الأحد , سبتمبر 27 2020

الـفـــراشة …. للقاص : عادل المعموري

ينظر بعينين شاحبتين للشجيرة التي زرعها قبل أسبوعين ،أفراد أسرته يحيطون به ،الوجل يرتسم في مآقيهم ،عيناه مازالتا تنظران نحو الشجيرة المتيبسة ،انتبه اليه ولده الأكبر وهمس في أذنه:
_سامحني يا ابي لم اسقِ الشجيرة منذ لا زمتَ الفراش .
_لوكنتُ أقوى على النهوض لسقيتها ولا انتظر منكم شفقةً عليها ….اخفض الإبن الكبير رأسه خجلا ،فيما راح الرجل المريض يحدّق بالشجيرة بعينين دامعتين ،بعد ان انفضّوا من حوله ،نهض متسللا من فراشه وهو يتكئ على ذي الجدار وذا الجدار حتى وصل إليها ..وقف عندها وهو يرتجف من الحمّى ،فتح صنبور الماء وأمسك بانبوب الماء البلاستيكي وبدا يغمرها برذاذ الماء المتطاير ،شعرَ بالانتشاء وقد تبللت قدماه بالماء البارد ،بعد ان سقاها جيدا رفع (الصوندة ) عاليا وسكب ماءها فوق رأسه ،أصابته رعدة شديدة وهو يشعر بانتشاء داخلي ،بيجامته وقميصه تبللا تماما والتصقا بجسده النحيل ،رائحة التربة المبلولة أشعرته بالسعادة ،بعد قليل أغلق صنبور الماء وعاد يتكئ على زوايا الجدران حتى بلغ غرفته ،تمدد فوق فراشه مغمضاً عينيه وثمة ابتسامة رضا ترتسم فوق شفتيه الذا بلتين ،
لايعلم كم مضى من الوقت وهو مغمض العينين ،فجأة رفع رأسه ببطي والقى نظرة على الشجيرة ،كان شعاع الشمس يغمر أوراقها التي بدت ندية نظرة ،ثمة نسمات من الهواء شرعت تداعب اوراقها ،بيد انه ابتسم وهو يراقب فراشة بيضاء تدور فوق أوراقها الخضر ،
أرجع رأسه الى الوراء ،وسحبَ نفسا عميقاً موجعا ،الفراشة البيضاء تسللت نحو نافذته ووقفت تحرّك بجناحيها وهي تنظر إليه ،مدّ كفه الراعشه نحوها ببطيء ،لم تتحرك مكثت ثابتة في مكانها لمّا اقتربت أصابعه المعروقة نحو حديد النافذة نطت لتحط فوق ظهر كفه ،ظل ينظر إليها محبوراً دون أن يحرّك أصابعه ،كان يريدها أن تمكث وقتا أطول فوق كفه ،يشعر بخدر لذيذ يسري في جزيئات جسمه ،
عندما دخل عليه بعض أفراد أسرته فجاةً ،طارت الفراشه من فوق كفه واختفت عن ناظريه ،قطّب وجهه وزمّ شفتيه متألما واستسلم لوجع الحمّى التي طفقت تتسلل عبر مفاصله رويداً رويدا ،اختلس نظرة صوب الشجيرة ،وجد أوراقها قد تخلّت نحو الظل ،وفقدت رونقها ،بل فوجيء بأوراقها الخضر الندية تميل نحو الاصفرار ثانيةً، وكأنه لم يسقها قبل ساعة من الماء العذب ، بيد أن الفراشة التي غادرته قبل حين ،عادت ومعها مجاميع من الفراشات الملونة وهن يخترقن النافذة عنوة ليحطن فوق رأسه وعلى خديه الناتئين وفو ق حاجبيه الكثين فيما توزع الأخريات فوق جسده وعند أطراف قدميه ،ابتسم ابتسامة عريضة ثم شرع يقهقه بصوت عال ..سرت في جسده برودة جعلته يشعر بالانتشاء ..والوجع في مفاصله بدا يرحل عنه ،استمر يضحك جذلانا وهو يتمتم بكلمات مبهمة ، فيما خرج عنه أفراد أسرته وهم يهزون رؤوسهم أسفا لما وصلت إليه حالته المتردّية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: