الإثنين , سبتمبر 21 2020

صلاح رشاد يكتب : فقير معدم يعطي درسا غاليا لمعن بن زائدة

روي القاضي التنوخي في كتابه الفرج بعد
الشدة أن  مروان بن أبي حفصة  شاعر العباسيين الشهير كان صديقا لمعن بن زائدة  و كان المنصور قد طلب معن طلباً شديداً، وجعل فيه
مالاً.

وقال معن لمروان  أنه اضطر لشدة الطلب أن قام في الشمس، حتى لوحت
وجهه، وخفف من عارضيه ولحيته، ولبس جبة صوف غليظة، وركب جملاً من جمال النقالة، وخرج
عليه ليمضي إلى البادية، وقد كان أبلى في الحرب بين يدي ابن هبيرة والي العراق في عهد
مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين

بلاءً حسناً، فغاظ المنصور، وجد في طلبه

قال معن: فلما خرجت من باب حرب، تبعني أسود،
متقلداً سيفاً، حتى إذا غبت عن الحرس، قبض على خطام الجمل، فأناخه، وقبض علي.

فقلت: مالك ؟ فقال: أنت طلبة أمير المؤمنين.

فقلت: ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين.

قال: أنت معن بن زائدة.

فقلت: يا هذا أتق الله، وأين أنا من معن
بن زائدة.

فقال: دع عنك هذا، فأنا والله أعرف بك منك.

فقلت له: فإن كانت القصة كما تقول، فهذا
جوهر حملته معي بأضعاف ما بذل المنصور لمن جاء بي، فخذه، ولا تسفك دمي.

فقال: هاته، فأخرجته إليه.

فنظر إليه ساعة، وقال: صدقت في قيمته، ولست
قابله حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتني أطلقتك.

فقلت: قل.

قال: إن الناس قد وصفوك بالجود، فأخبرني
هل وهبت قط مالك كله ؟ قلت: لا.

قال: فنصفه ؟ قلت: لا.

قال: فثلثه ؟ قلت: لا، حتى بلغ العشر.

فاستحييت، فقلت: أظن أني قد فعلت ذلك.

قال: ما أراك فعلته، وأنا والله راجل، ورزقي
مع أبي جعفر  المنصور 20  درهماً، وهذا الجوهر قيمته آلاف دنانير، وقد وهبته
لك، ووهبتك لنفسك، ولجودك المأثور بين الناس، ولتعلم أن في الدنيا أجود منك فلا تعجبك
نفسك، ولتحقر بعدها كل شيء تعمله، ولا تتوقف عن مكرمة، ثم رمى العقد في حجري، وخلى
خطام البعير، وانصرف.

فقلت له: يا هذا، قد والله فضحتني، ولسفك
دمي أهون علي مما فعلته، فخذ ما دفعته إليك، فإني عنه غني.

فضحك، وقال: أردت أن تكذبني في مقالي هذا،
والله لا أخذته، ولا آخذ لمعروف ثمناً أبداً، وتركني ومضى.

فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت، وضمنت لمن
جاءني به ما شاء، فما عرفت له خبراً، وكأن الأرض ابتلعته.

سبب رضا المنصور عن معن

قال: وكان سبب رضا المنصور عن معن بن زائدة،
أنه لم يزل مستتراً، حتى يوم الهاشمية، ووثب القوم على المنصور وكادوا يقتلونه، فوثب
معن وهو متلثم، وانتضى سيفه، فقاتل، وأبلى بلاءً حسناً، وذب القوم عنه، والمنصور راكب
على بغلة ولجامها بيد الربيع.

فقال له: تنح، فإني أحق بلجامها في هذا
الوقت.

فقال له المنصور: صدق، ادفعه إليه، فأخذه،
ولم يزل يقاتل، حتى انكشفت تلك الحال.

فقال له المنصور: من أنت لله أبوك ؟ فقال:
أنا طلبتك يا أمير المؤمنين، معن بن زائدة.

فقال: قد أمنك الله على نفسك ومالك، ومثلك
يصطنع، ثم أخذه معه، وخلع عليه، وحباه، وقربه.

ثم دعا به يوماً، فقال: إني قد أهلتك لأمر،
فانظر كيف تكون فيه ؟ فقال: كما تحب يا أمير المؤمنين، فولاه اليمن، وتوجه إليها، فبسط
فيهم السيف، حتى استووا.

قال مروان: وقدم معن بن زائدة بعقب ذلك
على المنصور، فقال له، بعد كلام طويل: قد بلغ أمير المؤمنين عنك شيء، لولا مكانك عنده،
ورأيه فيك، لغضب عليك.

فقال: وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ فوالله
ما تعرضت لسخطك، فقال: عطاءك مروان بن حفصة، لقوله فيك:

معن بن زائدة الذي زيدت به … شرفاً إلى
شرف بنو شيبان

إن عدّ أيّام الفعال فإنّما … يوماه يوم
ندى ويوم طعان

فقال: والله، يا أمير المؤمنين، ما أعطيته
ما بلغك، لهذا الشعر، ولكن لقوله:

ما زلتَ يوم الهاشميّة معلناً … بالسيف
دون خليفة الرحمن

فمنعت حوزته وكنت وقاءه … من وقع كلّ
مهنّد وسنان

فاستحيا المنصور، وقال: إنما أعطيت لمثل
هذا القول ؟ فقال معن : نعم، يا أمير المؤمنين، ولولا مخافة الشنعة، لأمكنته من مفاتيح
بيوت الأموال، وأبحته إياها.

فقال المنصور: لله درك من أعرابي، ما أهون
عليك ما يعز على الناس وأهل الحزم.. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: