الأحد , سبتمبر 20 2020

عبدالرحيم حشمت عسيري يكتب …كارثة قطار إسكندرية

من المعروف أن سكك حديد مصر تعد ثاني أقدم سكك حديد عرفها العالم شرقه وغربه ، وهي الأولى على مستوى الشرق الأوسط كله ، كما تعد من أضخم السكك الحديد حيث تملك أسطولا ضخما من القطارات ، ولديها شبكة هائلة من الخطوط الطولية والعرضية التي تقدر بحوالي عشرة آلاف كيلو متر تغطي جميع أنحاء الجمهورية باستثناء محافظات شبه جزيرة سيناء ، ومحافظتي الوادي الجديد ، والبحر الأحمر .. ويقدر حجم نقل الركاب على متن قطاراتها بحوالي مليون ونصف المليون راكب يوميا قابلة للزيادة مستقبلا فبالرغم من حوادث السكك الحديد المتكررة ما زال القطار يعتبر وسيلة المواصلات المفضلة لدى شرائح المجتمع المصري كافة . 
لكن الغريب العجيب أن مشروع ازدواج خط سكك حديد أسيوط – أسوان الذي تم إنجازه على يد وزير النقل الأسبق المهندس سليمان متولي في الثمانينات من القرن الماضي وأحدث نقلة نوعية كبرى لا يمكن التعتيم عليها أو إنكارها لاسيما على قطاع السياحة يعتبر الإضافة الوحيدة اليتيمة للسكك الحديد ولم يطرأ عليها أي تطوير آخر ذي قيمة منذ أنشأ الإنجليز هذا المرفق الحيوي الكبير إبان استعمارهم لبلادنا الحبيبة حتى اليوم .. لكن الأغرب والأعجب أن عدم تطوير السكك الحديد لم يكن بسبب عجز في ميزانية الدولة أو قلة في الموارد العامة ولكن بسبب زواج السلطة بالمال ، وارتفاع معدلات الفساد ، وتوحش الحرامية الكبار الذين انتشروا في المؤسسات العامة كالضباع الضالة ، وتعاملوا مع أملاك الدولة كما لو كانت لقيطة لا يعرف لها صاحب ، أو ثروة هبطت عليهم من السماء فجأة . كما تعتبر السكك الحديد – إضافة إلى قناة السويس والسد العالي – من الممتلكات العامة المقدسة المستبعدة تماما من الخصخصة .. لذلك بقيت كما كانت دائما ملكا خالصا لهذا الشعب ولم تستطع العصابة التي حكمت البلاد بالحديد والنار على مدى ثلاثين عاما أن تستولي عليها كما فعلت مع بقية شركات ومصانع القطاع العام التي أنشأها الزعيم الخالد جمال عبدالناصر . 
تعددت حوادث القطارات والأسباب تكاد أن تكون واحدة .. بدءا من التسيب ، مرورا بانعدام الضمير ، وصولا إلى الإهمال ، وانتهاء بالتقصير .. حيث تشير أرقام التقارير الرسمية الصادرة من الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى ارتفاع معدلات حوادث القطارات خلال الفترة الماضية ما وضع مصر في مرتبة متقدمة بين أسوأ 10 دول على مستوى العالم كله من حيث ارتفاع معدلات حوادث القطارات التي تؤدي إلى خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات .. فلا تكاد الأمة المصرية على مدى العقود الأربعة الماضية تشرع في نسيان حادث لقطار حتى يدهمها حادث مروع جديد ينكأ الجراح ، ويجدد الأحزان .. كوارث السكك الحديد تتوالى ، والقتلى والمصابون بالآلاف ، والخسائر المادية بالملايين ، والوعود الكاذبة مستمرة ، والضحية شعب عظيم اشتهر بطول البال ، وأذهل العالم كله بصبره على الهوان ، وعرف بقدرته العجيبة على التضحية والاحتمال . 
لكن إذا أردنا أن نعرف على وجه اليقين من الذي يقف وراء حوادث القطارات ، ويخلق الأزمات التي تكدر حياة المصريين .. فما علينا إلا أن نفتش عن حكومة المهندس شريف إسماعيل .. وكيف لا وقد أصبح الإهمال عنوانها ، والتسيب منهجها ، والغلاء الفاحش نتيجة حتمية لسياساتها الاقتصادية .. لذلك انحدر في عهدها مستوى الأداء العام في مؤسسات الدولة كافة .. وما هيئة السكك الحديد إلا واحدة من هذه المؤسسات المتهالكة التي تدهورت إداريا ، وتخلفت تكنولوجيا ، ولم تسلم بطبيعة الحال من موجة الفساد التي ضربت البلاد وجوعت العباد .. وكيف لا تتخلف هذه الهيئة ويعمل في قطاعاتها المختلفة حوالي 90 ألف موظف غير مؤهلين لأي تطوير من شأنه أن يرفع مستوى الكفاءة لهذا المرفق الحيوي الكبير الذي تبدأ فيه حركة العمل وتنتهي (ببركة دعاء الوالدين) ؟ !! .. أما قيم الأخذ بالأسباب ، والالتزام بالمواعيد ، والمحافظة على أرواح الركاب فلا محل لها من الإعراب .. لذلك لا يحلم موظفو السكك الحديد بأي تغيير ، ولسان حالهم يقول ليس في الإمكان أبدع مما كان .. ولماذا يحلمون بالتغيير وهم يؤدون عملهم في هذه الفوضى بلا رقابة ولا متابعة ولا محاسبة ؟ .. كما أشار إلى ذلك أحد الخبراء الكبار المعروفين في هذا المجال . 
أما إذا انتقلنا من مربعات الفساد المالي ، والترهل الإداري ، والتخلف التكنولوجي التي دمرت هذا المرفق الحيوي إلى مربعي التسيب والإهمال اللذين حولا القطارات إلى مقالب للزبالة والمخلفات .. فيجب علينا ألا ننسى أن النظافة قبل أن تكون شعبة من عقيدتنا الدينية هي جزء أصيل من موروثاتنا الحضارية ، ويكفي أن نعلم أن القاهرة فازت عام 1925 م بجائزة أجمل مدينة في العالم كله .. لذلك علينا أن نبحث عن الأسباب الحقيقية التي أفسدت أخلاقنا ، وغيرت سلوكنا ، وشوهت أعرافنا وعاداتنا وتقاليدنا .. وعليه فليس من الحكمة أو العدل أن نحمل الحكومة في أي عصر المسئولية منفردة عن جريمة انتشار الزبالة في كل مكان .. فالحقيقة المرة أننا انحدرنا إلى أدنى مستويات الوعي العام ، ونتيجة لذلك فقدنا الاهتمام بالنظافة ، ولم يعد يهمنا لا تأثيرها السلبي على مظهرنا الحضاري ، ولا خطورتها المؤكدة على صحتنا العامة .. وهذا يستلزم بالضرورة على المدى البعيد إعادة النظر في أسلوب تربية النشء في البيت والمدرسة .. أما على المدى القريب فنحن في أمس الحاجة إلى نشر الوعي ، ومحاكمة المسئولين الذين أبرموا العقود المجحفة مع شركات النظافة الأجنبية عام 2003 م ، وتقديم البدائل المناسبة ، وإعادة تدوير القمامة ، وتفعيل القوانين ، وتشديد الرقابة ، وتغليظ العقوبة على إلقاء المهملات في الأماكن العامة ووسائل المواصلات . 
وبالرغم مما تقدم لا يحق لكائن من كان مهما علا منصبه السياسي ، ومهما كان مسماه الوظيفي أن ينبري للإجابة عن الأسئلة العديدة المهمة التي تشغل الرأي العام المتعلقة بحادث قطار إسكندرية .. من عينة كيف وقعت هذه الكارثة ؟ ، وما الأسباب التي أدت إلى وقوعها ؟ ، ومن المسئول الأول عن وقوع مثل هذه الكوارث ؟ ، ومن المسئول الإداري ؟ ، ومن المسئول المباشر ؟ ، ومن المسئول الفني ؟ ، إلى آخر تلك القائمة الطويلة العريضة من الأسئلة المهمة العديدة الحائرة .. فكما هو معروف أن جهة التحقيق التي تنظر القضية هي المؤسسة الوحيدة التي تملك حق الإجابة عن هذه الأسئلة المهمة ، وغيرها من الأسئلة الأخرى ذات الصلة .. خاصة وأن هذا الحادث الأليم ليس الأول من نوعه ولن يكون الأخير .. فلم تمض 24 ساعة على وقوع كارثة هذا القطار حتى اندلعت النيران في القطار المتجه من القاهرة إلى أسوان ، وبعد مضي 24 ساعة أخرى اندلع حريق آخر في قطار طنطا ، والبقية للأسف الشديد آتية في الطريق لا محالة ما لم تحدث معجزة .
لذلك سأكتفي في السطور القليلة التالية بإلقاء الضوء على بعض المشاهد المنسية التي تكشف بمنتهى الوضوح السياسة العامة التي تنتهجها أسوأ حكومة جاءت بعد الثورة .. ولتكن البداية بالمشهد المثير للاشمئزاز الذي ظهرت به الحكومة منذ اللحظة الأولى لوقوع هذه الكارثة المشئومة حينما أعلنت على لسان وزير النقل بمنتهى الاستخفاف بعقلية المواطن المصري أن المتهم الرئيسي في حادث قطار إسكندرية هو (العنصر البشري) نظرا لعدم تطوير البنية الأساسية للسكك الحديد التي تأخر تطويرها أربعين عاما .. الجديد في الأمر أن الحكومة لم تتهم صراحة كعادتها دائما عامل السيمافور أو المزلقان وهذا معناه أن هذه الحكومة تسعى إلى منع التكرار ، وتحرص على كسر الملل ، وتعمل على القضاء على الروتين ، وتستعرض قدراتها على التطوير والتجديد والابتكار وهنا تكمن عبقرية الإبداع الحكومي !! .. أما المشهد الثاني الأكثر اشمئزازا فهو تصريح المتحدث الإعلامي لوزارة الصحة الذي قال فيه ” نقلنا جثامين القتلى والمصابين من موقع الحادث الأليم إلى المستشفيات مجانا وهذا شيء يحسب للدولة ” .. فهل معنى هذه التصريحات الرسمية أن المصريين بعد اندلاع ثورتين تحولوا من مواطنين في دولة إلى نزلاء في لوكاندة ؟ . 
أما ثالث تلك المشاهد المنسية في حادث قطار إسكندرية فيعد من المشاهد الإيجابية الموروثة منذ القدم التي تستدعي الهمم ، وتحيي فينا الأمل ، وتحفزنا على العمل ، وتدعونا إلى الفخر والاعتزاز والتأمل .. وهو المتمثل في خروج أهالي عزبة الشيخ التابعة لمركز كفر الدوار .. فور سماعهم دوي صوت الارتطام الناجم عن هذا الحادث الأليم الذي وقع بالقرب من عزبتهم .. حيث ظهرت ثقافة الشهامة والجدعنة والمروءة في أجمل صورة ، وتجلت أخلاق القرية التي لا تظهر عادة إلا في أوقات الشدة .. حينما قام أهالي العزبة باستخراج جثث القتلى ، وقدموا ما لديهم من إمكانيات متواضعة لإسعاف الجرحى ، ثم شرعوا في نقل المصابين وأشلاء القتلى بسياراتهم الخاصة إلى المستشفيات العامة .. قبل أن تصل سيارات الإسعاف والشرطة بحوالي ساعة لاستكمال المهمة .. وهكذا المصريون دائما وأبدا يلبون نداء الوطن في الكوارث والأزمات والمحن . 
الملاحظ هنا أن هذا المشهد لم يأخذ حقه في التغطية الإعلامية لحادث قطار إسكندرية .. حاله كحال المشاهد الإيجابية الأخرى في الحياة بشكل عام التي يتعمد الإعلام التعتيم عليها هذه الأيام .. لكن اللقطة المهمة في هذا المشهد أن حالة البؤس واليأس التي يعيشها المصريون كافة بعدما حاصرتهم الديون وأصابتهم الهموم بسبب الغلاء الفاحش الذي قصم ظهر الجميع بلا رحمة .. لم تمنع أهالي عزبة الشيخ من القيام بدورهم الإنساني ، وأداء واجبهم الوطني أما الأجمل مما تقدم الذي يؤكد على عظمة هذا الشعب الحضاري أنه لم يسأل أي من أهالي تلك العزبة إن كان أي من المصابين أو القتلى مسلما أو مسيحيا ، غنيا أو فقيرا ، رجلا أو امرأة ، مصريا أو أجنبيا .. بينما نلاحظ هذه الحكومة تكيل بمكيالين بعدما قسمت المصريين إلى قسمين أقلية محظوظة من المنتفعين والأغنياء والمسئولين ، وأغلبية مطحونة من المعدمين والفقراء والمهمشين .
وهذا ليس غريبا على ملح الأرض ، وحماة الأمة ، وأدوات البناء ، وعماد الدولة ، وأصحاب القلوب البيضاء ، وذوي السواعد السمراء الذين يكدون في حقولهم ، ويشقون ليل نهار ، وبالكاد يجدون ما يكفيهم من طعام ، يواصلون العمل إلى ما لا نهاية ، حياة شاقة مستمرة ، ومعاناة شديدة متواصلة ، فلا وقت لديهم للراحة ، ولا فرصة لديهم للتطلع إلى مباهج الحياة الدنيا .. وكيف يتطلعون إلى مباهج الحياة الدنيا وهم يصارعون الأرض بلا هوادة فتفيض لهم من خيراتها الوفيرة ليأكل منها القاصي والداني حلالا طيبا .. لذلك أقول لو أن كبار المسئولين الذين انحرفوا في جميع العصور عاشوا حياة الفلاحين في الدلتا والصعيد ، وتحلوا بأخلاقهم الريفية الحميدة ، ونشأوا على طباعهم المصرية الأصيلة ، وعرفوا معنى كد اليمين ، وذاقوا طعم القوت من عرق الجبين .. لما رأينا منهم فاسدا ، أو مرتشيا ، أو ظالما ، أو متطاولا ، أو لصا ، أو مختلسا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: