الأحد , سبتمبر 20 2020

أحمد الجمال يكتب …..الأكراد ومسألة الأقليات

تخيلت أنه من السهل الإمساك بالقلم لتتدفق الكلمات عن محفوظ عبد الرحمن المفكر والمبدع والصديق النادر، ثم اكتشفت ضرورة التروي، إذ لن يكون مناسبا كلمات تأبينية فيها إشادة ومديح وذكريات تفصيلية، خاصة أن هذه المساحة من الأهرام شهدت سجالا ساخنا حول الدراما والتاريخ، وبين الكاتب السيناريست وبين المؤرخ وكان مسلسل الجماعة لكاتبه ومؤرخه قوام السجال، ومن ثم أؤجل الكتابة عن صديقي الكبير محفوظ عبد الرحمن، وأكتب عن قضية أظنها مشتركة بيننا ليس لمجرد القناعات الفكرية والثقافية التي انتمينا إليها، ولكن لأن الراحل العزيز ظل مهموما بهموم مصر والأمة كلها حتى وهو في أمس الحاجة للعناية بصحته.. وهي قضية الأكراد والجدل السياسي الساخن حول انفصالهم عن العراق، تمهيدا للدولة الكردية.
ومنذ أيام قليلة شاهدت لقطات تصور حفل ترحيب بالملا مسعود البرزاني في الدولة الصهيونية إسرائيل، وقد أطنب مذيع الحفل الإسرائيلي في وصف العلاقة العميقة والحميمة بين الأكراد وبين إسرائيل واليهود، وأخذ يعدد في المقابل مساوئ العرب والأتراك والفرس، ويشيد بالأكراد واليهود ويحفز البرزاني للمضي قدما في الانفصال وإقامة الدولة، وأن إسرائيل ستقف وبقوة في مساندتهم!.. وجاء الرد الكردي في الحفل شاكرا ممتنا ومؤكدا العلاقة ومؤكدا المضي في الاستفتاء ومن ثم الانفصال!
لم أرد بهذا المدخل – وهو وقائع أظن أن كثيرين رأوها – أن أوجه أصابع الخيانة للأكراد وتواطئهم مع الصهاينة ومن ثم فالإدانة المؤكدة هي النتيجة، لأنه من المعلوم أن ثمة علاقات كردية إسرائيلية قديمة منذ أيام الملا مصطفى البرزاني ونظيره الطالباني!
ولكن المعلوم أن قضية الأقليات في المنطقة بوجه عام تستحق وقفة عاجلة وسليمة، خاصة أنها قضية ممتدة من أقصى الشرق والشمال إلى أقصى الغرب والجنوب..
إذ تتوزع الأقليات العرقية أو الدينية أو المذهبية بين جنبات الدول العربية وإيران وتركيا وإثيوبيا، وربما نجد مجموعة بشرية في دولة ما تمثل أقلية عرقية ودينية ومذهبية، وهنا تأتي مسألة النظر في الثقافات الفرعية الداخلة ضمن التكوين الثقافي الشامل لوطن أو بلد ما.
هي قضية قديمة متجددة، وستزداد اشتعالا، رغم أن الموقف الأمريكي والتركي والإيراني في قضية الأكراد ضد انفصالهم وضد إقامة دولة كردية، ولكن هذا الموقف الذي قد يتطور للتصدي عمليا لأي خطوة انفصالية لن يلغي المشكلة أو يخفف من وطأتها، لأنها تعقدت على مدار التاريخ بعد أن أهملت الأغلبية – إذا جاز المصطلح – ومنها دوما السلطة الحاكمة، ما يسمى بلغة السياسة الدولية المعاصرة “حقوق الأقليات”، وقد يحق لي أن أسميه من منظور آخر احترام التنوع الإثني والديني والمذهبي ومن ثم الثقافي داخل المجتمع وحتمية الاهتمام بكل الثقافات الفرعية، وانعكاس ذلك في برامج التعليم والإعلام وفي الخدمات وأيضا في تركيبة الحكم ومفاصله المؤسسية!.. لأن غياب هذا الاحترام عمليا كان من أهم الأسباب التي أدت إلى تعاظم موجات الإرهاب باسم الدين، ونحن نعلم أن العمود الفقري لفكر هذا الإرهاب هو إنكار الآخر وازدراؤه ونفي وجوده كليا، سواء بالقتل أو بالاستعباد أو باستئصال وجوده المعنوي فكريا وثقافيا وعقائديا!
ولعي في هذا السياق المتصل بالأكراد في العراق أبحث عن إجابة لسؤال هو: لماذا ترفض الولايات المتحدة أحد المحاور التي كانت تسعى الإدارات الأمريكية لتحقيقها، حتى جاءت الإدارة التي صممت وطبقت موجة “الربيع” إياه، وأعني به محور العمل على تأجيج الصراعات العرقية والدينية والمذهبية وأيضا الاجتماعية، والوصول إلى تفتيت الكيانات المركبة حضاريا مثل العراق والشام ومصر إلى دويلات أو كانتونات، ولتبقى دولة الأقلية اليهودية هي النموذج الأعلى والأسمى والأكثر تفوقا والأشد قوة؟!
وأعود إلى قضية وضع ما يسمى (الأقليات) بين هلالين، لأن هناك تنوعا في مجتمع كالمجتمع المصري وتاريخا وحضارة كلها تحول دون الحديث عن أقليات بالمعنى الاصطلاحي، ومع ذلك ورغم هذا الاندماج الحضاري الثقافي الوطني الفريد، كنا ومازلنا نعاني من غياب الاهتمام بمكوناتنا الثقافية المتعددة، ومازالت مناهجنا في التعليمين العام والجامعي تهمل وتسقط العديد من مكنوناتنا التاريخية والحضارية والثقافية، وقد كتب في هذا الموضوع الكثير، وانعقدت الندوات والمؤتمرات وتشكلت جمعيات ولجان ولم نحرز تقدما ملحوظا في هذا الاتجاه. ثم إن علاقة بعض “الأقليات” بالدولة الصهيونية كان مبعثها في الأصل البحث عن ظهير إقليمي مساند للحركات السياسية الممثلة للأقليات، ولم تفلت الدولة الصهيونية الفرصة النادرة لتمتد أصابعها الاستخباراتية للعمل على إضعاف الدول العربية التي تواجهها، وكان منها العراق، الذي حاولت بعض نظم حكمه وخاصة على أيام بعث صدام حسين، أن تتعامل مع المسألة الكردية بشكل سليم ولو شكليا، فكان من الأكراد نائب لرئيس الجمهورية إضافة إلى ما يشبه إدارة ذاتية.. ومع ذلك ها هي المشكلة الكردية تتفجر وتمضي بسرعة نحو الانفصال، ومن ثم الدولة التي سوف تكون نواتها – فيما لو أقيمت – عراقية وبعدها تمتد للوطن الكردي الكبير الممتد بدوره في إيران وسوريا وتركيا، وفيما أظن بعض مناطق أخرى في آسيا!
ولا أريد أن أستطرد بالحديث عمّا كان يسمى القضية الأمازيغية، ومعها قضية الساقية الحمراء ووادي الذهب، ومعهما قضية جنوب السودان، وقضية المنطقة الشرقية في المملكة، وأيضا حتى لاندفن رؤوسنا في رمال المكابرة ما يتصاعد أحيانا عن وضع الأقباط المسيحيين في مصر!
الموضوع ليس سهلا ولا عابرا، وما لم تتجه الجهود لاحترام كامل وعملي للتنوعات العرقية والدينية والمذهبية وللتعددية الثقافية، فإن العواقب وخيمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: