الجمعة , سبتمبر 18 2020

أشرف الريس يكتب : رحيل السعيد و أزمة اليسار !

يظل
الدكتور رفعت السعيد الذى رحل عن عالمنا مُنذ أيام واحداً من أكثر الشخصيات السياسية
ثراءاً و إخلاصاً لأفكاره و ما يعتقده و يتفوق على كثيرٍ من خصومه لأنه ظل يعمل و لديه
دائما مايبقيه فى ذاكرة السياسة و الأفكار و سيظل صفحة مُهمة من تاريخ السياسة و اليسار
فى مصر ,, و المُختلفون مع الدكتور رفعت السعيد مُتنوعون بين خصوم جذريين من الإخوان
أو الجماعات الدينية ضد أفكاره و من داخل اليسار أيضاً من يختلفون مع توجهاته و آرائه
بحُكم المصالح والإنتماءات داخل اليسار ,, و نستطيع و نحن نسرد مسيرة حياة الراحل أن
نختصر الكثير من التفاصيل فى عالم السياسة عموماً و اليسار المصرى على وجه الخصوص و
هى مسيرة تزدحم بالكثير من التفاصيل و الصراعات و الخلافات و الإتفاقات و إرتبطت أيضاً
بمراحل تاريخية مُتغيرة فهناك فرق بين صورة الدكتور رفعت السعيد الكاتب و المؤرخ لليسار
و بين السياسى الذى شغل مناصب مُختلفة فى حزب التجمع و الحركة اليسارية منذ خمسينيات
القرن العشرين و حتى اليوم ,, أما الصورة الأكثر وضوحاً و ثباتاً فهى كون السعيد أحد
أهم مؤرخى الحركة اليسارية فى مصر و أهم ما أنجزه فى هذا المجال هى مجموعة الكتب التى
أبرزها ” تاريخ الحركة الإشتراكية فى مصر ” و” الصحافة اليسارية فى
مصر ” و” هكذا تكلم الشيوعيون ” و غيرها التى قدم فيها توثيقاً تاريخياً
سليماً و حقيقياً للتنظيمات اليسارية و إصداراتها و أنشطتها و خلافاتها مُنذ نشأتها
فى بدايات القرن العشرين و حتى فترة الثمانينيات بجانب مؤلفات أخرى مُهمة منها كتابه
المهم عن الزعيم ” مصطفى النحاس ” و أيضًا عن ” ثورة 1919م ” فضلا
عن كتابات و مؤلفات نقدية للإخوان و تيارات الإسلام السياسى كان السعيد فيها ناقداً
و مُختلفاً بشكل شامل و جذرى و ظل مُتمسكاً بآرائه فى كل الفترات و ظل تيار الإسلام
السياسى يُمثل خِصماً واضحاً له كونه قدم خطاً واضحاً فى إنتقاد و مُعارضة هذا التيار
و فى المُقابل ناصبه هؤلاء أشد العداء حتى بعد رحيله ! بشماتتهم الحقيرة و الوضيعة
فى موته و التى لاتُقرها أياً من الأديان السماوية ,, و تعد كُل هذه المؤلفات أكثر
الأعمال شمولاً و حسب ماهو مُتوفر لم يقدم أى مؤرخ أعمالاً حول اليسار فى مصر مثلما
فعل السعيد ! و بالطبع صدرت مُذكرات و كِتابات مُتفرقة لقادة و رموز اليسار لكن ظلت
مؤلفات السعيد هى الأكثر تغطية لفترات و تيارات و تنظيمات مُهمة و لهذا تمثل مؤلفات
السعيد مراجع حتى ممن إختلفوا حولها لأن خلافاتهم إقتصرت على التفاصيل و ليس فى الأصول
,, و لقد كان طبيعياً أن يعتبره التيار الدينى السياسى خصماً لكن كان معه قطاعاً من
اليسار يختلف مع السعيد على نفس أرضية خلاف الدين المُسيس ! ,, فالسعيد كان سياسىاً
عِصامياً تدرج من عضو فى تنظيمات شيوعية سرية ليحتل موقعاً قيادياً و مع حزب التجمع
و إنتقل من العمل السرى للعلنى و طبيعى أن يكون هناك اختلاف بين العمل السرى و العلنى
و ضرورات يفرضها العمل السياسى كما أن الإنتقال إلى العمل السياسى العلنى له مطالبه
أهمها هو التعايش فى صيغ توافقية بين مُتناقضات بينما التنظيمات السرية تعيش أكثر على
الشعارات خاصة إذا بقيت ضمن أعداد محدودة تنعزل عن المُجتمع و تطوراته السياسية و الإجتماعية
أيضاً ,, و حزب التجمع قد نشأ بصيغة توافقية فى نهاية سبعينيات القرن الماضى تجمع اليسار
بتنوعاته فشمل الشيوعيين و الناصريين و القوميين و كانت مُعارضة الرئيس أنور السادات
هى الرابط فى تماسك حزب التجمع لكن رحيله فجر التناقضات و إنتهى بانشقاقات مُتوالية
! و كان خالد محيى الدين ” عضو مجلس قيادة الثورة السابق و رئيس حزب التجمع قبل
السعيد ” بما له من كاريزما و وضع القيادة التاريخية و علاقاته مع كل التيارات
يُمثل الحل التوفيقى الأمثل لزعامة التجمع و مع الوقت واجه اليسار أزمات نظرية و عملية
على مُستوى العالم خصوصاً بعد سُقوط جدار برلين عام 1989م ثم الإتحاد السوفيتى و جرى
تفكك سريع للكُتلة الإشتراكية و بقيت الولايات المُتحدة قطباً واحداً ,, و كانت أزمة
حزب التجمع و الأحزاب اليسارية لاحقة على تولى رفعت السعيد رئاسته فكان طبيعياً أن
تظهر خلافات داخل التجمع بسبب القرارات التى يتخذها السعيد من فصل و تجميد عضوية لكن
الأمر لم يكن بعيداً عن أزمة عامة تعانى منها الأحزاب عموما و اليسار على وجه الخصوص
.. و من المُفارقات أن كثيرين من خصوم السعيد قد كتبوا قبل و بعد رحيله بأنهم يختلفون
أو إختلفوا معه لم ينجح أى منهم على الإطلاق فى تقديم تجربة بديلة ! و عندما أتيحت
لهم الفرصة لإقامة أحزاب أو تكتلات لليسار ظلت أحزاباً ضعيفة و هشة أو ورقية أو أحزاب
حكومية ” موالية للدولة فى الخفاء و مُعارضة لها فى العلن ! ” و بات رؤسائها
و أمناؤها العوام يتسابقون سباق الخيول للتودد للدولة حتى يفوزوا بالتعيين ! بمقاعد
فى مجلسى الشورى أو الشعب و مثال على ذلك الأمين العام لأحد الأحزاب اليسارية الإشتراكية
حتى 2010م و علاقته الأمنية المفضوحه بأمن الدولة مُنذ أن كان أميناً لتنظيم ذلك الحزب
و المشبوهة بصفوت الشريف مُنذ أن أضحى آميناً عاماً له ! مُقابل تعيين الشريف له عضواً
بمجلس الشورى ! و قد عينه بالفعل حتى جاءت ثورة 25 يناير و تم حل المجلس و تم فضحه
هو و كُل المُنافقيين من أمثاله ! .. و بالتالى فالأزمة لم تكن أزمة السياسى و اليسارى
المُحترم رفعت السعيد و رئاسته للحزب فحسب لكنها أزمة اليسار بتنوعاته المُختلفة و
بتنوعات رجاله المختلفون أيضاً ! .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: