الخميس , أكتوبر 1 2020

د. سلطان الخضور … يكتب : العدالة تحصحص الحق

 تبدو كلمة حصحص غير مألوفة في الإستخدام الدارج للغة العربية سواء مشافهة أو كتابة إلا ما ورد منها مقرونا بكلمة الحق ، ومن حيث المعنى اللغوي للكلمة وردت في قاموس المعاني بمعنى وضح وبان بعد خفاء وفي هذا القاموس ايضا ورد المعنى على نحو وضح واستقر، والحصحوص من الرجال الذي يتتبع دقائق الأمور فيعلمها ويحصيها .
والآية 51 من سورة يوسف عليه السلام (قالت إمرأة العزيز الآن حصحص الحق ) فسرها الطبري على نحو – الآن تبين الحق وانكشف فظهر – فما كان الحق في حينه ليحصحص لولا أن أمرأة العزيز في لحظة من ضمير أعترفت انها هي التي راودته عن نفسة .
أما كلمة الحق فقد جعلها الله من أسمائه الحسنى ،ما يعنى أن للكلمة وزن كبير من اللفظ والمعنى ومن هنا نجد أن أصحاب الحق يعيشون مطمئنين غير آبهين لكل الذين يحاولون طمس الحقائق والتعالي على الحق بالباطل الذي هو عدو الحق ونقيضه ،فالباطل عكس الحق تماما تجده هش البنيان ،مترهل ،مرتجف غير متوازن ، أيل للسقوط يحتاج فقط إلى قوة تسند الحق بالحق لينهار تلقائيا لأن الحق والباطل لا يلتقيان ،فلا يمكن أن تكون أي قضية ولا يمكن أن يكون أي شخص على حق وعلى باطل في نفس الوقت ،فمكان الحق ومجلسه لا يتسعان الا للحق ولا مكان للباطل بينهما .ولا بد للمتخاصمين أن يكون أحدهما على حق والآخر على باطل .
وقد قرن المغربي د –عبدالسلام اولباز الحق بالعدالة فأورد ( أن الحق يعني الفرد والعدالة تعني الجماعة وأن بينهما تلازما ضروريا إذ كما أورد د- عبدالسلام ان الحق لا يستقيم إلا في تحقق العدالة ولا معنى للعدالة إلا في ضمان الحقوق ،وانه يتم إعلاء الحق والعدالة في منطق الأخلاق والعقل . ويتم القفز عليهما في صراع المصالح) وعليه فالحق لا يمكن الحصول عليه الا ببذل الجهد واظهار البينة فإن الحق لا يظهر الا بأداة والأداة هنا شخص أو مجموعة من الاشخاص تبحث عن الحق وتعمل العدالة بين الطرفين أو الاطراف ،وإعمال العدالة تلقائيا معناه دحر الباطل وأظهار الحق .
وقد تحدث ألفيبسوف اليوناني أرسطو ( 322ق م – 384 ق م) عن العدالة من منظورين الأول يتعلق بفضائل الأخلاق بالإمتثال للقوانين والثاني من منظور المساواة وقد قسمها الى عدالة توزيعية بتوزيع الخبرات والموارد حسب الطاقة المبذولة وعدالة تعويضية بتنظيم المعاملات لمنع الظلم وأعتبر أن الغاية من العدالة الفضيلة على اعتبار أن العدالة أم الفضائل .
وعودة إلى الحق هل بالضرورة أن يظهر الحق ؟نعم أنا أرى أن الحق لا بد أن يظهر لكن قد يطول أمد الظلم فيرى صاحب الحق أن حقه قد ضاع . الحق قد يغيب “بفتح الياء ” أو يغيب “بضم الياء الأولى وتشديد الثانية “لكنه في النهاية سينبلج انبلاج الفجر لأنه لا بد أن يلد الزمان من يحقق العدالة ويعيد للناس حقوقها ، وهذا أول شرط من شروط ظهور الحق ، فكم من الحقوق ظهرت بعد أن غادر أصحابها الدنيا ، ومن الممكن أيضا أن يظهر الحق سريعا لضعف في الباطل ووجود نسبة عالية من الظلم لا تقترب من المنطق ولا تحتكم الى العدالة . وبمجرد البدء بالسعي لإظهار الحق سواء من صاحبة أو من القائمين على انصاف الناس لتحقيق العدالة سيبدأ الظلم بالتقهقر لأنه لا يملك القوة التي يملكها الحق ، فكلما عظمت قوة الحق كلمة زاد الباطل هشاشة وضعفا . أضف إلى ذلك أن التسلح بالآيمان _ آيمان صاحب الحق بحقه بقوة _ وعدم التردد في المطالبة به وتوفير الأدوات اللازمة لأظهاره من شواهد وشهود ، واستغلال الظروف المناسبة للمطالبة به والحصول عليه ، والتحلي بالصبر وطول النفس وعدم التسرع في الحصول عليه ، لأن التسرع قد
يوقع في الخطأ ،والوقوع في الخطأ قد يسهم في تأخر ظهورالحق . وقد قالت العرب أن”الساكت عن الحق شيطان أخرس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: