الإثنين , سبتمبر 28 2020

زوبعة هذيان ….نص للكاتب عبد الجليل ولد حموية

يحدث ألا يحدث شيء. أن تتقوقع في الفراغ لاهثا خلف شيء فارغ. يحدث أن تشكل من حبات الوهم عقدا تضعه على عنق آخر ذكرياتك الإباحية. يحدث أن تطارد ملامحك في المرآة لعلك تجد شيئا يذكرك بك. تعيد تصفيف شاربك بعناية كراعي بقر فقد ضالته. تتخيل نفسك طائر رخ هرم، اشتعل ريشه شيبا، تضع آخر بيضة وترجع إلى رمادك. تتخيل نفسك بيضة ديك بيضت قبل أن يقتحم مصطلح “المستحيل” العزائم. تمرر لسانك على أسنانك المتآكلة بعصير البطاطس الروسي تعدها. تتمنى لو كانت اسنان تمساح تخيف بها ذكريات تطاردك، تقزمك إلى مجرد ذات محطمة. تتساءل أين اختفت أضراسي؟ تتذكر عشقك لأليكسيا التقليدية، آه كم هي جميلة تلك الشقراء عندما تنغمس في الحب مع أخت علي (ولماس). لكنها جعلت منك نسيا منسيا بدونها، ورطتك بزيارة الصيدلية كل شهر باحثا عن دواء لدواء تجرعته لتهرب من أمسك، من ماضيك القريب، من قطرات الندى العالقات بين وعيك ولا وعيك، بما أن الدهر لم يصلح ما أفسدته قنينة اللجين. للسعادة ضريبتها، عليك التضحية بابتسامتك و كفاءة اشتغال معدتك وأنت تنعم بحضنها الدافئ. عشقك للوفاء قذف بك إلى أنثى تمنحك السعادة وتستهلكك من الحياة شيئا فشيئا. ألم ينصحك آخرك الشخصي أن تكتفي بالمختصة فقط؟ حاولت أم تخون الشقراء، لكن عصير الشعير يثير غثيانك… كم انت غريب ايها الزبلبولي. كان عليك احتراما لنفسك الإكتفاء بالحشتبيه…أو الغوص بأناملك في كيس بلاستيكي صب فيه القليل من الصمغ يوهمك أنه ثدي عذراء أورليان.
تشتهي الجنة لا طمعا في خيراتها بل لتطرح السؤال على حورية: هل عرفت الحب يوما؟ ربما تكون محظوظا يومها يا تمثال البؤس وتجيبك : أنا عشيقة عزرائيل، لم يحدثكم نائبه عني…؟ هل خان السباعي الرسالة والوعد؟ ربما نفذ منه الحبر قبل أن يزف الخبر لنا…
تلتفت إلى مكتبتك باحثا أثرها بين صفحات رواية، يتملكك التعب قبل أن تعثر عليها. تقترب من المرآة. يتردد صوت درويش داخلك، هاهي ذكرياتك مرئية… والفضوليون…، تجدهم بين قسماتك فرحين بشيء ما. تبحث عنك فيك. لا تجد منك إلا ما يقولونه، عنك. غدوت مكتظا بهم، لا مكان لك، فيك. تتملكك الرغبة في الانتحار، في قتل جزء يقتلك. تبحث عنه فتصطدم بأنك أنت هو. يقولون أن الكتاب يموتون صغارا، لكنني لست كاتبا ولا شاعرا ولا قاصا، أحمل القلم فقط عندما أريد توقيع شيك بدون رصيد أو خط رسالة أبعثها إلى ساعي البريد لكي يزورني وأبدو أمام الآخر عاشقا كلاسيكيا.
لازالت الرغبات الشاذة تطاردك، تسكنك، تسيطر عليك في بعض الأحيان. كيف لإنسان أن يطمح للصعود إلى الفضاء، ليس من أجل اكتشاف كوكب جديد بل طمعا في التبول على العالم!؟ ليس من المعقول أن تحلم بجولة حول العالم برفقة مكتبة وحشيش وشقراء، يغنيك رضابها مشقة البحث عن خمر جيد. هذيانك جنون نسبي. وصلت قمته عندما امتطيت بيغاسوس ببردعة، جعلت كلمة إقلاعه “أرا… أرا زيد”، وسددت سهما أصبت به الشمس في مقتل. أنت تعلم يقينا عدم امتلاكك القدرة حتى على استرجاع نفسك. كيف تسمح لنفسك بأن تتجاوز حدود تعاستك؟ لا ولن أسمح لك.
لازلت تتأرجح بين يقولون، يشاهدون، يسمعون، يريدون… مسكون بهم. كيف السبيل إلى التخلص من ضمير “هم”؟ ربما أصابتك لعنة قبر جدك عندما مارست الحب قربه. لم يكن جدك فرعونا يوما ما؟ بلا كان يتفرعن داخل عرينه على اللبؤات والأشبال، ويتأرنب خارجه. متى كان الحب جريمة في الروضة؟ الموتى في حاجة لرائحته أكثر من الأحياء لعلها تنسيهم وحدة القبر، ولوعة فراق الأحباب. احذر فقط من أن يمسكك حفار القبور ويعجل مغادرتك الحياة لأنك تحرض الموتى لثوران ضد نظامه، الشخص الذي يكمل عمل عزرائيل قادر على أن يجعل اسمك على رأس لائحة الأرواح المغادرة…
تستيقظ مفزوعا كأنك هارب من مقصلة أفكار، نصف جسمك مبلول والنصف الآخر ميت، كنت قاب فكرة أو أدنى من التحول إلى خيال…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: