الثلاثاء , سبتمبر 22 2020

فؤاد راشد يكتب …..افطار مع الويسكي

في طفولتي وبدايات وعيي , كان الفارق واضحا بين المدن والقري في مظاهر عديدة , تلاشت اليوم الي حد بعيد , لم يكن في القرية كهرباء ولامحلات تجارية عدا محلات بقالة تبيع كل مايباع تقريبا , وكانت بعض الأدوية تباع بها فلم يكن بقريتي علي اتساعها صيدلية وكان مألوفا يوميا أن يٍسأل البائع في محل البقالة الزبون ” عاوز ايه ؟ فيرد : عاوز دواء لعلاج كذا ويبدأ وصف الأعراض التي يعانيها , ويناوله البائع الدواء المناسب من وجهة نظره باعتباره طبيبا وصيدليا معا , كان مألوفا في محلات البقالة أن تتداخل الأصوات ( هات لي كيلو سكر .. وصوت أخر هات لي حاجة للصداع . وصوت ثالث عاوز حاجة للدوخة ) ..

., وتخلف لدي في الأعماق شعور بتفوق أهل المدينة –حتي عاصمة المركز – حضاريا علي الفلاحين أمثالي , خاصة أنهم مهيأون – عادة – للسخرية من طريقتنا في الحديث ويتندرون ببعض الفاظنا و مستعدون أيضا للسخرية من الملابس الفلاحي وكل مذاهبنا في الحياة , وحتي في الجامعة كانت المشادة البسيطة بين قروي وواحد من أهل القاهرة ربما استدعت روحا استعلائية قاهرية ساخرة من طريقة حديث القروي والفاظه الغريبة ,و حتي من كانت تبدو عليه مظاهر الفاقة الشديدة من زملائنا أبناء القاهرة كان في أي مناسبة يبدي استعداده لنوع من الاستعلاء بحكم انتمائه المدني في مواجهة القرويين الذين يراهم سذجا .

لم تكن أقدام أهل القرية تعرف الطريق الي المنصورة الا للحالات الاسثنائية , خاصة للتردد علي عيادات كبار الأطباء , ولما سافر المرحوم والدي واشتري لي ساعة من المنصورة كان الجانب الأبرز من الحدث ليس نوع الساعه وانما أنها مشتراه من مدينة المنصورة , وما هنأني زميل بالساعه الجديدة الا تلقي مني تأكيدا فوريا ( دي من المنصورة علي فكرة ! ) ..

لما قرب موعد سفري وزملائي الي القاهرة للاقامة للدراسة الجامعية تطوع أولاد الحلال ببث الرعب والفزع في نفوسنا , كان أحدهم زبونا دائما علي موالد أم هاشم بالقاهرة والقي علي مجموعة منا ذات يوم حكمته الأزلية ( اسمع يابني منك له, تاخد بالك من نفسك ترجع بالسلامة لأبوك وأمك , تمشي تتحنجل أي أتوبيس هايفرمك ولاترماي يخلليك كفته منك له تيجي لأمك ملفوف في خلقة ماتساويش مليم , ماهناكش في مصر يا أمه أرحميني , وأوعي البنات منك له , تمشي في سكة البنات والعوج تبقي هترجع لنا صايع ضايع الخمسة منك بقرش ساغ زي فلان وفلان وعلان ” عدد لنا أسماء من اعتبرهم هكذا , وأضاف أنا نفسي كنت هموت مائة مرة لولا ستر ربنا ” ..

دخلت المدينة الجامعية المواجهه لجامعة القاهرة , وهي تتكفل بطعامنا , أما الشاي والقهوة فكنا جميعا نعد مواقد صغيرة تعمل بسائل” السبرتو” وكانوا يتسامحون معنا بحكم أننا مضطرون فعلا لاستعمالها , كنت أملأ زجاجة تكفي حاجتي نحو أسبوع للشاي والقهوة ..

ذات يوم كنت أتناول الافطار في مطعم المدينة , ولاحظت شيئا غريبا , فقد ترك الطلبة طعامهم وراحوا يختلسون النظر الي و يحلقون في ويتهامسون , كنت أنظر خلسة الي ملابسي للتأكد من عدم وجود أي شيء يمكن ملاحظته ..

في الأيام التالية لم يجر شيء , لكن بعد نحو أسبوعين تكرر الموقف في الصباح تحديدا , كنت أشعر بخجل شديد ولكني أفطر وأنصرف بينما تشيعني نظراتهم المندهشة وابتسامات بعضهم التي تثير بي غيظا مكتوما ..

كانت الوجوه تتغير ولكن الأمر يتكرر بنفس التفاصيل , نظرات وتهامس وابتسامات ثم أفطر وأنصرف , الي أن كانت دراما اليوم الأخير .

جلست لأفطر وراحت النظرات تلاحقني والهمسات والابتسامات وأنا أشعر بنفس الخجل وأتفحص ملابسي للتحقق من أنه لاشيء يمكن ملاحظته , فجأة وقف أحدهم وصرخ في وجهي ( يافاسق اذا بليتم فاستتروا .. نطقها ومط نطق الياء في بليتم فصارت بليييييتم ) .. قلت من ؟ تقصدني أنا ؟ قال طبعا أقصدك ؟ قلت أنا فاسق وبليتم وأستتروا ؟ فجأة وجدت حولي من كل الجهات نحو عشرة بينما ترك كثيرون الافطار وراحوا يتابعون في شغف , قال أحد الملتفين ” ابقي ياخويا داري السم الهاري , ولاتوكل علي الله من المدينة كلها ” رد آخر : يا جماعة خاللوا الموعظة بالتي هي أحسن عشان تجيب نتيجة معاه ولايعاندش زيادة . النوع ده محتاج كلام حلو والا هيعاند زيادة ” , قلت لهم جميعا : أنتم مساطيل منك له ولاحاجة ؟ قال أحدهم والباقون يضحكون صارخين ” أحنا اللي مساطيل ؟ ورد آخر ياجماعة في الحالات دي هو بيتهيأ له تهيؤات ماتاخدوش علي كلامه .. ثم اقترب مني أحدهم وقال لي مشيرا الي أصابع يده الخمسة ” دول كاااااام ؟ ” ثم أضاف طيب احنا فييييين ؟ ..

رحت أشعر بمزيد من الذهول وبدأت أتلفت حولي وأضرب كفا بكف , وصحت ( الله يرحم عقولكم ) , فضجوا جميعا بالضحك ( عقولنا ولا عقلك ) ..

موقف عبثي غريب 

فجأة جاءت النجدة , دخل زميلي ” منصور حسين “, واقترب ووجدني حائرا داخل الحلقة الجهنمية وسألني عن الخبر فقصصت له مشاهد المشهد العجيب , فبادر أحدهم وقال ( هو احنا بنفتري عليك لاسمح الله ؟ ثم أمسك زجاجة أمامي وراح يقرأ بصوت عالي ممطوط اسكوتيش ويسكيييييييييي ) ..

لم يتحتمل منصور حسين الموقف وانفجر في نوبة ضحك هستيرية والتفت اليهم وهو يقول ” ربنا عامي قلوبكم ؟ دا منظر حد يشرب خمره ؟ ده لسه فلاح بطينه نوبة واحده هيشرب ويسكي ياعميان القلب والنظر ” , وأضاف : دا بيدوخ من مية الحنفية , جاتكم خيبة تتحط علي خيبته التقيلة .. دا قزازة شاحتها من البقال يحط فيها” السبرتو” للشاي والقهوة ولا عارف دي بتاع ايه أصلا ..

ضج مطعم المدينة بالضحك , وبادر الساخطون بتقبيل رأسي والاعتذار , بينما أمسكت الزجاجة ورحت أتفحصها كأني أراها أول مرة , الزجاجة عليها الورقة ناصعه لم يمسسها ماينال نصاعتها ومكتوب عليها بالانجليزية خمر اسكتلندي ,وأنا أذهب كل عدة أيام الي محل بقالة أضع بها كمية من” السبرتو” الأحمر وله – كما علمت لاحقا – نفس لون الخمر , كنت أملأها ثم أعود لأفطر وأرجع الي حجرتي ..

كنت أسمع عن الخمر طول عمري لكن لاأعرف لونها 

راح زملائي في مطعم المدينة يمعنون في الاعتذار لي وأنا أنظر اليهم وأردد جملة واحدة 

“طب والله العظيم والله العظيم كان عندكو حق 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: