الثلاثاء , سبتمبر 22 2020

أحمد الصغير يكتب : الجائعون دفئا و احتواءً !

(1)

♦ مما استقر فى قناعاتى أننا كشعب – و بصفة
غالبة لا تطال بالضرورة ذلك الشعب فردا فردا – نمارسا خطايا كبرى فيما يتعلق بالنظرة
المجتمعية للعواطف و المشاعر بمختلف تنوعاتها أو بطريقة التعبير عن هذه المشاعر و بالمدى
الذى نسمح فيه لها بالحياة و الانطلاق و التعبير عن نفسها ..

♦ و مبدأيا فأنا أتحدث عن فكرة المشاعر
بنطاقها الواسع الذى يشمل جميع التنوعات المتشعبة من العلاقات الإنسانية سواء فى نطاق
الأسرة أو فى نطاق المجتمع أو

فى نطاق العلاقات النسائية الذكورية ..
كما يندرج تحت هذا العنوان المشاعر الإنسانية تجاه جميع الكائنات الحية الأخرى من حيوانات
و طيور ..

♦ فمن حيث النظرة المجتمعية العامة فإننى
أعتقد أنها نظرة يغلب عليها التعالى و الغطرسة و الكبر و القهر و الكبت و الاتفاق المجتمعى
العام على وضع كل ما يتعلق بفكرة المشاعر فى مكانة لا تليق بها ..

♦ فقد حدث شبه توافق مجتمعى على وضع كل
ما يتعلق بالمشاعر و العاطفة فى بند الضعف الإنسانى الذى ينزل بصاحبه و يمكن أن يكون
سببا فى فقده أسباب القوة بدلا من وضعها فى خانة السمو الروحى الذى يمكنه أن يرتقى
بهذا الإنسان و يدفعه لأسباب القوة الإنسانية الحقيقية المتمثلة فى الإنجاز الحضارى
و ليس قهر الآخرين ..

♦ و قد اختصرت تلك الثقافة هذه الفكرة فى
عبارة يتم التعامل معها على أساس أنها حكمة … تقول العبارة التاريخية ( إنما يأسى
على الحب النساء ! ) و ذلك للربط بين فكرة المشاعر و بين المرأة التى هى فى موضع الضعف
فى عقل هذه الثقافة !

♦ و لقد ترتب على تلك النظرة أن أصبحت مساحة
الحرية التى منحها هذا المجتمع لتلك العواطف و المشاعر لكى تعبر عن نفسها مساحة صغيرة
جدا لدرجة أن شعرت معها تلك العواطف بالاختناق الشديد ..

♦ حيث لا يدرك أفراد ذلك المجمتع أن العاطفة
هى مخلوقٌ مستقلٌ يحيا داخل الإنسان و له أسراره مثل الروح .. و هذا المخلوق قد خلقه
الله حرا لا يقبل أو يستسيغ فكرة السجن .. و إن تم إجباره قسرا على الحياة خلف أى أسوار
فيكون رد فعله فى منتهى العنف و لا يمكن توقعه أبدا !

(2)

♦ و بالملاحظة الواقعية يمكن أن نرى بسهولة
ظواهر هذا التعالى و هذا الاستكبار فى نظرة المجتمع للعاطفة و هذا الاختناق الذى تعانيه
تلك العاطفة فى كثير من التفاصيل الإنسانية مثل أن يحيا كثيرون و يموتون دون أن يسمحوا
لأنفسهم بالتعبير الصريح عن مكنون ما تجيش به صدورهم تجاه من يحبون ..

♦ و أن يستكبر الرجال مثلا أن يجهشوا بالبكاء
فى لحظات الضيق الشديدة أو أن يلقوا بأنفسهم بين ذراعى نسائهم نشيجا و بكاءً رغم احتياجهم
الشديد لذلك خوفا من أن يتم ترجمة تلك اللحظة كعلامة ضعف لا تليق به و برجولته ..

♦ بل إن كثيرا من الأبناء و البنات يكونون
فى أشد لحظات الاحتياج للاحتضان لكنهم ربما يقضون كثيرا من سنوات عمرهم يتوقون لذلك
و لا ينالونه من بعد اجتيازهم مرحلة الطفولة و الصبا و ذلك لجفاف مشاعر الآباء و تكلس
مشاعر الأمهات و اعتبارهم خطأ أن أبناءهم لم تعد لهم حاجة لتلك الضمة من بعد مرحلة
الطفولة ..

♦ لقد تحولت فكرة عدم التعبير عن المشاعر
إلى ظاهرة لافتة .. و يكتشف الفرد فى سنوات متقدمة من عمره مثلا أن أبيه أو أمه أو
صديقا مقربا إليه أو حبيبه قد فارق الحياة دون أن يخبره كم يحبه بصدق و شغف أو دون
أن يخبره كم يدين له بكثيرٍ من مشاعر السعادة التى مرت به فى حياته و يتمنى لو أن هذا
الراحل يعود للحياة و لو ساعة واحدة فيخبره بما لم يخبره به أثناء سنوات وجودهما معا
!

♦ و فى العلاقة بين النساء و الرجال مثلا
نجد مشهد التحطيم و الصراخ هو عبارة عن ثورة حقيقية لما تم سجنه فى الصدور .. فإذا
لم يخرج فى صورة عناق أو احتضان قوى فى اللحظات الصعبة و القاسية أو لحظات الصدام فسوف
يخرج فى صورة صراخ أو تحطيم .. سواء محاولة تحطيم كل طرف للطرف الآخر انتقاما من مشاعر
محبوسة مجهولة لا يدركها الطرفان إدراكا حقيقيا أو لم يتعودا على إخراجها بشكل صحى
سليم .. أو حتى محاولة تحطيم الإنجاز المشترك بين الطرفين !

♦ بل إننى أعتقد أن الأسباب الخفية لكثير
من مشاهد الصدام الأنثوى الذكورى تختلف كثيرا عن الأسباب المعلنة .. و أعتقد أن كثيرا
من تلك المشاهد هى نتاج تراكمات سنوات من سوء تعامل الفرد و المجتمع مع المشاعر سواء
خجلا أو قهرا !

♦ إن استمراء تلك الثقافة و طول اعتقادها
و ممارستها ينتج عنها ما نراه من مشاهد إنسانية كارثية .. فانعدام فكرة حرية التعبير
عن المشاعر عند الطرفين ينتج عنه أن تخشى المرأة التعبير الكامل عما تحسه حتى فى اللحظات
الحميمية الخاصة خوفا من اتهام الطرف الآخر لها بتهم أخلاقية كبرى حتى يحول خوفها تلك
اللحظات إلى عبء نفسى تنتظر أن تفرغ منه بدلا من انتظاره .. و يتحول الرجل بدلا من
شريك إنسانى و روحى إلى ممول أو شريك اقتصادى أو فى حالات أخرى إلى سجان !

♦ و استمراء أى مجتمع لتلك الأفكار و مؤانستها
يحولها إلى معتقدات راسخة و ثوابت لدى قطاع كبير من أفراده … فبدلا من أن ترحب المرأة
مثلا برجل ينزل مشاعرها قدرها من الإنصات و الترحيب و التعاطى تتحول نظرتها طبقا لما
تم غرسه فى سنوات النشأ من نظرة الرضا إلى نظرة استضعاف الرجل الذى يقوم بذلك !

♦ و تنقلب الصورة الإنسانية السوية التى
يفترض لها أن تسود إلى الاستثناء و الإنزواء فى ركن النبذ و الخجل و التوارى .. و تسود
بدلا منها الصورة المتناقضة مع الطبيعة الإنسانية فتأنس المرأة فى مجتمعات كثيرة إلى
صورة السجان أو الشريك الاقتصادى أو الممول و تعتبره هو الصورة الحقيقية الطبيعية و
ما عداها هو الاستثناء !

♦ و تكتمل الملهاة بأن يرضى الرجل بصورته
تلك رغم علمه شبه اليقينى أن هذا ينافى ما يجول بصدر شريكته ! لكنه لا يلتفت إلى ذلك
استنادا إلى يقين بأنها لن تخرج ما يجول بهذا الصدر إلى العلن توافقا مع ما توافق عليه
الجميع !

(3)

♦ و إذا خرجنا إلى الشوارع و لاحظنا السلوك
الفظ الغليظ و الصراخ و ردود الفعل العنيفة بين الناس فى مواقف عادية أو اقل من عادية
فيمكننا أن ندرك بسهولة أن هؤلاء إنما يخرجون ما بداخلهم من جوعٍ شديد راكمته و كدسته
و حبسته الأعوام فى صدورهم حتى أصبح هو نفسه يضيق بتلك الصدور ربما أكثر من ضيق الصدور
به ..

♦ فلا تمر أى فرصة أو موقف يتخيل هذا الجوع
أنه يمكنه الهرب إلا و ينتهزها فى صورة رد فعل هستيرى زاعق فى موقف لا يستحق أكثر من
بضع كلمات و ابتسامة لو كان أصحاب تلك الصدور لا يعانون ذلك الجوع و الشره !

♦ من الصور التى شاهدتها مؤخرا و توقفت
أماها طويلا هى صورة الطفل الذى يحمل المياه لكى يسقى رأس الخروف المذبوحة بعد مراسم
ذبح الأضحية ..

♦ إنها صورة قاسية جدا و تلخص جزءً كبيرا
من المأساة .. فهذا الطفل يمثل الإنسانية فى مرحلتها البكر كما ينبغى لها أن تكون و
لا يمثل فقط فكرة براءة الطفولة .. و من سمحوا لهذا الطفل أن يشاهد مشهد الذبح يمثلنا
بعد أن قست قلوبنا و بعد أن قضينا على جزء كبير من تلك الإنسانية ..

♦ و أنا هنا لا أناقش فكرة دينية تشترك
فيها معظم الديانات و هى فكرة ذبح الأضاحى بأشكال مختلفة و بطقوس مختلفة … لكننى
أناقش أن يتم تحويل طقس دينى – غير واجب على الجميع – إلى مهرجان للذبح و الدماء يصر
فيه الكبار على اصطحاب الأطفال و يصرون أن ينسبوا هذا الإصرارإلى رؤية دينية !

♦ بينما أرى أنه – و إن كان لا بد من الذبح
– فيجب أن يتم فى مكان مغلق لا تشهده حيواناتٌ أخرى و لا يشهده سوى الكبار من الأسرة
و يجب أنْ يُنحى الأطفال جانبا و خارج المشهد تماما ..

♦ و إن أى سخرية من تلك المشاعر الرافضة
لما يتم فى الشوارع و على مرأى من الأطفال ما هى إلا جزءٌ من الصورة الكبرى و النظرة
الأشمل التى تتعالى و تستكبر على أى مشاعر أو عاطفة إنسانية نبيلة مثل الرحمة ..

♦ إن طول ممارسة قهر المشاعر و العواطف
الإنسانية يتحول بمرور الوقت إلى قسوة حقيقية فى الفعل و القول و فى التفاعل الإجتماعى
بمختلف صوره و أشكاله و يحول الأفراد إلى جوعى للدفء و الاحتواء و الأمان النفسى الداخلى
..

♦ و تكون النتيجة الواقعية هى أن تمتلىء
الشوارع بقطعان من المراهقين الجوعى الذين يمارسون قسوتهم فى مختلف تفاصيل الحياة
.. أنا أختلف مع الرؤية التى تقول إن التربية فقط و بمعناها الأخلاقى للمجتمع الشرقى
الشيزوفرينى هى السبب الأوحد فى انتشار ظواهر القسوة فى الشوارع المصرية ..

♦ و أضيف لهذه الرؤية جانبا آخر أراه لا
يقل أهمية و هو الجوع العاطفى .. جوع الجسد لضمات الاحتواء فى الأسرة و جوع الروح للشعور
بأن هناك من يحيطها بمشاعر الاحتواء و الأمان ..

♦ إن ممارسات القسوة هى فى الواقع ممارسات
الخوف و الشعور بالبرد الداخلى و الجوع الروحى حتى لو كان أصحاب هذه الأرواح ممن يتنعمون
فى رغد العيش الظاهرى بمعناه المادى الجاف ..

(4)

♦ الخروج من هذا السجن يتوقف على تفهم الأفراد
أولا و بشكل عميق لأسباب وجوده من البداية و هذا لن يحدث بدون القيام برحلة ذاتية منفردة
للغوص فى أعماقنا ثم الرغبة الفردية فى الخروج حين يدرك كل منا حدود سجنه و أعماقه
و أبوابه …

♦ فللأفراد طريقهم الذى يتمثل فى فك قيود
الروح و العاطفة و الإسراع بأن نقول لمن نحب أننا نحبه و لا نمل من تكرار القول قبل
أن يصبح غير ممكن ..

♦ و أن لا نستكبر أن نتمسك ببعض مظاهر عذرية
مشاعرنا الإنسانية فى البكاء أو الإلقاء بأنفسنا بين ذراعى من نعشق و من نحب فى لحظات
الضيق و الحاجة ..

♦ و أن يتصالح هذا المجتمع مع الزهور و
الورود و ألا نسمح للقسوة أن تجعل مدنا كاملة فى بلادنا عارية تماما من محلات الزهور
و الورود و لا يمكن لمجتمعٍ استهلاكى بامتياز أن يتذرع بعدم القدرة على شراء السعادة
بزهرة لإضفاء شرعية إنسانية على القسوة و الغلظة و الحرمان من معانى الحياة الحقيقية
..!

♦ و أن لا نتجاهل من يحتاجون منا إلى نفس
هذه الطقوس ممن يحيطون بنا و نكون نحن دائرة أمانهم و بوابة خروجهم من نفس السجن
..

♦ كما أن على المجتمع بمؤسساته الثقافية
و الإجتماعية أن يقترب بصدق أو عمق من هذه القضية و لا يسير فى ركاب ترسيخ القيم الخاطئة
أو على الاقل أن لا يتجاهل تدارس المشكلة بشكل علمى نفسى ..

♦ مادة الأخلاق المزمع إعادة تدريسها للصغار
هى و لا شك خطوة فى الاتجاه الصحيح و اللازم للمجتمع المصرى .. لكننى أتمنى أن يكون
من بين محتوياتها تعليم الصغار قيم الرحمة الإنسانية ..

♦ و أن يتم التدريس الجاد للموسيقى و الشعر
الرومانسى الحديث و المعاصر فى المرحلة الثانوية و المرحلة الجامعية لتهذيب العواطف
و المشاعر الإنسانية للشباب فى مرحلة المراهقة و قبل الولوج إلى أتون الحياة بكل قسوتها
و تفاصيلها .. و ألا تعتبر مادتى الموسيقى و الشعر من مواد التخصص لكن أن يتم اعتبارها
مواد مستمرة كأنها جلسات تهذيب روحى ..

♦ و يمكن أن يمر المقبلين على الزواج حديثا
بكورس تعليمى و تثقيفى عن المشاعر و العواطف الإنسانية و التعبير عنها و أهمية ذلك
فى وجود حياة أسرية تقوم على أسس صحيحة ..

♦ فليس عيبا أن يهتم الإنسان بأن يتعلم
كيف يحب من يحب و كيف يعبر عن هذا الحب بطريقة تقودهما معا لحياةٍ حقيقية بدلا من الحياة
الجافة المزيفة القاسية التى يحياها كثيرون فى مصر !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: