الإثنين , سبتمبر 28 2020

أسامة حيدريكتب ….الموسيقا في نصّ (شهر زاد الحكاية )للشّاعرة رنا صالح

يقول جوبو : إنّ الفزيولوجيا تعلّمنا أنّ لغة الشّعر الموزونة التي تستهدف التعبير عن الانفعالات قبل كلّ شيء ترجع في أصلها إلى الانفعال . ومن الوقائع المشاهدة أنّ حركات الإنسان تصبح موزونة ولها إيقاع حين تعاني انفعالات قويّة ….. فالخطيب إذا تحمّس رأيته يدخل على كلامه في الوزن والإيقاع مالم نكن نلحظه في أوّل الأمر ؛ وكلّما ازداد فكره قوّةً وغنى ازداد كلامه توقيعاً وموسيقا . 

قد تبدو هذه المقدّمة لنص الشاعرة رنا مقدّمة غريبة ولكنّ النص الذي أبدعته يعدّنصّاً أنموذجاً في هذا الجانب حقيقةً لأنّ الموسيقا في النصّ طغت على أيّ جانب آخر . وسأحاول أن أقف عند جوانب موسيقا النص وأبرز العلاقة بين الموسيقا وأثرها في النصّ :
القصيدة مزيجٌ من الحبّ والعتاب وهي تقسم إلى قسمين ؛ القسم الأوّل على لسانها والثّاني على لسان الرجل ردّاً وقد أبدعت الشّاعرة في هذا لأنّ الحوار كلّه صادر عنها . وتتألف القصيدة من سبعة عشر بيتاً :
_ القصيدة على البحر الكامل المكوّن من ثلاثين مقطعاً صوتيّاً وهو أكثر بحور الشّعر جلجلةً وفخامةً وقد صاحبته رقّة الموضوع ( الحب) وكذلك هو من البحور التي تتسمُ بسعةٍ في التفعيلات والأسباب والأوتاد ومالها من إيقاع موسيقيّ يعطي الشّاعر مجالاً واسعاً في نظم ألفاظه واختبار معانيه وتلك السّعة وذلك الإيقاع يرتبطان مع المشاعر الجيّاشة والأحاسيس الصادقة المفعمة بفرح الحبّ وحزنه . 
_ حرف الرويّ في النصّ هو حرف العين المكسور وهو حرف حلقيّ حُبست معه الكلمات كما حُبست الدّموع أيضاً .
_ استخدام حرف العين بغير الرويّ وبغزارة ( أعتبت – أسرع – تمنّعي – يعيدني- مقنّع – طوعاً – طائعاً – ربيعك – تبرعم – عازفا – عيناك – تعالي – تمنّعي – عشق – عرش – عيون …).
تكرار حرف الشين ( شهرزاد – شهريار – تشابهت – شيم – شمس ….
إنّ تكرار هذه الأصوات يعطي القصيدة نغماً موسيقيّاً داخليّاً يلطّف من هيمنة الرتابة في الموسيقا الخارجية .
– التّصريع في البيت الأوّل ( أسرع وتمنّعي )وهو يمنح النصّ فخامته وترتبط بفخامة الموضوع والوزن العروضي ( البحر الكامل ) .
– موسيقا الطّباق ( أسرع وتمنعي – تساؤل وجواب – ينام وصاحٍ – لتكتبي وتشطبي )
 وممّا لا شكّ فيه أن الطّباق يبرز المعنى ويثير ذهن المتلقي إضافةً إلى تقريب دلالة النصّ من الأذهان والأذواق . ويشير في النصّ إلى وجود متحاورين يحمل كلٌّ منهما فكرته التي يريد إيصالها للآخر . 
– وجود أفعال طلبيّة بكثرة في النص وهي بين فعل الأمر والمضارع المسبوق بلام الأمر وقد ورد على لسانها فعلٌ واحدٌ  ( ابسط) وجاءت بقيّة الأفعال على لسانه وما أكثرها ! ( مهلاً وهو بمعنى تمهل – أقصري – كفي – ترفعي – هيّا – تعالي – ارشفي – لا تتمنعي – قولي – استنشقي – تربعي – تمايلي ……. ) والأفعال عموماً تشير إلى التجدّد في  مشاعر النص  على عكس الجملة الإسميّة التي تدلّ على الثّبات في الشعور . إضافة إلى الهيمنة والاستعلاء رغم أنها أفعال في الحبّ لكنّها تحمل جانب الاستعلاء وإبراز الأنا من قبل العاشق الشّرقيّ  وهذه الأنا تظهر بوضوح في البيت الأخير من النصّ .
_  وجود ظاهرة المصادر وللمصادر دلالة في الثبات لا الحركة في المعنى وقد كثرت المصادر في حوارها هي ( تململي – تمنّعي – تساؤل الغرام – الحبّ – طوعا -وجد …) وهي تشير إلى ثباتها هي في حبّها على عكسه حين استخدم الأفعال بكثرة في الأبيات الأخيرة للدلالة على التّغيّر والتّبدّل . 
– وجود الاشتقاقات بكثرة في النصّ ( طائعاً . المخدع . مبدع. المقنّع . المتلوّع . ….. ) وهي تتراوح بين اسم الفاعل والمفعول غالباً ولا يُخفى دلالة هذين المشتقين على ضوء الغالب والمغلوب التي أشرنا إليها برغم أنّ النصّ في الحبّ . 
وللحقيقة ثمّة جوانب أخرى للموسيقا في النصّ لا تقلّ أهميّة عمّا أسلفنا كتكرار لام الأمر أو واو العطف …… 
هذا جانب من جوانب النصّ العديدة تناولته في هذه العجالة  و سأترك جوانب أخرى رائعة تستحق الوقوف عندها مطولاً في نصّ كثُرت فيه الدّررُ لغائص آخر . 
_____________________
قالت الشّاعرة   رنا صالح  في نصّها /شهر زاد الحكاية/:
أعتبتَ أنّي للهوى لم أسرعِ
وعجبتَ عند تململي وتمنُّعي؟!!!!
وتساؤلٍ حول الغرامِ يُعيدني
طفلاً،فهلْ لي بالجوابِ المقنعِ؟
هل شهريارُ ينامُ طوعاًطائعاً
والحبُّ صاحٍ وجدهُ في المخدعِ؟!!!!
أم شهرزادُ تشابهتْ كلماتها…؟
في الحبِّ ألفُ حكايةٍ من مُبدِعِ!!!!!
أوَ ما رأيتَ بمُقلتيَّ صبابةً
-تَسبي الفؤادَ-غنيمةَ المتلوِّعِ؟!
أوليسَ من شيمِ الكرامِ لظامئٍ
إكرامُ ضيفٍ محرِمٍ  متمتِّعِ؟!
فَابْسُطْ ربيعكَ بالصَّبابةِ والصَّبا
فإليكَ منكَ تَبرْعُمي وتضَوُّعي
مازال في قلبي نداؤكَ عازفاً
يجتاحُني بنسيمهِ المُترجِّعِ
:يابنتَ وهجِ الشمسِ -مهلاً-أقصري
كُفّي ملامكِ بالهوى وترفّعي
إن ما رأتْ عيناكِ وجدَ مَحبَّتي
فإلى وجيبٍ بالفؤادِ تسمَّعي
فأنا وأنتِ قصيدةٌ وحكاية ٌ
في ألفِ ألفٍ مثلها لم يسطعِ
هيَّا تعالي وارشفي كأسَ الهوى
لاتمْنعي صبّاً ولا تَتمنَّعي
قولي أحبُّكَ كيفما شاءَ الهوى
واستنشقي عشقَ الجنونِ وأَتْرِعي…
وتغلغلي بين الخلايا والحشا
و على الفؤادِ وعرشه فتربَّعي
وتمايلي وتغنّجي وتدلَّلي
وتنقّلي بين العيونِ وأضلعي
ولتستبيحي كلَّ شبرٍ داخلي
واستوطني مدنَ الهوى وتوسّعي
ولتكتبي ماشئتِ أو فلتشطبي
لِسوى أوامر ِحُبِّنا لن تخضع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: