السبت , سبتمبر 19 2020

خنساء فلسطين رحاب كنعان : توحدت مع الجرح النازف في تل الزعتر وتفجرت ابداعاً

خنساء فلسطين رحاب كنعان : توحدت مع الجرح النازف في تل الزعتر وتفجرت ابداعاً

بقلم: أحلام الكفارنة




بحثت عن واحدٍ وخمسون قنديلاً في تل الزعتر واعشوشب حزنها خيوطاً من لهب وتوحدت كطائر الرخ مع المنافي والاغتراب في أرضٍ ليس لها رائحتها ولا فيروز عيونها وتأرجحت بين الفكرة والدمعة وتاهت بين سهول وفيافي الوطن كزنبقةٍ تبث عطرها مع الريح المسافرة نحو حيفا وعكا وتنخرط مع بحر غزة وتنزرع شجرة سنديان ” رحاب كنعان أو سميها خنساء فلسطين ” سيظل شعرها يعيدنا إلى حيث بدأت هي ، التجارب أكسبتها التواضع والطيبة ، والدموع حفرت أخاديد على وجهها ” وميمنة ” حكاية فجرت مشاعر وأحاسيس من شاهدها ، كم هو رائعُ الاحتضان حين يكون لمن نحب وحتماً سنحتضن تراب المعشوقة رافعين إشارة نصرٍ وقبضةٍ مشتبكةً أدباً وفناً مع من اقتلع الفرحة من أرضنا .



كلاكيت أول مرة


حثيثاً يبتعد الظل نحو صحراء تلهب الأجساد وحكاية الدار والحاكورة ترتبط بالأنفاس المتلاحقة أو اللاهثة ، بعض خيامٍ منتشرة تفقدنا ما تبقى من حلم .. تنهدت وتأملت الحائط المقابل ومالت برأسها نحونا ومسحت بطرف قميصها بقايا دموع ” كانت رحلتنا شاقة ومعذبة ككل القصص الفلسطينية ولكننا تعودنا على الاندماج قسراً والوطن يسكننا ولا يبتعد عنا .. تل الزعتر مخيم فلسطيني مقهور وحالم ” .

توقفت هنيهة ريثما تقدم أكواب الشاي لنا وأردفت قائلة ” حكايتي معه حكاية مميزة مازلت أفتش فيه عن قناديلي المفقودة .. تل الزعتر الذي انفجر على رؤوس ساكنيه بنزوة حاكم متغطرس أراد أن يثبت رجولته على الأهالي الآمنين مقنعاً نفسه أنه يستطيع قهرهم وإبادتهم ” .

ضحكت رحاب معلقة ” ذهب هو وبقى تل الزعتر ، ولكني فقدت عائلتي جميعاً .. أخذت أصرخ وأضرب الحيطان وأنثر التراب فوق رأسي وأهتف بأسمائهم جميعاً .

قدمنا لها كأساً من الماء حتى تهدأ ثورتها الحميمية .. عادت بعد أن رسمت على وجهها ابتسامة ” هل كتب علينا أن نموت أكثر من مرة أو نموت حزناً وراء حزن ” .

خرج المقاتلون قهراً من بيروت بعد تصدٍ أسطوري وتركوا مخيم صبرا وشاتيلا وحيداً وتسلل القتلة بسكاكينهم وهراوتهم يذبحون الآمنين من عجائز وأطفال في ليلةٍ دامية والصراخ يرتفع إلى عنان السماء والآهات تنتقل من جريح إلى قتيل ” ماهر لفظ أنفاسه هناك بعد أن اختطف مني قهراً ومن المفارقات أن الجريدة هي وسيلتي لمعرفة كل الحكاية الموجعة ” .

كلاكيت تاني مرة


الرحلة الأخيرة إلى تونس أحسسنا أننا ولدنا من جديد كأصحاب الأرض يعاملوننا .. نحترمهم ويقدروننا .. نفرح ويواسوننا .

نظرت نحونا مبتسمة ” عشنا كحلمٍ جميل أو كتمهيد لحكاية عودة أو لوحة فنان أو هتافٌ يدخلنا لذة حقيقية وعدنا هنا بعد أن كنا هناك ، ربما هنا محاصر وفاقد لنكهة الوطن ولكنه أجمل من هناك وصور تل الزعتر وصبرا وشاتيلا تفقدني صوابي .. هنا جمال اللغة ورجولة الموقف وشهامة الصديق .. هنا تنفستُ الصعداء فقد عاد لي وطني .


ميمنة والجزء المفقود


الكاميرات زوم وأنفاسي متلاحقة وكلماتي تنطلق شوقاً وتذكراً لها ، لا أعرف طيفها حام فوق سمائي تلك اللحظة ، دخلت كشمسٍ بهية نحوي .. نعم هي .. لا .. أخيالٌ أم حقيقة .. اتسعت عيوني وكادت تخرج من محجريها وهي تتقدم بكل اللهفة وكان الاحتضان علنياً كما كان الموت علنياً في تل الزعتر .


تل الزعتر بداية ثورة المشاعر


عندما تتجمع الصور المأساوية وتتخزن بين مسامات القلب لابد من ثورة قلم يخطُ على الورق كل الأحاسيس والذكريات ، هكذا بدأت أكتب عنهم ، عن قناديلي المفقودة هناك في أرضٍ غريبة عنا ، سال مداد القلم بحوراً من العذاب وذكريات الأحباب ، كنت أحاول أن أجد ذاتي المفقودة بين أنقاض الماضي المؤلم لأبقى أحافظ على صورهم وأقلبها عبر شعرٍ أو نثرٍ أو تأريخاً وهاجس تل الزعتر مزروعاً بين اللحم والعظم حتى صرت مخيماً قتيلاً ولكني تخلصت منه وذهبت إلى موضوعات أخرى حتى لا أفقد صوابي وقدراتي وأصبحت متنوعة ومتعددة من أجل القدس والوطن .


عمق الضباب وقراصين الكواكب


مع ارتشاف فناجين القهوة تنهدت وهي تتفحصنا بعيونها ” كم أعشق الإنسان وأقدسه كيف لا وقد فقدت أعز البشر .. أحلام .. جيهان .. كل الأشياء ستموت وتنقرض ويبقى من كرمه الله ولكن هناك ” قراصين الكواكب ” توهموا بالانقضاض علينا وإدخالنا في ” عمق الضباب ” ولكن هيهات أن يفلحوا لأننا سنبقى ” ثورات مزمنة ” و ” رسالة إلى ابني ” قدمتها ” شكوى لأبو عمار ” وألفت منها ” البسمة المجروحة ” في تونس لأروي تفاصيل رواية ” تل الزعتر ” مخترقة ” شلال الفصول الثمانية ” لأن حكايتنا ” عصير الرماد ” الفلسطيني وأتساءل ” كيف تنام شمس المنفى على مجازر الفلسطينيين في لبنان ” .

للنجاح مذاق آخر


عدتُ إلى تونس أنثر حكايتي في بني خلاد والمونستير والزاوية الجديدة ومنزلة ميم وأتشابك مع تكلسة وغزتي تنهض من كبوتها وتعود إلى محيطها الأجمل والأبهر نقية بأناسها الطيبين وشبابها المجتهد المثابر وفتياتها المزدانات بالثوب الفلسطيني وأن تلتفت الحكومات إلى الإنسان وتعزز مفاهيمه وقدراته ليبتعد عن الطريق الخاطئ ويبقى نقياً يحمل الهم الفلسطيني .


شكر بطريقة خاصة


عند الباب المؤدي إلى الخارج تعانقنا وهي تشد على راحتينا ” أرتيلوجيا مفصل مهم كما أشاهد على صفحتكم المتواضعة ولكنها تحترم من يحترق من أجل الآخرين .. اصمدوا أمام الريح فلن تنحني القامات الثابتة .. أرتيلوجيا واحة راحة للفن والشعر والتشكيل .. أرجوكم شكلوا وطناً منحوتاً بين الفاء والنون .

نقلا ُ : عن دنيا الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: