الخميس , سبتمبر 24 2020

احمد عفيفي يتذكر : فريد شوقي صارخا .. كان قدامي حاجة من اتنين .. إما أسرق وإما أشحت .. مفيش حل تالت !!

!قابلت مرة الفنانة الجميلة هدى سلطان في ستوديو الاهرام ، ونصحتني نصيحة بعمل بيها لحد النهارده ، كنت صغير جدا وقتها ، لا خبرة ولا يحزنون .. فسألتها عن فريد شوقي وقصة الحب والطلاق ، فقالت لي : يا ابني ياحبيبي الحكاية دي قديمة ومستهلكة ، والكلام فيها لايودي ولا يجيب ، حتستفيد ايه انت كصحفي لما احكي لك عن حياتي الشخصية جدا مع فنان كبير .. تعالى نتكلم في حاجة مهمة .. دي نصيحة لك وانت زي ابني.

ومن يومها وانا فعلا بقيت أبعد عن الكلام العبيط اللي حتى يخلّي ضيفك ” يستهّيفك ” وانت قاعد معاه .. عشان كده وبعد كام سنة من مقابلتي لهدى سلطان قابلت فريد شوقي في مكتبه بشارع شريف وسط البلد ، وفي ذهني طبعا مجبش سيرة هدى سلطان خالص .. لكن فريد شوقي ، زي هدى سلطان هو كمان .. قام نصحني نصيحة برضه في الصميم .. كنت بسأله : ” السيما ” بالنسبة لك بتعني إيه ؟ .. فبص لي وهو لابس نظارته النظر وقال لي : اسمها ” السينما ” .. مش ” السيما ” .. انت راجل صحفي ، فلما تيجي تتكلم .. تتكلم صح.

.. ماشي يا استاذي 
بابتسامة في غاية اللطف قال لي : انا تحت أمرك ، عايز نتكلم في ايه؟ 
قلت : عايز اتكلم عن فريد شوقي اللي الناس متعرفوش .. فريد شوقي مش وحش الشاشة ولا ملك الترسو زي ما اطلقوا عليك .. فريد شوقي الفنان القيمة اللي معجون بالفن والابداع.
رد : بس انا معتز جدا بلقب ” وحش الشاشة ” ، ولولا المرحلة دي مكنتش بقيت فريد شوقي ..لولا انك توصل للناس البسيطة في الشارع وتبقى بالنسبة لهم البطل اللي بيجيب لهم حقهم ، لولا انك تعيش وتكمّل وتنوّع بعد كده زي ما انت عايز .. خلاص وصلت للناس وحبّوك .. فحيقبلوا منك اى تغيير حتعمله .. لان هدفك في النهاية انك تسعدهم.
**************************** 
( 2 ) 
” فريد شوقي ياجماعة مش ممثل .. فريد شوقي عبقري تمثيل .. لو بصينا النهارده مثلا على اى بطل من أبطال اليومين دول ، بمجرد ماعمل بطولتين تلاتة وبيتقال عليه نجم ، خلاص .. ياما هنا ياما هناك .. مناخيره في السما ويا أرض اتهدي ماعليكي أدي .. تعالى قوله مثلا ، عايزك في دور حلو أوي بس مش دور بطولة .. البطولة لفلان الفلاني .. حيبص لك من فوق لتحت ، ويقولك : معطلكش .. مش انا ياحبيبي .. العب بعيد .. ده بيحصل فعلا .. لكن تعالوا شوفوا فريد شوقي وهو بطل الابطال ونجم النجوم .. محمد خان كلمه عشان يعمل دور تحفة في ” خرج ولم يعد “.. وكان البطل يحي الفخراني وليلى علوي .. مقلش لأ .. وعمل دور ميعملوش غيره .. صلاح ابو سيف طلبه في فيلم ” السقا مات ” مع البطل الاساسي عزت العلايلي .. عمل دور ميتنسيش .. ليه ماقلش انا فريد شوقي .. ازاى امثل مع احمد زكي ابن امبارح ويبقى هو البطل او يحيى الفخراني ، ايا كان الاسم او نور الشريف زي ماعمل معاه فيلم ” لاتبكي ياحبيب العمر “

…. ليه قبلت يا استاذ فريد؟
رد : شوفي يا ابني .. الفنان الحقيقي اللي جوّاه فن بجد .. ميدّورش على الكلام الفارغ ده .. مين اسمه قبل مين وانا كبير وهو لسه طالع .. ده كلام ناس عبيطة ومعقدة .. يعني بالله عليك لما الاقي مثلا دور ابو البنات صاحب الارض في فيلم ” خرج ولم يعد ” .. الراجل اللي عيلته كلها بنات ومش شايل اى هم للدنيا ورامي كل حموله على اللي خلقه .. حياته كلها بسيطة وممتعة .. يعشق الأكل والخضرة ونسمة الهوا الصافية بعيد عن هوا المدينة وقرفها .. راجل رايق .. معاه مبسوط .. مش معاه مبسوط .. بياكل كويس وبناته صحتهم زي الفل وبيعرف يناغش مراته بالليل ويدلع نفسه .. يبقى عايز ايه من الدنيا تاني .. وقيس على كده ادوار كتيره جدا .. زي ” عيون لا تنام ” مع احمد زكي.. وزي ” ملف في الاداب ” مع صلاح السعدني ومديحة كامل .. الراجل الموظف البسيط اللي بيعتبر كل الموظفين ولاده .. مشغول باللي عليه فلوس لجاره ومش عارف يسدّها ازاى ، فيدخله في جمعية ويقبّضهاله الاول .. والبنت الغلبانة اللي نفسها تتستر وتتجوز ، فيمشي في الموضوع ويوفق بين الاتنين .. عايز اقول ان الدور هو المهم .. خلاص انا فريد شوقي ومش ناقص نجومية ولا تلميع .. فاشتغل بقى على مزاجي والدور اللي يضيف ليا ميسحبش من رصيدي .. اسمي بقى انكتب قبل فلان ولا علان .. كل ده كلام هجص .. ميدخلش ذمتي بتلاتة تعريفة.
************************* 
( 3 )

عارف يا استاذ فريد انا بحب جدا ” رصيف نمرة 5 ” ، رغم انه من افلامك الأكشن .. بس كان نبرته إنسانية أوي .. بس الفيلم اللي ما اخدش حقه كما يجب رغم فكرته العبقرية ” طريد الفردوس ” اللي كتب قصته توفيق الحكيم .. مكنتش خايف من الفيلم ده؟
رد : والله كنت خايف جدا .. فيلم فلسفي اوي .. والازهر اعترض عليه .. بس في الأخر وافق .. الفكرة مجنونة .. الشيخ عليش راجل عايش في صومعته ليل نهار يصلي ويتعبّد .. لا بيشوف حد ولا حد بيشوفه .. فمات ودفنوه .. وطلع فوق يتحاسب .. ورايح بقلب جامد اوي ع الجنة .. ملقاش اسمه في الكشف.. نهار اسود ومنيل .. وانا لو مكنتش ادخل الجنة مين يدخلها أمال ؟ .. طيب ، قام رايح ع النار وهو مرعوب .. برضه ملقاش اسمه .. بس سمع الهاتف بيعلّمه الكلام الصح .. حوار في غاية الروعة والجمال والاتقان .. 
.. واقف مابين الجنة والنار .. لا الجنة قبّلاه ولا النار عايزاه .. يعني ايه يا اخوانا .. أبات في الشارع؟!
فسمع الهاتف بيقول له : عارف ليه ، لا انت داخل الجنة ولا داخل النار ؟
.. الشيخ عليش : ليه ياسيدنا ؟
الهاتف : لأنك لم تُختبر في دنيتك.. عشت في معزل عن العالم .. كنت بتصلي وتصوم وتتعبد ليل نهار نعم .. لكنك مشفتش الغلط وبعدت عنه.
…. الشيخ عليش : انا عمري في حياتي ماعملت غلطة واحدة .
الهاتف : وانت شفت الغلط فين عشان تقرر انك تعمله او متعملوش .. حد عرض عليك رشوة مثلا وعقلك راح وجه وفي الأخر قلت : اني أخاف الله ؟ .. طبعا لأ .. اتعرضت مثلا لواحدة في غاية الجمال والروعة ودعتك للخلوة بها مثلما فعلت إمرأة العزيز مع يوسف ، فاستعصمت وقلت : معاذ الله. كنت مش لاقي تاكل ولا تأكل عيالك وجارك عنده شىء وشويات فرحت سارقه ؟
الشيخ عليش : انا مش فاهم حاجة .. لو اتعرضت للي بتقول عليه ده أكيد كنت ححعمل حساب ربنا.
الهاتف : بتقول لو .. لكنه محصلش عشان نعرف قوة إيمانك وإرادتك وعزيمتك .. لما تشوف الغلط بعينك فتقرر انك تبعد عنه مخافة الله رب العالمين.
الشيخ عليش : يعني أعمل ايه دلوقتي ؟
الهاتف : انزل للأرض تاني .. واخرج واحتك بالناس .. حتتعرض لإغراءات كتيرة جدا .. وشوف نفسك حترشدك وتاخدك لفين .. ساعتها حتعرف مكانك عندنا .. إما جنة وإما نار.
مع السلامة يا شيخ عليش.
*********************** 
ايه الحوار العبقري ده يا استاذ فريد؟
مبتسما : الحوار ده مش منقول نصا بالقطع .. انا بس عايز أقرب المعنى للي بيقرا ، لكنه لخّص القضية كلها .. وزي ما انت شايف .. فكرة الاستاذ الكبير توفيق الحكيم جريئة جدا في طرحها .. ومع ذلك انا شايف ان الفيلم كان ممكن يكون أفضل من كده .. اتعمل ” بلهوجة ” الى حد ما ، وكان عايز مخرج تقيل عن فطين عبد الوهاب مع كل احترامي ومحبتي له .. كان عايز صلاح ابو سيف .. بس المهم المعنى بتاعه وصل للناس.

بعدين بصي لي وقاللي : بس انا مبسوط انك جبت سيرة الفيلم ده 
.. اشمعنى ؟ أنا اللي بسأل 
رد : لأنه مش بيتذاع كتير في التليفزيون وكونه معلّق معاك .. يبقى احساسك الدرامي عالي .
***************************** 
( 4 ) 
.. فاكر حسن ابو الروس يا استاذ فريد ؟
وهو بيضحك : انت ايه حكايتك .. جي ومنشن على افلام تعتبر علامات مضيئة في السينما .. طبعا حسن ابو الروس في ” بداية ونهاية ” لعمنا الكبير نجيب محفوظ ، وابو الواقعية كلها صلاح ابو سيف .. تعرف الفيلم ده على أد ماكنت بضحك فيه .. على أد ماجابلي اكتئاب .. ودور حسن دور حلو أوي .. واحد عيلته طافحة الدم ، واللحمة بيسمعوا عنها وفاكرينها بتتزرع ولها مواسم زي نفيسة ماسألتني ” هى اللحمة طلعت ” .. مأساة أسرة جمعت كل المتناقضات جوّاها .. الأخ الضابط الاناني .. والمدرس المكافح وابو الروس الحرامي والأخت اللي باعت نفسها لكلاب الشوارع عشان تجيب ” بريزة ” تدّيها لاخوها الضابط الندل عشان يخرج ويتفسح. 
الفيلم بيتكلم عن الصراع الطبقي في المجتمع المصري .. انت ابن بيئتك ولو وصلت لأعلى المناصب .. وده مش وحش على فكرة انك تبقى ضابط ولا دكتور وابوك بواب ولا عربجي .. طول ما انت شايفه كبير طول ما انت كبير في نظر نفسك ونظر الناس .. حتدوس عليه عشان ” حيعرك ” .. يبقى حكمت على نفسك بالموت. 
فيلم عبقري مفيش كلام .. بس العبقرية الحقيقية كانت نفيسة ” سناء جميل ” .. يومها قلت لها : انتي حتبقى نجمة مصر السنين اللي جاية.. فردت عليا وقالت : وانا وحشة كده . قلت لها : أنتي أجمل ست في الدينا بدماغك وعقلك.
****************************** 
( 5 ) 
بدهشة حقيقية : عايز نروح فين تاني يا استاذي؟
فرد : الدفة في ايدك .. والحوار دسم على غير ما توقعت.
قلت : اذن نتكلم عن ” السقا مات “
رد : نتكلم عن السقا مات .. وسألني : انت قريت القصة ؟ قلت بصراحة لأ .. بس الفيلم مبهر.
قال : فعلا .. الفيلم مبهر إخراجيا .. بس نوعية الافلام اللي زي دي مش بتجيب مع الجمهور ، بمعنى مش بتنجح على قدر قيمتها ومعناها .. بس يبقى العمل الفني خالد وله قيمته في تاريخ السينما .. ومن الافلام دي ” السقا مات ” .. وانا كنت عامل دور الراجل اللي كل وظيفته في الحياة انه يشيّع الميت ويلبس التشريفة اللي تليق به ” بالميت طبعا ” .. فلما قابل سيد شوشة اللي هو السقا واتعرّف عليه.. عم شوشة اتشاءم منه .. وهو فاكر لأنه وظيفته انه بيمشي ورا الميتين .. ان مش حيجي عليه اليوم اللي الناس تشيله وتمشي وراه لحد ما تدفنه .. فلسفة عميقة اوي من يوسف السباعي .. بس الحقيقة .. السينما من حين لحين محتاجة اوي للأعمال الكبيرة دي .. مش مهم تحقق نجاح جماهيري .. بس حتفضل في ارشيف السينما المصرية كنموذج يشرفنا كلنا.

سألته : كل فنان يا استاذنا له اعمال مش راي راضي عنها .. كتيرة عندك ولا قليلة؟
رد : اكيد طبعا عملت افلام مش راضي عنها .. خصوصا في البداية .. لكني بحب كل اعمالي .. الحلوة فيها والوحش .. زي مابيقولوا كلهم ولادي وانا اللي خلفتهم .. الواد الحلو اشيله في عنيا .. طيب الوحش .. أرميه؟!

.. لك فيلم غريب اوي اسمه ” قلب الليل ” .. ودورك كان غامض جدا .. الراوي الكبير جد جعفر الراوي اللي قام بدروه نور الشريف .. برضه ماشي في نفس السكة الفلسفية اللي بتناقش قضية الوجود والشك واليقين .. بحس انك بتأدي أدوارك دي بمتعة كبيرة اوي.. صح ؟
رد : صح جدا .. ” قلب الليل ” قصة نجيب محفوظ .. ولو ترجع لقصته ” الطريق ” تعرف الاديب الكبير ده بيناقش ايه من خلال رواياته وشخوصه .. ودي طبيعة المفكرين الكبار .. اللي ممكن يتشككوا في كل الامور حتى في حقيقة الوجود وكينونته .. بس لما بيدركوا الحقيقة ويلمسوها بيبقى ايمانهم أقوى مليون مرة من ايمانا احنا العادي .. زي مصطفى محمود مثلا اللي كان ملحد بصريح العبارة ووصل لقمة اليقين والايمان فيما بعد .. 
ثم قال : واحد صاحبي شافني في قلب الليل وسألني : انت بدقنك البيضة دي وبكل روعتك وهيبتك وجلالك تطلع مين؟ .. فرديت عليه ببساطة شديدة : اطلع زي ما انت حاسسني ” مش شايفني ” .. المعنى هنا يفرق .. ومرضتش افسر اكتر من كده .. بس بقى ما دام جبت سيرة قلب الليل .. فلازم نؤدي التحية للمخرج العبقري عاطف الطيب .. حقيقي انقذ السينما هو وشلة الزملاء ورفقاء دربه محمد خان وبشير الديك وداود عبد السيد وخيري بشارة وسمير سيف من الانحدار بعد رحيل معظم الكبار اللي كانوا بيدّوا للسينما والفن المصري قيمة كبيرة اوي .. العيال الجديدة دي خدت بإيدينا احنا الكبار وعرفنا من خلالهم ان السينما ممكن تبقى احلى بكتير .. بس عايز المخ اللي بيفكر.
***************************** 
( 6 ) 
شوف يا استاذ فريد .. حضرتك نقلت نقلة كبيرة اوي في حياتك السينمائية لمّا عملت ” ومضى قطار العمر ” وبالوالدين إحسانا ” .. والقنبلة التالتة ، ” الموظفون في الارض “.. وعايز اقولك ولأول مرة ربما في تاريخ السينما ينتهى الفيلم في صالة العرض والستارة بتقفل والجمهور يصفق لمدة طويلة ، .. في المسرح ده طبيعي .. لكن في السينما جديدة وأمر نادر الحدوث .. كلمني شوية عن الفيلم ده.
رد : ده يا سيدي فيلم صارخ بيعرّي المجتمع بتاعنا ويُظهر عوراته .. فلمّا تبقى مدير عام او وكيل وزارة او حتى وزير .. وراتبك مش مكفيك تأكل عيالك وتعلمّهم وتلبّسهم .. فتضطر اضطرار المُجبر انك تنزل الشارع وتغيّر هيئتك وملابسك وتشحت عشان تعيش .. يبقى المجتمع ده عايز ثورة حقيقية تفوّقه من الغيبوبة اللي هو عايش فيها .. ومشهد النهاية في الفيلم ده مشهد عبقري وهو بيكلم القاضي ويقوله وهو بيصرخ كأنه عايز صرخته تهز العالم كله : قوللي .. لو مكنتش أشحت أعمل إيه .. لو مكنتش أشحت أعمل إيه .. لو مكنتش أشحت أعمل إيه ؟!
قلت وانا متأثر جدا بكلامه وانفعاله الحقيقي : عشان كده الناس هاتك ياتصفيق وبكاء في نفس الوقت .. لأنهم شافوا مأساتهم فيك انت .. الشريف مالوش مكان في البلد دي .. والحرامي هو اللي بيحكم ويتحكم ..
رد منهيا كلامه بعبقرية فنان من العيار التقيل : والحل إما تسرق .. وإما تشحت .. مفيش حل تالت. 
وهو مبتسم بمرارة : عندك كلام تاني عايزنا نتكلم فيه؟
قلت بانبهار حقيقي : بعد كلامك .. مفيش كلام تاني يافنان ياكبير .. انا عارف اني تعبت حضرتك .
وهو بيضحك : جدا .. بس حقيقي .. امتعتني .. حوار مختلف دخل دماغي .. اشكرك
… انا اللي بشكر حضرتك يا استاذ .. سلام عليكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: