انتظار التاكسى دار حوارا فى سيارة واقفة بجانبنا سيدة تبدو فى الثلاثينات من عمرها : قسط النادى و شاليه السخنة .قسط النادى و شاليه السخنة .كلما أطلب حاجة ترد علي نفس الرد .هل تعلم هايدى زوجها أهداها الاى فون ٦ منذ متى ؟ هل تعلم من أين تُحضر زيزى الكيراتين الخاص بشعرها من أين ؟ من البرازيل يا حازم .هل تعل………يا حبيبتى ليس معى ما يكفى المصاريف تعدت أمكانياتى .ال.. .. ……. . ابتسمت من بؤس حالى أو بالأحرى من بؤس حالهم .وصلنا البيت.استقبلتنا نغم فى فتور كالعادة قائلة : أمى أين ذهبتى كل هذا الوقت ؟ : أختك لها استشارة كل ستة شهور .أزعجنى أنها لم تسأل عن أختها. .: حسناً يا أمى سوف أذهب للنوم . قمت بأحتياجات تسنيم من طعام و دورة مياه و نظافة و تلوت بعض آيات القرآن الكريم حتى نامت. أرتميت على السرير فى تعب.أغمضت عينى و شرعت أفكر فى أمر نغم .هل أسرفنا فى دلالها الى هذا الحد.هل تحول العطف و الحنان منّا الى تربة جيدة أنبتت و ترعرعت فيها بذور الأنانية و التسلط و البطر .رحم الله زوجى العزيز .ليتك كنت معى الآن يا محمود .تركتنى وحدى فى أعاصير الحياة القاسية.استسلمت للنوم فى سكينة.آه هذا ما كان ينقصنى حقاً.نفس الكابوس المتكرر.وحدى فى الصحراء انظر فى بئر عميق أمسك بحبل يتدلى فى البئر ينتهى طرفه بدلو .البئر عميق ولكنه جاف لا يحتوى على ماء .أُرخى الحبل فيصطدم بالقاع مُحدثا قرقعة مُزعجة يتردد صداها فى جوف البئر .أجذب الحبل يبدو ثقيلاً.أجذب بشدة لا يستجيب معى. الدلو يجذبنى الآن اتشبث بحافة البئر كى لا أسقط .أصرخ .ارى بعض الناس تقترب .أصرخ بصوت أعلى الناس تقترب تنظر الي ثم يذهبون لا أحد يهتم.أصرخ بهيستريا………أمى أمى ….استيقظى يا أمى … اه .نغم .ماذا أتى بكِ . : نفس الكابوس يا أمى دلو الآلام ؟ نعم هو .كنت أطلقت على هذا الكابوس أسم دلو الآلام. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.لقد قرأت قرآنا قبل النوم لماذا لا أنام مثل باقى المخلوقات؟ بدأ الصباح فى نشوة أمل عجيبة لا تتسق مع ما أمُر به من أحداث . ولجت الى غرفة تسنيم بعدما تناولنا الفطور .بدأت فى العزف على أصابع البيانو و أنا أُركز عينى على عينها.أجل لن أكترث إلى ما قاله الطبيب.لن أكترث إلى أى علم ولا أى منطق.العلم درجات وفوق كل ذى علمٍ عليم.ربما لم يتوصل العلم بعد الى علوم الروح الخارقة للعادة.انفعل وجدانى مع العزف أفلتت دموعى من عينى خِلسة دون قصد مني انسابت النغمات فى هدؤ تغسل باطنى من أوساخ ألتصقت بها عُنوة .هاااااا لقد ظفرت بما أرنو اليه أخيرا.لقد أبتسمت تسنيم و نظرت فى شرود الى سقف الغُرفة .آه يا حبيبتى أين أنتى الآن.أتمنى لو كنت معك أُحلق فى نعيم الله .يقينى بالله قوى و الحمد لله.مهما كُنت أُمَكِ .لن أكون أحن عليكى من خالقك.اللهم لا أعتراض.تنسومة أنتهت الموسيقى.هيا بنا كى نرسم ونلون.ثم نلهو بالبالونات. مرت الأعوام و أنا هكذا .أنزوى فى ركن مجهول مع ابنتى تسنيم.الى أن فاجآتنى تسنيم بلوحة غريبة من صنعها .مرسوم بها البئر الذى أراه فى كابوسى.كلا …تسنيم لا تستطيع الرسم.أنا أمسك يدها و أتحرك مع صوابعها برفق كما لوكنت أنا التى ترسم .اللوحة خرجت من داخلى لا شعوريا.علىّ أن أستريح قليلا حتى لا أصاب بالجنون. الليلة أكتملت الرؤيا.لم يكن كابوس.لقد كانت رؤيا .نفس التفاصيل رأيتها الصحراء. البئر .دلو الآلام .و لكن هذه المرة بفضل الله نجحت أن أجذب الدلو بصعوبة و قد خرج دلو الآلام من جوف البئر العميق المُظلم .خرج الدلو ممتلئ بالجواهر و الأحجار الكريمة البراقة.و العجيب أنى رأيت الناس تهوى فى البئر هرعت أن أساعدهم ولكن رأيت تسنيم فى زى أبيض و على رأسها تاج و وجها مبتسم كالقمر تلوح لى من بعيد فتركت الدُر و الجواهر و الناس و كل شئ وركضت فى اتجاها . أحتضنتها فى شغف .لقد كانت جميلة حقا . لم أشعر بها وهى تصعد بي الى أعلى .و أعلى حتى أخترقنا فيضاً من نور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: