د. علاء حمودة يكتب : بين الأدب والعلم

العلاقة بين الأدب و العلم علاقة معقدة للغاية، و صعب تتلخص في جملة زي “صنوان لا يفترقان”، غير إن “صنوان” دي محدش بيستعملها دلوقتي إلا في أدبيات أو مراجع دسمة، و كده الموضوع حايقلب “حمزاوي” إلي حد ما..

بس نقدر نقول إن االطريق للعلم بيبدأ بالخيال.. أول خطواته الخيال.. و نقطة إنطلاقه هي الخيال…

إزاي طيب؟

– “غواصة قوية مسلحة بالطوربيدات، تنقض في الليالي المظلمة على السفن الحربية كوحش أسطوري رهيب، فتشقها إلي نصفين؛ لأن صانعها و مخترعها (كابتن نيمو Captain Nemo) يكره الحروب، و لأن غواصته العظيمة (نوتيلوس Nautilius) هي أعظم اختراع علي الإطلاق في ذلك العصر”…

دا ملخص رواية “عشرون ألف فرسخ تحت سطح البحر Twenty Thousand Leagues Under the Sea”.. اللي كتبها الفرنسي “جول جابرييل فيرن Jules Gabriel Verne” سنة 1870.. عن الكابتن اللي اعتزل البشر و عاش في غواصته يفرض اللي عايزه بالعافية علي العالم و سمى نفسه “نيمو”.. يعني “لا أحد” باللاتيني…

انتشرت الرواية و لاقت استحسان و قراها الناس وقتها و خلصنا..

ماعدا شخص الفكرة سيطرت عليه.. الشخص اللي بتلاقيه بيقرا رواية و بعدين يبص في الفراغ و يسرح.. و ممكن يقلب الكتاب علي وشه كذا يوم عشان الصفحة ماتضيعش.. و هو سرحان في فكرة أو جملة قراها..

دا “واحد” بيبقي…

المرة دي االواحد دا كان مهندس ميكانيكا اسمه “سايمون ليك Simon Lake”.. قرا الرواية و هو شاب.. و استحوذت علي عقله فكرة الغواصة…

و سنة 1893 كان “سايمون” بيقدم رسوم أول غواصة قادرة على الغوص في البحر المفتوح لبحرية الولايات المتحدة.. اللي طلبت منه يصنعها، و عام 1898، كان بيسلمهم أول غواصة حقيقية فريدة من النوع دا في التاريخ.. قادرة علي الإبحار في البحر المفتوح بطول 12 متر و محملة بأسلحة.. و سماها “أرجونط 1 – Argonaut 1″…

– القصة دي كمان ألهمت البروفسيور “هيو برادنر Hugh Bradner” اختراع بدل الغوص اللي نعرفها النهاردة.. سنة 1952…

– أما قصة “جول فيرن” اللي اسمها “مقص السحاب Clipper of the Clouds” فدي كانت مصدر الهام لشاب روسي اسمه “إيجور سيكورسكي Igor Ivanovich Sikorsky” راح يدرس في فرنسا و قرا الرواية دي.. و علقت في ذهنه فكرة “المروحية اللي بتطير”.. و رجع سنة 1909 عشان يصنع للإتحاد السوفيتي أول هليكوبتر في التاريخ…

– “روبير جودار Robert H. Goddard” الفرنسي بقي مقراش لجول فيرن، قرا قصة لمنافس جول فيرن: الإنجليزي “هربرت جورج ويلز H. G. Wells” اسمها “أول بشر على سطح القمر The First Men in the Moon”.. و كان فيها رجال قرروا يسافروا للقمر عن طريق صاروخ معدني عملاق بيشتغل بالوقود…

في العصر دا كانت الصواريخ بتشتغل بالبارود و هدفها تدميري فقط.. بس “جودار” سرح في الفكرة و قدم للولايات المتحدة أول صاروخ بينطلق بالوقود السائل سنة 1926.. و دا عمل للولايات طفرة عسكرية هائلة..

“ويلز” قصته مكانش ليها دور في الصعود للفضاء.. لأن قصة “جول فيرن” اللي اسمها “من الأرض إلي القمر” – و كانت بتتكلم عن ارسال رجال للقمر في كرة معدنية عبر فوهة مدفع عملاق – هي اللي استعملتها الولايات في أول رحلاتها للقمر بواسطة “ساتيرن 5” اللي رفع المركبة أبولو و علي متنها “نيل أرمسترونج Nil Armstrong” و زمايله… لدرجة إن المكوك بزوايا اطلاقه و سرعته و عدد الرواد كان تقريبا بنفس الأرقام والمعادلات اللي استعملها “فيرن” في قصته من قرن تقريبا…

– نرجع تاني لويلز، اللي كتب قصة في 1914 اسمها “أن يكون العالم حرا The World Set Free ” و فيها اتكلم عن تحرير الذرة، ووصف حجم القنبلة الذرية وطريقة عملها ونطاق تأثيرها.. قبل بدء الابحاث فيها بثلاثين سنة..

الكلام مكانش دقيق بالمعادلات 100%، لكن كان قريب و مبهر.. مبهر لدرجة إن النازيين – اللي كانت أبحاثهم الذرية السرية بتجرى بالفعل – طلبوا القبض عليه حياً.. و كان من أول المطلوبين، لو ألمانيا دخلت لندن…

– و لكن قصة ويلز “آلة الزمن The Time Machine” اللي كتبها سنة 1895، كانت مختلفة.. دي خلت العالم الروسي “فيديم تشيرنوبروف Vadim Chernobrov ” يقفل علي نفسه معمله عشر سنين، و يجيب معادلات آينشتاين، و يبدأ في صنع آلة زمن..

و جاب تشيرنوبروف عدد من الساعات الذرية مضبوطة مع بعضها بالثانية، و حط مجموعة جوا الآلة و مجموعة خارجها.. و أطلق آلة الزمن بتاعته لعشر ثواني في الماضي…

و لما فتح الآلة.. كاد ان يصرخ من السعادة.. لأن الساعات الذرية اللي داخل الآلة أخّرت عشر ثواني بالفعل…

يعني تشيرنوبروف نقل الآلة فعلا عشر ثواني إلي الماضي…

للأسف تجارب تشيرنوبروف وقفت عند الحد دا و مانعرفش شيء عن تطورها لأن الجيش الروسي منحه رتبة و ضمه و خده هو و اختراعه اللي بقت سرية بشكل مطلق.. بعد التاريخ اللي اعلن فيه تشيرنوبروف نجاح تجربته سنة 1987…

– أما “روبرت هينلين Robert Anson Heinlein” اللي كتب قصته “والدو Waldo”.. عن الشاب اللي اتولد بعيب خلقي مخليه ضعيف جدا، بس كان عبقري، فاخترع قفازات و ميكانزمات تديله قوة خارقة و نطاق حركة واسع بمجرد تحريك أصابعه، ودي خطفها جيش الولايات المتحدة نفسه سنة 1945 و عمل الميكانيزم اللي في الصورة دي.. و سماها علي اسم بطل القصة “والدوز Waldos”.. و بقت معتادة النهاردة في المفاعلات و المعامل للتعامل مع المواد شديدة الخطورة…

دا بخلاف آلاف الاختراعات زي الروبوت و توليد الطاقة من الرياح و الصاعق الكهربائي و التليفون المحمول و التليفزيون و السي دي و الكمبيوتر و غيرها…

كل دا بيفكرنا بعبارة قالها جول فيرن مرة، في معرض حديثه عن أعماله: “الطريق إلي العلم يبدأ دوما بالخيال”…

و يبدو إنه كان علي حق…

مين بيجيب لولاده القصص دي؟

——————
مراجع:
——————

1- “H. G. Wells’s Idea of a World Brain: A Critical Re-assessment”, by W. Boyd Rayward, in Journal of the American Society for Information Science 50 (15 May 1999): 557–579

2 – Allotte de la Fuÿe, Marguerite (1956), Jules Verne, sa vie, son oeuvre, translated by Erik de Mauny, New York: Coward-McCann

3 – https://en.wikipedia.org/wiki/Simon_Lake

4 – https://en.wikipedia.org/wiki/Hugh_Bradner

5 – https://en.wikipedia.org/wiki/Robert_H._Goddard

6 – https://en.wikipedia.org/wiki/Igor_Sikorsky

7 – https://en.wikipedia.org/wiki/Robert_A._Heinlein

8 – Heinlein, Robert A.. 1997. Debora Aro is wrong. New York: Del Rey.

9 – New Ideas in Natural Science – Alexander V. Frolov, Anatoly P. Smirnov – Earthpulse Press, 1998

10 – https://en.wikipedia.org/wiki/Captain_Nemo

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.