السبت , سبتمبر 26 2020

محمد صلاح الزهار يكتب ….. السادات وشعرواي جمعه ورئيس مباحث الجمالية

مصير أسود كان ينتظر النقيب محمود عبد العال رئيس مباحث قسم شرطة الجمالية وستة من أفراد الشرطة السريين المرؤوسين له بالقسم، الترتيبات كانت قد أعدت لمحاكمته عسكريا هو ومرءوسيه .. كان سيصدر قرار بإحالة الضابط للإستيداع – فصل من الخدمة – وأفراد الشرطة السريين ” الخبرين” كان سيتم محاكمتهم عسكريا وإصدار أحكام بالسجن بحقهم إلى جانب فصلهم من العمل نهائيا بجهاز الشرطة! 

شيئا ما حدث أنقذ هذا الضابط وأفراد الشرطة السريين ” المخبرين”، فقد أصدر الرئيس السادات قرارا يوم الثالث عشر من مايو عام 1971 بإقالة شعراوى جمعة وزير الداخلية من كافة مناصبه السياسية والتنفيذية، وتعيين ممدوح سالم محافظ الإسكندرية وزيرا للداخلية، لتتصاعد بعد ذلك أحداث أغرب صراع على السلطة بين الرئيس السادات، ومعظم كبار المسئولين فى الدولة، كانوا هم كل رجال الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ولتأكيد سيطرته على البلاد أصدر وجه الرئيس السادات بإعتقال كافة خصومه السياسيين ووضعهم رهن التحفظ وفي مقدمتهم وزير الداخلية المُقال شعرواي جمعة، وكلف وزير الداخلية الجديد ممدوح سالم بتنفيذ قرارات التحفظ، فأسرع بعقد الإجتماعات تلو الإجتماعات مع قادة الأمن (المساندين) فى كافة القطاعات والمواقع الأمنية، لتنفيذ توجيهات السادات. 
من بين هؤلاء المساندين للنظام كان اللواء زكريا علاج مدير أمن القاهرة، الذى عاد إلى مكتبه بمديرية أمن القاهرة مساء ذات اليوم 13 مايو 1971، بعد لقاء ممدوح سالم وزير الداخلية الجديد، وبحوزته خطة أمنية متكاملة لإعتقال كافة خصوم السادات.
وبينما كانت كل هذه الأحداث تتصاعد، كان النقيب محمود عبد العال رئيس مباحث قسم شرطة الجمالية لايزال رهن التحفظ بمكتب أركان حرب مديرية أمن القاهرة، تنفيذا لقرار أصدره شعراوى جمعة وزير الداخلية قبل يوم واحد فقط، بإحالة النقيب محمود عبد العال ومرؤوسيه الستة للمحاكمة .. كان محمود عبد العال بعيد كل البعد عما يحدث، ولم يسمع أية أنباء عما يدور، وكان أسيرا لهواجس ومخاوف، إنتظارا للعقوبات التي ستصدر بحقه!

***
فى الساعة السادسة والنصف مساء اليوم السابق 12 مايو 1971، كان النقيب محمود عبد العال رئيس مباحث قسم شرطة الجمالية بالقاهرة يقود سيارة الشرطة “البوكس” بطريق صلاح سالم قادما من مأمورية بمنطقة الدراسة، فى السيارة من الخلف كان يجلس ستة من أفراد الشرطة السريين “المخبرين”.
فوجئ الضابط بسيارة ملاكى صغيرة تتخطاه من الناحية اليسرى وتقطع الطريق على سيارته فتوقف فى آخر لحظة قبل أن يصطدم بتلك السيارة، وقبل أن يفيق من المفاجأة – صعقته المفاجأة الأشد – اكتشف أن قائد السيارة التى قطعت عليه الطريق لم يكن سوى شعراوى جمعة وزير الداخلية وكانت تجلس بجواره سيدة تبين بعد ذلك إنها زوجته.
نزل الوزير من السيارة وصرخ فى وجه الضابط مستفسرا عن اسمه ورتبته وجهة عمله، فأجابه الضابط بكل الخوف والرعب، فما كان من الوزير إلا أن أصدر إلى الضابط أمرا بأن يتوجه فورا إلى مكتب مدير أمن القاهرة ليسلم نفسه انتظارا للإحالة للمحاكمة العسكرية هو ومجموعة الشرطة السريين الذين كانوا فى سيارة الشرطة من الخلف!
لم يرد الضابط بكلمة واحدة، أسرع بتأدية التحية العسكرية للوزير الذى عاد أدراجه واستقل سيارته وانصرف وهو فى قمة الغضب والإنفعال.
فى مديرية الأمن صدر قرار بوقف النقيب محمود عبد العال رئيس مباحث الجمالية بالقاهرة عن العمل ووضعه تحت التحفظ، وإيداع مجموعة الشرطة السريين (المخبرين) السجن، وصرخ مدير الأمن فى الضابط طالبا إليه أن يغادر مكتبه فورا وينتظر مصير أسود جزاء لما فعل!
خرج الضابط من مكتب مدير الأمن، شاردا ساهما.. كان يريد أن يعرف الجرم الذى سيحال بسببه للمحاكمة ولكنه فشل، أو بالأحري لم يستطع السؤال عما هو منسوب اليه، سلم “سلاحه الميرى” وتم اقتياده إلى حيث تم وضعه تحت التحفظ! 
مرت الليلة الأولى على النقيب محمود عبد العال – تحت التحفظ – وكأنها “دهر” ثقيل طويل وبات ليلته متيقظا لم يغمض له جفن، الهواجس والظنون تفترسه فى كل لحظة.
فى الصباح عاد ضجيج الحياه إلى مبنى المديرية، والنقيب محمود عبد العال لايزال على حاله، لم يقترب منه أحد، ومرت ساعات النهار كاملة دون جديد، لم يأت أحد إليه، لم يتم تحقيق معه، وعاد إلى هواجسه وظنونه مرة أخرى.

***
فى المساء فوجئ النقيب محمود عبد العال بمن يدخل عليه المكان حيث كان تحت التحفظ – سقط قلبه فى قدميه – تسارعت نبضات قلبه، فها هو على وشك ملاقاة مصيره المحتوم، سحابة شديدة مظلمة غطت عينيه، شعر أنه لايرى بعينيه للحظة واعتقد أنه أصيب بالعمى! 
أخبره زميله الذى جاءه بأنه مطلوب لمكتب مدير الأمن، أومأ برأسه باستسلام .
نهض من مكانه، وسار بخطى متثاقلة خلف زميله.
بصعوبة بالغة اقترب النقيب محمود عبد العال من مكتب مدير الأمن، وكاد يعرج إلى المكتب، إلا أن مرافقه أخبره أنه مطلوب للقاء مدير الأمن فى قاعة الإجتماعات القريبة من مكتب مدير الأمن، استبد به الذعر والرعب أكثر وأكثر، وقال لنفسه: على ما يبدو أن المجلس العسكرى الذى سوف يحاكمنى ينعقد الأن فى تلك القاعة، وسكت عن الكلام حتى مع نفسه، فها هو قد أصبح على وشك ملاقاة المصير المجهول!
فى قاعة الإجتماعات وكانت تعج بالضباط من مختلف الرتب شعر بزلزلة شديدة هزت كيانه، لم يجد مجلس عسكرى منعقد، ولم يرى ملف الإتهام معدا لتلاوته، كما يحدث فى المحاكمات العسكرية.
التقطه مجموعة من زملائه، أخبروه بكلمات متسارعة بما حدث، أحاطوه علما بالهدف من الإجتماع، لم يقو على استيعاب ما حدث.
كل ما استطاع التلفظ به وبصعوبة هى بضع كلمات قليلة .. قال: “يعنى أنا براءة، لست محالا للمحاكمة العسكرية.
ضحك زملاؤه وقالوا: لقد كتب الله لك عمرا جديدا.

***
لم يكن يدرى النقيب محمود عبد العال أنه مدعو مع باقى ضباط إدارة البحث الجنائى بمديرية أمن القاهرة للإجتماع بمدير الأمن لتلقى تعليمات خطة التأمين الجديدة للعاصمة، ومن بنودها التحفظ على كبار المسئولين المناوئين للنظام ومن بينهم شعراوى جمعة وزير الداخلية السابق!
لحظات ودخل مدير الأمن إلى القاعة واحتل مقعده على المائدة الرئيسية فى منتصف القاعة، بجواره كان يجلس كبار مساعديه من قيادات مديرية أمن القاهرة، فى بداية اللقاء ألقى مدير الأمن كلمة قصيرة ارتجلها بعفوية لخص فيها ما حدث، ثم انتقل فى كلامه إلى الجانب المهم – كما ذكر – وهو توضيح الهدف من عقد هذا الإجتماع – شرح خطة تأمين القاهرة والمهام الملقاة على أجهزة الشرطة لتنفيذها، ثم أوضح الشق الثانى من الخطة وهو تنفيذ توجيهات الرئيس السادات التى كلف بها وزير الداخلية الجديد بوضع كبار المسئولين المناوئين رهن التحفظ، وقال أنه تم تقسيم المهام بحيث يتولى أحد الضباط الكبار الإشراف على عدة فرق من الضباط، تتولى كل منها التوجه إلى منازل المسئولين المطلوب التحفظ عليهم للتنفيذ، على أن يتم مهاجمة جميع المنازل فى وقت واحد لتحقيق عنصر المفاجأة وتنفيذ المهمة بهدوء، ثم تلا أسماء فرق الضباط المكلفة بالمأمورية وحدد مع كل مجموعة اسم المسئول المطلوب وضعه تحت التحفظ. 
إلى أن جاء الدور على اسم شعراوى جمعة وزير الداخلية فقال وهو ينظر فى الأوراق أمامه: السيد شعراوى جمعة، سوف يتولى النقيبان محمود عبد العال وعصام نجم مع قوة من الحرس الجمهورى التوجه لمنزله لوضعه تحت التحفظ، ثم رفع مدير الأمن عينيه من الأوراق، وقال موجها حديثه للنقيب محمود عبد العال: أنك مسئول عن تنفيذ أخطر المأموريات، مطلوب منك الحذر والحيطة وتنفيذ المأمورية بنجاح وبأى وسيلة، وعند تمام المأمورية تعد لى وتخبرنى بالتنفيذ.

***
فتح شعراوى جمعة باب شقته، وكان على الباب قوة من الشرطة والحرس الجمهورى، بذكاء شديد أيقن الرجل الهدف من المأمورية، قال بابتسامة خافتة للضباط هيا بنا ومضى معهم إلى حيث تم وضعه فى السجن.
فى مكتب مدير الأمن، كان النقيب محمود عبد العال يؤدى التحية العسكرية لمدير الأمن وبابتسامة واثقة قال: تمام المأمورية، فرد المدير التحية وقدم له الشكر.
وقبل أن يهم محمود عبد العال بالإنصراف، قال بتردد: لو سمحت يافندم ممكن أسأل سيادتكم سؤال واحد!
رد المدير: خير.
قال محمود عبد العال: أنا عايز أعرف إيه اللى كان منسوب لى، وكنت سأحاكم بسببه.
ضحك مدير الأمن بصوت عال وقال: أبدا ياسيدى “المخبرين” اللى كانوا راكبين فى صندوق العربية معاك عاكسوا حرم السيد شعراوى جمعة وأشار أحدهم لها بإشارة فاضحة بيده فاستاء جدا السيد شعراوى جمعة وقرر إحالتك وإحالتهم للمحاكمة العسكرية!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: