الفنان السوري المبدع منصور الحناوي: قراءة تاويلية لوظائف وسمات الجمالية التشكيلية للحارة القديمة

كتب :عبدالرحمن شاكر الجبوري
 
 تطمح هذه الدراسة إلى تبيّن واحدة من أهم وظائف للفن التشكيلي السوري، وسمات الجمالية التشكيلية للحارة القديمة في تأويليته قراءة الخطاب اللوني والفراغي والمجسمات ممثلة في ممارسة التصوير التسجيلي الابداعي لها، بقابلة الاساليب الذاتية، والذاكرة الطوعية لثقافة حنايا الافراد بذواتهم الجامعة، والجماعات بألفتها الوارفة، الازقة المقرمدة الجامحة، المشربيات الزاهية، المناخات النافحة بأطيابها، روائح الجدران برسوماتها، الالوان النابشة للذاكرة على أنفسهم، انطلاقًا من رسم صورة معينة لجسدها المنضبط في الوعي والضمير، لتكون معبرًا جماليا تشكيليا حاضرا، لإخضاع السلوك الفني الابداعي لمعايير أخلاقية واجتماعيّة تشكيلية موحدة للحارة القديمة، وتيسّر من ثمّ، عملية إخضاع الكيان المجسم للحارة القديمة بفلكلوره الهندسي والعمراني المدني لكل أنماط العقل في خياراته الجمالية السائدة “دينية، سياسية، أخلاقية… إلى الفنية التشكيلية بتنوع ثقافة الناس وألفتهم بالعيش معا في جمالية البيت الشامي العريق… ولتحقيق هذه الغاية كان من الطبيعي أن يسعى الخطاب الجمالي إلى تأسيس قراءة تأويلية يتألق فيها دوال مصادرها المقدّسة: بطقوس تنوعاتها الدينية والحديث بحكواتي الذاكرة بمنحها مدلولات منسجمة مع طبيعة متواليات تماثل الثقافة السائد الذي يتغذّى منها الفنان السوري المبدع (منصور الحناوي) وموارده بسقي هذا المخيال الفني التشكيلي الابداعي، والتمثلات الدقيقة في “الهو” او الآخر “الحارة” بكل تفاصيلها الدقيقة ونوابغ فتنتها وتأويلاتها الفلسفية والميتافزيقية الشائعة في تلك الحقبة التاريخية من اعمارها ومكوناتها المجسة، المنظورة والمجسدة لبواطن معانيها. 
 
هناك ممن يشكو بتوجه العديد من  النقاد والدارسين في مجال الفن التشكيلي من غموض وإضعاف المعنى للاستحداث التأويلي للحارة القديمة، وكأن الكل يتقدم في المجال النقدي التأويلي لها، في هيئة ضحية في وظائفها وسماتها، حتى لو اتخذ منها موقفا مغاير، ومن مزاولة تعدد وعدم تحدد مدلولاتـها ما بين الثقافات، مما حدى بنا بقراءة تأويلية متجددة في المتخيل من خلال سيل تواصل أبداعي منجز بخصوصية مداخلاتها الناظمة في والانفتاحات في التفكير التراثي، وانفتاحها عند قلق الحداثة. إذن افرز هناك نموذج مغاير لمساحات الادراك ومشروع الملاحظة انتجت شروطا تأخذ في الحسبان ضمن عالم الابداع لدى الفنان المبدع (منصور الحناوي) اهم من فجرها من خلال مختلف ما صنعته العرف الجمالي. وإذا كان هذا الغموض والالتباس في ظاهرة الضحية لاشكال التناظر بها لاليات الخطاب في مضمونه الثقافي في عمق استدعاء الضحية في جدل العلاقات الثقافية لوسائل الاتصال الفني التشكيلي، ما يرجع في جزء منه إما إلى غموض ذهني في أدوات التأويل نفسها للمعارف والاحتجات في تفكير الموروث والقيم والاشكال القيميية العامة والاختلالات السياسية في علاقتها بالدين والدولة او السلطة بنظام الحكم لذاك الماضي، والفاعل المعرفي التوظيفي والمد الروحي الفلكلوري فيها انذاك.
 
 اما السمات للمكون الطبيعي للمنشأ التنسيقي الفلسفي المدني بين الزمن والتاريخ ومفعولاتهما، وما تختزنه في وجوديتها ورمزيتها في وجدانية طقوس الحارة في المعاصرة والتفكيك للمقدس والمتعالي، معرضة للسؤال والتأويل والانزياح.. أو إلى غياب العناء الفكري اللازم أحيانا إلى ما هو عابر  نحو عالم التشكيل الفني المنعوت بفلكلورها الامر الهين بدلالتها في تصفية الحساب بانتاج المعنى والرموز بأقانيمها كافيون للمعنى. ولعل ما تعبر عنه هذه الصفات الوجودية والنعوت بالاوهام التي تطلق على واقعنا هذا، المستور بالموضة، وما ستر بخلط الفراغ بالجهل والموت بالدين، وتبويب التفاهة والهشاشة (la médiocrité, l ephemère) بين ذاتها والمقدس، تعكس صدى هذه السمات للمتحدثون عنها بـ”الهشاشيون”، والتي توافقت في نشأتها بالرمز والسحر المحض وسطحيتها ما تبلور عنها فقدان لمفهوم ناقدية الحارة القديمة بحصافة، ما جعل ينظرون فلكلورها نفسها بهشاشة، مكن ما يصعب الحساب التنبؤ بانتاج المعنى الدقيقة في ازمنة تختلط فيها الدلالات، كما نجد ذلك جليا لدى وسط لدى االناطقين فيها، ليطمأنوا فيها ليس بيسير القبض عليها فكريا باستبعاد الفكر العقلاني، وجعل من المثقفون يتناقلون المتخيل  بشأهد صدأها، بالذي يعرف ما قد يعطي خطابا بـ”الحداثية الواعدة” بمتنوع الاساليب للمتخيل الحداثي. إلا أن ما يجري لدى الفنان هو انتباهه بما يؤشر على التعامل معها كأنها قبس لظى ونطَّ على ما هو عابر، وفرار fugitif والأمر العارض contingent…، لان فاعليه يعمدون اعادة توزيع القيم، ويعتبرون ما ليس حداثي لا يحقق من حب، وفن، واحتفال ودين، ثقافة وتنوير عليه انه يعرف خارج سياقها، أو إلى توجيه سوء النية المسبقة ضد الحارة وفلكلورها وتراثها، ومظاهر المزهو بأصالتها، وسبر جمالي غورها، فإن أحد أسباب لهذا الكشف، هو ما قمنا بتلمس اعمال الحرص والانتفاض واللصاق الفلسفي الفني لدى المبدع الفنان عن كشف ما نُصّب عليها من فضاءات لقاء والتواصل ورسوم والقصائد. مما نلاحظ هذا قد انجلى الغموض وثمة كشف عنها بكرنفال تشكيلي هو كوّن لهذا المفهوم الجديد تطلعا مغايرا للحارة القديمة، وبسط جماليتها حضاريا شموليا، يطال كافة مستويات الوجود الشامي الإنساني والتعقب، حيث شمل بعمله الفني التشكيلي حداثية اللون واسلوبية التربص، لما تحاول “الهشاشيون” إزالته بأسم الحداثة الاقتصادية، وأخرى سياسية، وإدارية واجتماعية، وثقافية، وفلسفية الخ واعلان الحداد على ايقاع الحارة القديمة، بامد موضعتها واقصائها لما تظهره الحداثة بغناءها كبداية الحرية والعيش ببوصلة الفرد الطاريء… 
 
مفهوم الحارة القديمة بكل ما همّ وهمّت به كجنسنة نسقية للفنان، أن يكون أقرب ما يكون إلى مفهوم جرد المجرد أو الامثولة الفكرية في لملمة شتات كل هذه المستويات، ويحدد القاسم المشترك الأكبر بينها جميعا، ضمن إطار العمل التشكيلي الواحد للحارة. وبمجرد انتهاج اسلوب هذا النموذج التأويلي الجمالي والفكري بوظائفه المثالية وسماته التأملية بالمعرفة، فإنه قدم للدارس أن يشعر مباشرة بوجود قدر من التعارض بين تأويل الحداثة والتحديث التوظيفي عن مصنف ارتقاءه الفلكلوري والتراثي. فالمفهوم الأول، منظور يتخذ طابع الفنان منه عن الحارة القديمة بنية فكرية جامعة للقسمات المشتركة بين المستويات المذكورة بمسبقاتها ومستلحقاتها، متوخصا إليها من خلال منظور أقرب ما يكون إلى المنظور التأويلي الفلسفي البنيوي، بينما يكتسي مفهوم التحديث التوظيفي مدلولا جدليا وتاريخيا منذ البداية سماته المعرفية من حيث إنه لا يشير إلى القسمات المشتركة بقدر مـا يشير إلى الدينامية التي تقتحم هذه المستويات المضافة، وإلى طابعها التحويلي القيميي.
 
 وعندما أختار لنا الفنان إمكانية الدخول إلى هذا الموضوع من الزاوية الأولى، زاوية الحداثة اللونية الطابع للحارة القديمة، فإنه يجد نفسه محكوما بضرورة الاهتمام بالثوابت والقواسم والسمات التشكيلية المشتركة جماليا، ليس نافضا منها الخصوصيات ومظاهر تباين المطارحات في تحولاتها النقدية، كما يجد نفسـه مندفعا إلى التركيز على الوقائع والأحداث والتواريخ والفواصل لدى المتلقي او المشاهد عبر الالوان وحذاقة المهارة والدقة بالمزاولة، موليا الاهتمام الأكبر للمنحنيات والخطوطات العامة في كل مستوى لوني معين، هناك نوع من الدلالات ومؤولاته. وما يسعني ان اقدمه للقاريء ايضا، وكما سأحاول به، هو ملاحقة ابداعه الفني التشكلي العريض التأويل أيضا لرواق ما قدمه الفنان من معارف جمالية تشكيلية للحارة القديمة، من خلال تتبع التحولات الفكرية الكبرى المصاحبة للحداثة الوظيفية للمدلولات في مباحث الاشارات، وكذلك للبحث عن التمييز قدر الإمكان بين مستويين في هذه التحولات الجمالية الفكرية التشكيلية، المستوى الإبستيمولوجي الجمالي والمستوى التشكيلي الفلسفي، وذلك على الرغم من تداخل هذين المستويين في اسلوب الفنان وتشابكهما إلى حدود كبيرة في معظم اعمالة. 
 
في هذه المحاولة سأحاول قدر الإمكان ايضا، التركيز على التحولات الفكرية التشكيلية العامة لسمات الحارة القديمة لدى الفنان المبدع، وتأثر القراءات التأويلية على اعماله وفق هذه المستويات، محاولا الجمع الشفوي للذاكرة التسجيلية بين المنظور التشكيلي الفلسفي البنيوي، الذي يحاول تتبع السمات الأساسية لجمالية الحارة القديمة، والمنظور التاريخي الذي يحاول متابعة التحولات التشكيلية التدريجية للخطوط والفراغات الانفصالية أحيانا، التي تطال هذه السمات نفسها باتصالية مباشرة بتفصيل سينمائي ادق، التي سنستعرضها من خلال وقفة المحطات للمقال في عرض الاهداف للدراسة، ولابد من ذلك وقبل الدخول بالتحاليل المعمقة، نتوجه إلى تعريف بأهداف تلك المحاور القادم. 
 
كما يمكننا بدءاً أن نتحدث عن معالم مفصلية في المسار وسمات الجمالية الفكرية الفنية التشكيلية والفلسفة الدَّلالية philosophie sémantique للحارة القديمة، ومبدعها المدهش بأداء اسلوبه الرائع (منصور الحفناوي) الواعد بأبداعة وشغفه العتيد بمغامرته الوعرة الإشكالية اللسانية linguistique la problématique، حيث نقف على محطات هامة من هذا الحضور القوي في مجال البحث الفني التشكيلي الذي يتقاطع مع التفكير التقليدي الفلسفي الجمالي، حيث وجدت في النزعة الرمزية symbolisme الثيمة/أو السؤال/ الإشكالية الجديدة التي سيغلب عليها انشغالات القراءة التأويلية الفلسفة المعاصرة، لأنّ الهم الذي حمله المبدع التشكيلي (منصور الحفناوي) يتمثل في التنقيب والتدراك والوعي عن العلاقة القائمة بين النسج للفضائات الفنية-الأدبية خاصة في أوجّ ذروتها في النزعة الذاتوية solipsisme للحضارة اوالذاكرة الشامية العريقة الدَّلالية، مجالا للنقد والقراءات التأويلية للوظائف والسمات الجمالية التشكيلية لطقوص الحارة القديمة عند كل واحد chaque، والقراءة التأويلية للسمات الفلسفية الجمالية في تعاريجها وتضاريس سماتها الوعرة ومرجعياتها المختلفة انها منتشرة في الرؤى المتجددة لدى الـ”جميع tous”. إذ أن الفنان هنا يفتح على النص الهرمينوطيقي التأويلي في نفس الوقت simultanément تفاسير وشروحات وتوضيحات للرموز، ممّا نلاحظ ضاعفت من مشغاله الجمالية بالنصوص عقب إضفاء قيمة إطلاقية absolutisation في الفهم، بحسبانه مرتعاً خصباً للفهم والتفسير نحو المعنى “الحقيقة الجمالية”، وقد كانت ابحاثه كما هو ملاحظ تمحورت عليها الوان وفراغات ومجسمات تتجلى في قراءة السياقات التأويلية اي “الأسلوبية المتعددة” في السيميائيات او جماليات جنسنة التلقي النسقي، ان صح التعبير، على أعتبارها من المصادر الأساسية للحارة القديمة، التي نهلت منها النزعة التوافقية فيضا متعاليا عند الفنان والممتثلة للتقليد  conventionnalisme في القراءة التأويلية نظرية إشكالية وجدلية لسمات نظرية الأدب والاشياء في السرديات الفنية الجمالية التشكيلية، و نظرات تحليل الخطاب الجمالي الطقوسي او الخصوصية الشعرية والسردية في مكامن فضاءاتها، مما جعل ترجمتها أفضت لتلك العملية بالضرورة إلى إطلاق العنان له علاقة توافقية مع مَلْوّنه الفني التشكيلي، وايضا لفتح العلاقة للنزعة التوافقية الممتثلة للتقليد conventionnalisme. لذلك لا يصير التحدث مدخلاً توأفقاً للمقالة/الدراسة  مقوما عفكريا دون رصد الاهداف الاستعداد واستعادة بناء التوجه المنضبط بغايته باحياء غاية الفن في أحياء الضمير الإنسانيّ عامة، إلا إذا اشتغلنا في تدافع فاعل إيجابيّ بين غايتين، هما إثبات غايات intentions أنّ توجهنا نحو الدرراسة موجه وفق لسياقنا الرمزيّ للحارة القديمة هو الأفضل مع الفنان ذاته لتعريف مصطلح الدلالة signification، وبحثنا عن هذا النسق او السياق الرمزي تمجد بالأفضلية لتحويله إلى تعريف لمفهوم الحقيقة vérité منجز، وعليه فالغاية الأولى نشأت في ظلّ فرض التضادات المتعارضة في الأغلب على أنّنا لمسنا وجهتنا على صواب في الحارة القديمة بأنها سورت نفسها بالنزعة الرمزية symbolisme، والثاني نشأت في ظل ما فرضه الرأي الآخر التي  يُمكن أن تكون الحارة القديمة على صواب مدنية الفلسفة في تأويل قراءة المشكلة العقلانية لما يُدعى بعلم الدَّلالة العام sémantique générale في جعل المدلولات مُحكمة المعنى. ولعلّ ذلك يتمثّل فيما يُروى عند البعض بأنه علم الدَّلالة المنطقي sémantique logique،في توصلنا قربا للقراءة التأويلية في معطف رواق الفنان التشكيلي، بقولنا صواب يحتمل الخطأ يكون نقدا ماديا ملموسا concrète، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب، تكون قراءة تأويلية الوظائف وسمات الجمالية التشكيلية للحارة القديمة، قراءة لتثبيت الفلسفة الجمالية الدَّلالية هي الصيغة المعاصرة للنزعة المثالية الذاتية idéalisme subjectif في التوجه للبحث عنها في خضم تشاربك الرأي النقدي المتوافق او المتعارض بين التراثيات والفلكلور وسمات جماليتهما الفلسفية. وعليه للتوضيح لابد من معرفة إطار تلك الدراسة من هلال اهدافها المعلنة ادناه. 
 
وقد تظهر محاولتنا، معرفة وكشف الاهداف التالية:
١. ما أهم معالم التآلف banale التي شكلت لتجربة الحارة القديمة في فكر ومسار الفنان منصور الحناوي؟
٢. هل يمكن أن نتحدث عن روابط تشكيلية معرفية لثقافات المقارنة ethnologues وبين التأويل الرمزي؟
٣. هل هناك مستقبل للتأويل بعد الأحداث التاريخية في الحارة القديمة وعوالمها بالضرورة؟
٤. ما إمكانية تأسيس قراءة تأويلية لوظائف وسمات الجمالية داخل هذه الثقافة التشكيلية، وفي هذا الأفق الزماني؟
٥. ما المساحات التأويلية التي تظهر بين الفلسفة الجمالية ومطلق وقائع فنون الأدب 
٦. في مقابل ذلك، إذا نظرنا إلى الاشارات التشكيلية بوصفها كياناً entité ليتركب من الدلالة signification ومن العناصر المادية المساعدة support matériel  في الحفاظ على المعنى للحارة كمعطى وإسناد حمولتها الجمالية في آن واحد؟
٦.  ما أبرز العوائق للقراءة التي حدثت في مسار الفعل الـتأويلي لمفهوم السمات الجمالية بوصفها صورة للواقع image de la réalité” 
 
تندرج هذه الاهداف البحثية ضمن القراءات المتعددة لاعمال الفنان التشكيلي المبدع (منصور الحناوي) بافاق فلسفية واسبارا لأغوار الحارة القديمة، وهذه القراءة تأخذ على علائقها مسارا عبر الاهداف اعلاه بالكشف عن الأسس العميقة لتلك الاسبار/التأويلية الضمنية على اعتبار أنّ السبر هو صناعة ذهنية معرفية بشرية خالصة نحو الاشياء الموجودة خارج كينونته الفلسفية التشكيلية بتماثل الاختلاف النوعي، ولا يمكن أن تقرأ خارج الدائرة الإنسانية ذاتها إلا في كشف بواطنها من ظاهرها. وحينها ترسم للفنان سبرغور لكشف ولادة جديدة لتعريف اشارات او رموز تستمد أنطولوجيتها من صلب التعاقد الضمني في سبر ذات الشي او لاجله، مما يعد للتأمل الفني او عند الفنان الذي يُعدّ لها تاويلاته كأحد لبنات المبادر بغمغمة سياق وطيسته الحداثية المعرفية في القراءة. وحول هذين المقصدين وبينهما تظهر تجليّات حواريّة قد تجنح لتطرّف تشكيكيّ أو تطرّف يقينيّ، فقد يأتي من يقول لا صواب على الحقيقة في شيء دون شيء، وهذا القائل إمّا أن يتطرّف في نفي الصوابيّة، فيقول لا صواب في شي، وأن يتطرّف في إثبات الصوابيّة، فيقول الصواب في كلّ شيء. ووفق هذا التأصيل العمق في القراءة التأويلية لوظائف تتماهى مع للسياق ذاته يكون قد جعلنا متوافقين مع الفنان ما يؤكد لنا على ضرورة ضمان فضاء فني يتطلع للسمات الجمالية التشكيلية في قراءة تأويلية لوظائف روابط تشكيلية تتخذ من فضاءات الحارة القديمة انموذجا في تكريس تجربة معرفية لثقافات المقارنة، ضمان للحرية في الحفاظ على المعنى الفكري لجمال عوالمها وتشكيل قراءتها الجمالية في التأويل لواقع فنون الادب بمستقبل تركيبها الدلالي الفلسفي،  لكن السؤال الذي يتحكم في مقاربة الرؤية العميقة في القراءة التأويلية للوظائف والسمات الجمالية التشكيلية للحارة القديمة جليا ايضا: هو كيف يمكن أن يكون السياق للتأويل في العمق او جوهر الشيء بمضامينه أن يجعل تأسيسا جمعيا في فهم المعنى مفسرا وشارحا وموضحا وكفيل بضمان الممارسة الجمالية الفكرية والفلسفية تأويلات سياق قراءة حرة للعمل الفني، والحال أنّ أحقية العمل الفني التشكيلي للفنانين ينبغي أن تنصهر ضمن الحق الجماعي في البحث عن سمات جمالية متنوعة نحو الحارة القديمة؟ مما نعد السؤال نفسة بطرح مخالف، ألا يُعدّ هذا انتقالاً بالفنان نفسه مثلا ” منصور الحناوي” من تكهيف السياق بمقدس جمالي محدد في القراءة إلى تكهيف لسياق قراءة تأويلية بوظائف وسمات ترسم له محددات السمات الجمالية؟ وإذا كان لا هذا ولا ذاك، إذن ما العمل في تدوير المعنى امام الزمن والتاريخ؟ ماهي طبيعية القراءة التأويلية ستكون؟
 
إنّ هذا السؤال الإشكالي يفرض قراءة تتوخى الحذر أمام العديد من المفارقات التي تضعنا فيها النصوص الفلسفية، من مجمل المواقف الفكرية التاريخية ومدارس الفن التشكيلي الذي يؤسس لمطالب الرسالة الانسانية والجمالية عامة مع الاشياء وإشاراتها التأويلية، والرسالة التأويلية وسمات الوعي الجمالي التشكيلي على المعنى باعتبار أنّ الغاية الأولى تشرع لمبادئ القراءة لطبيعة الحارة القديمة بمعزل عن تراثيياتها وفلكلورها، والثانية تقدم الآليات الحدثية لها التي تسمح بوضع الشرط الجمالي الإنساني كيانا اجتماعيا مفرغا من مضمونه، وهذا كله نتلمس موقف الفنان بسؤالنا الافتراضي اعلاه، من خلال ما  جعله فك الالتباس لأجل شرح وتوضيح التقعيد لمجمل السءوالين او الاشكاليين التي يعيش ألفنان على مقتضى العقل بجمالية متناسقة بين وعي الشيء بذاته وإدراكه خارج ذاته، فيتحقق الخلاص  بالاسلوب الاخر لا بمفهومه لوظائف القراءة وإنما بمفهومه الإنساني الذي يضيف للمفهوم إعادة تفكيك المفهوم نتيجة ما ينتجه التأويل من بحث الدلالة والمدلول بها او لاجلها للشيء نفسه، وهذا ما يهدف إليه وما استقر نظرنا عليه في اعمال الفنان تأمليا للون والدقه في كشفه للتفاصيل في مكون البنيه للمجسم وقيمته المضافة في التأويل المتجدد. ورغم ما يظهر من رحابة بين الذاكرة المدونة سينمائيا بين التاريخ والزمن من جهة والاسلوب الابداعي في هذين التطرفين، إلا أنّها رحابة تضحي بالمعنى نفسه، وإمكانية إدراكه في سبيل التواصل تاويل ضمن الوعي الاشتراطي للتفسير او التوضيح عن مؤولاته، وعندها يصير “الاشارات او الرموز” مقصداً دلاليا بذاته لا غاية وراءه إلا الرمزية مجرّد الرمز داخل الحارة القديمة. ومن منطلق هذه الإشكالية لا يمكن  للفنان التفكير في جمالية الذاكرة لفك طلاسم اللاوعي الإنساني من حيث هو كائن سياقي للمكان فقط دون المكان وتخيلي في الزمان اللامفكر فيه إلا داخل نسق فلسفي تأويلي حول الحارة القديمة بتفاصيل ظاهرها وتغريس الرؤيا التأويلية في المخيال الجمالي لا داخل القرميد بل فك القرميد بالاسوب اللوني المستخدم والذي اخذ فنانا حذاقة باهرة الدقة في خلق عوالم جمالية وتحديث فضاءات للمخيال المفكر فيه بعالم اوسع من المحدد المكاني. تلك هي المنظورية الأنطولوجية للفنان (منصور الحفناوي) التي جعل من الحق المكاني الطبيعي للحارة القديمة منطلقاً لها بدلاً من الحاق بها. وبمثل هذه الرؤية والقراءة الذكية  يتمّ التأصيل للحارة القديمة التي جعل من وظائف التأويل أولوياتها لها سمات لضمان  حرية المخيال للمتلقي في خلق الجمالية التشكيلية في التفكير الحسي اي متجها به تبعاً لإملاءات العقل بين المدرك و وعي المدرك بذاته اي بين المكانية والتاويل الزماني للمعنى. وبموجب التعاقد السياقي الفلسفي التشكيلي ينشأ وعيا يستنبط السمات كمفسر وموضح جمالي لتكوين الحارة القديمةبجنسنة نسقية عمومية تحمل الفنان  على طاعة القزحية البصرية في التسجيل الخفي لمدار الجمال الضمني الذي استكشفه لنا الفنان بالزوايا دون مصادرة حرياتة حرية المتلقي في المشاهدة بل منحه فرصة جمالية بالتأمل لاحياء لديه قدرة التأمل لسمات الجمالية التشكيلية في خلق الفذاء الابداعي بين ما هو تماثلي لوني مجسم وبين تأويل في الوجود بذاته ولاجله، ممّا يؤهلهم ليكونوا فنانين مبدعين البصيرة بالتأويل لا قاطعاً ظنيا فقط، ومنه فوجود الحارة القديمة قرأتها التأويلية مرهونة بوجود الحرية في فضاء جالمالية جدل التنوع التأويلي في الرمز والتجديد بالاستنباط للروح وجمالية المكون في مكونه الزمني في الذاكرة التسجيلية للتفاصيل الحارة القديمة الزاهية بكل مافصلها اللامفكر بها.
 
 حين بدأنا سائر سيرة  متابعة القراءة البصرية لوجود عناصر القراءة لوظائف أدراك السمات الضرورة الحيويّة لاعمال الفنان المبدع لوجوده في مستوى حيوية الحضور والديمومة للذاكرة، فكنا بأحتياج الطعام الفكري الجمالي والفكلوري لنحيا ونقوى بالبحث عن تراثية نقوشها في نفوسنا، ونطلب المزيد للعمق في فهم الدلالة لما خلف الابواب والازقة والمشربيات، والدقة الحذقة في تشكيل مفاتن لأرابيسك البيت الشامي وللسكن والمأوى في خفايا الجمالية للحارة الشامية العتيقة، النافحة بعقود ياسمينها و صيحات جاراتها، وبياعيها والعاب أطفالها، ومنتصف ظهاريها وطلاب صبيا مدارسها، فأخذنا نتلمس من الموجودات ما يؤمّن الشبع الروحي خوفاً من الجوع الفاتن لحذاقة الفنان وصلابة ذاكرته النقّاشة بترف، ووجدانية نقية، وذائقة حسية رفيعة بكوام المقدس الجمالي للدفء والشوق والعشق ولنوافذ ومشربيات القراءات والانتظارات في البرد والثلج والمواقد والاحطاب روائح الشاي وحلويات السهر ومطيبات المعجنات، ولكز الفستق واللوز، والجمع الدافيء برائحة الجار والقريب والاهل، وعطر الغار الطيب، وما يضمن المحبة خوفاً من الافتراق.
 
 كما نلاحظ في أعمال الفنان، ان لكل لوحة خصوصية دافئة تجمع كلّما زادت ازدحام الالوان  فيها تباثقت الذاكرة بحضور ثبات على مصادرها الضرورية والحياتيّة لتلك التفاصيل المنشدة، زاد خوف المتلقي على نفسه ان ترحل منه المشاهدة كالاحلام، ومع تدافع المتلقي مع رسوم جدرانها، وأبناءها بمعرتهم النعمانية من ابناء الحياتهم وما سيأتي إليهم، وفي ظلّ تجاذبات الالوان ومناخات الحارة الوافرة والنادرة، ينتقل بنا الفنان من تأمين الحاجة الجمالية اليوميّة في تشكيلات وتفاصيل دقة الحارة القديمة وملامحها الوقورة، بعزة انحناء ازقتها، واقواس كبرياء ظهورها، واحداق مشربياتها اللامعة إلى اسلوب المانح، الوافرة والادخار برموزها السابحة في دفء الوانها، فازدادت الحاجة إلينا بالرحلة معه، ومع ما زاد الخوف معها على الحارة القديمة ذاتها من محاسن ومفاتن جودها الشره بالمحبة. ولأنّ الخوف على ان يقل طوع قراءتنا على اعمال الفنان وأزقة عناية حاراته المقدسة بفتنتها وطهارة عبقها يستدعي منا الاعتناء ضد أي هفوة عابرة منا الا بعناية أمنة مطلوبة بمسحها جيدا بتفاصيل واعادة قراءة تأويلية، سعيا مع الفنان والمتلقي ايضا لتأمين احتياجاته الفكرية والفلسفية التشكيلية في القراءة للاسلوب والاختيار، فبدأ بإقامة متابعته بهندسة الجدران وتشكيل الحارة بقرميدها واللونية بحذاقة التفصيل، جدران عقل معرفي ووعاء يشع ذوق وحس جمالي يحمي فيها ما يدّخر من طعام للذاكرة من إلهام، وجدران معارف للقراءة لدى القاريء او المشاهد يحمي فيها نفسه من غائلة حيثيات غفل عنها تشكيليا جماليا في المجسمات والفراغ واللون أو تفحص المعرفة للفنان كإنسان ورقيب جمالي للذاكرة في اعمارها نقديا، ملهمة لتطوير الوظائف والسمات لذائقة من أحسن التوقف بحمل وجدانية الفلكلور من تصنيف ظواهره الدالة إلى بواطنه الدلالية للفهم Understanding والتفسير Explanation والشرح والتوضيح معان لما وراء كل قرميدة شكلت نفسها في إعمار هذه الحارة القديمة وصيوان ارادة أهاليها الافذاذ في الحس الجمالي للاشياء.
 
 إنّ المتأمّل في الحارات القديمة لاعمال الفنان (منصور الحناوي)، على اختلاف التساقط المجازي لزوايا ذرائع اماكنها، ومودع أصنافها اللونية، وأخضاع مضامينها الحسية، وما يشفع لها بؤرها الصورية، يتبيّن أنّها اشتغلت بتلاوة مسألة تفاصيل، وهيامات انسيابية الجسد الانساني بالانتقالية من حيز إلى حيز باسلوبية ممسرحة Théâtralité، في وضعيات مدنية متباينة للتصاميم الجمالية، والالوان الإنسنية لأنماط الجدل Les types d’argumentation، ووقف منها موقف القاريء المتجلي، المتفحص، والمتبصر بنَطِّهِ لتأويلات متنوّعة، متناقضة أحياناً الجدل الإقناعي convictif والإخبار أو الإبلاغ L’informativité، رغم عدسته الفنية التشكيلية الناقلة بحذاقة دقتها المجهولة، بحسب اختلاف تلك الاشارات الروحية المقدّسة الجمال، بتطريز الوانها، زج مشاهدها، وتحسيس فحواها برائحة ذكريات ناعمة طعمها، المنبهة الذاكرة بغيرة مغمغمة، يتوجه بثغر فرشاة متصوّفة، تتوسط تسامي بأقواس روحانية، طقوسها قزحية في توجيه الواقع، رسّخها مسّجلة ومُرسلة بموضعية خضرة قواريرها، القاصّة حكايتها بسفح جلجلتها… إلخ، وكأنها تُشبّه البنان بهذه الواسمات بمحوّلات الخطاب les aiguilleurs du discour، وهي تخضع لشروط و دوافع ماجرى، مرتبطة بتأطرها القصدي والموضعات والحاجات النقدية التركيبية لما جرى، والتفكيكية لما يتأمل ويجري. 
 
 لكنّها تلتقي كلّها، تقريباً، في الميل إلى ما يؤكده الستر، والحجب، والقناع، وتنأى كثيراً عن رسوم أخرى في التحليل الطقسي، أي تحقق ليس سوى انتقاء يؤدي إلى تحيين عناصر وإقصاء أخرى. إنه يدفع بمجموعة كبيرة من الوحدات الدلالية إلى التراجع لكي يستقيم وجود الواقعة، المشهد. إن خلق كيان تشكيلي للحارة القديمة، مستقل ومنسجم يفترض القيام بتهذيب الوحدات الدلالية وتشذيبها في مجالات معرفية أخرى في المنطق logos، الأخلاقيات l’éthos، العواطف pathos أي في تأويلات تجسدت  فيها مجالات: العقل والعادة أو العرف وهالة الوجدان الاستدلالي لما تصبو إلى التأييد و الموافقة L’adhesion. لقد رأينا نصوص لونية تواصلية وإن تمنعت، حماية لغوية غرام تسجيلي في سطوة جميلة لجسد في ذاكرة تدوين غرام سينمائي، يُستر تشهي، فيها خطى النموذج الاختزالي من خلال عدد الرؤى والقراءات المتعددة، إما باعتبارها حصيلة سيرورة قياسية induction أو حصيلة لسيرورة استدلالية déduction أو هي نتاج سيرورة افتراضية abduction. فالمؤول النهائي، باعتباره ما يغلق سلسلة التأويلات ويضع لها حدا، لا يمكن أن يخرج عن هذه الحالات الثلاث.
 
 وان ما جمعهما الفنان (منصور الحناوي) المبدع بلوحة مغلقة في اسناد التفاسير لاعادة قراءتها خلال: القياس المتكون من أطروحتين للبحث النقدي: المقدمة و الاستنتاج فقط L’enthymème في تبصر قصّة الخلق الابداعي للحارة، واخضاعها لتاريخية الجمالية بثوب فاتن الذاكرة ووظائف السمات التشكيلية في تقبيل ثغرها، التي تدرس فيها كأس قداسة الجمالية من كيفية الى اخرى، ويُمنع من أصابه العشق سفح اللذّة بهوى طبيعتها الفلسفية التاريخية في قصّة كمال المجادلة L’argumentativité، ويتكثّف ما يحث عليه من ميل حضور  التأويل الفكري، ويرعى المهام الاسقاطي لبيان مفاتنها المرجعية في سفر الزقاق وما بعد الزقاق، دفاعا غسق الدجى، وهوى ما خلفه عشاق، وما عز ودله بارتباط النشيد والاغنية مع مخاض زوبعة الأنشاد الفيروزي، يمكنه يتعالى بتصوفه اللوني في توطيد حوارات أحيانا أن تكون سلسلة موجّهات نابعة التفضيل و المقارنة Evaluatifs، وفي فضاء نبوغ الطمأنينة السسيولوجية، والمستقر للنظر بقرنية لونية سوى الحارة القديمة، ويُصلب ويتألّم في نصوص الواقع، والمصير، ومسألة عمق الاقامة الجديدة للاجابة بشكل ضمني او لا واعي، فدأبت وتبلورت على مستوى اختيارات نوع يتلذّذ بالألم الطقسي لها، في محاولة مأزق آثار متصوفات أطرافه كموجّه تثمينيّة Appréciatif.
 
 بيد أنّ عرض هيام الجسد في رؤية فؤاد الحارة القديمة المبتلى، بكلّ ألوانها في المشتكى، مما تنجلى لتظلّ تمثل فصولا موزعة بالنسبة، كحاملاً لسمات علامات دالّة، مختزلاً تاريخاً طويلاً من الموروثات والتقليد والفلكلور، معبّراً عن أنواع شتّى من الثقافات والحضارات، محمّلاً بالعديد من الدلالات، تعلن الرغبات كواقع تاريخية لا رجعة في اعادة حدوثها، ناهضاً بوظائف ثقافية كثيرة من الملاحظات والتبويب ودورها المنفرد، وهو يمجد مخزون ثراها، تمجيد جميع المتع النوعية، وبصمات متلاحقة ومتداخلة في مصدرها، وامتدادات بقاعدة الاستنتاجات الضمنية بحبات من المسك في لمسات فنية، التي يمكن أن نتأوّلها من خلال وسمات لغوية الجدة النوعية وليس الكمية أو مقامية أو إشارية والتي تعبّر عن مقصد وغايات المتكلّم La visée argumentative. فالسيمولوجيا sémiologie بوصفها نظرية القطيعة والغرام في البنية الفكرية للحارة عامة في العلامة signe حين قدم الاقصاء العقلي كتراب وحجر وقرميد من حيث انها قوة نقدية في خطاها، والاهتمام بهدف مبدأي الكشف واصرار الفرح فيها، كالشيء الأساسي في تعليم الاستقلالية النسبية للفرد، ككائن متميز من حقوق وحريات في إطار الحارة القديمة، فثمة فعالية ومجهودات لجدران والوان وقوارير من وراء ذلك في إطارها الصوفي المتعالي بتنظيمها، مرتبطة بإرادة محررة ومرحة. 
 
واعمال الفنان هنا، لابد من الانتباه، بأنها تنظيم جمالي عن المشروعية التمثيلية عن الإرادة، وخاصة إرادة العقلانية الجمالية، لا علاقة لها بإرادة الهيمنة، بل بإرادة الجمالية الخلاقة والوهابة من حيث الجوهر الثقافي، وبدلالة عقلانية في منظور اساسي بمحدداتها التاريخانية. جعل منها أن تكون فعل يوجز إبداع لأفكار وإمكانيات جديدة لطبيعة الحياة، معتمدا على العقل والتأويل لسمات التوظيف والسمات التشكيلية الجمالية لتحلق بحسن السعادة كحركة ممسرحة الجمال، عن طريق سيرورات تطور العقل، الفرد، الحرية، ورد فعل ضد معضلة الافتقار إلى الإبداع، وإلى مقاومة الحاضر بالدلالات ذات القدرة الفاعلة في انتشارها افقيا وعموديا. أكيد أن هذا الاستلهام هو قيمة حركة الوجود القصوى ذهنيا ابداعيا، وضمن ديناميتها التاريخية، يُدليها. التي تتوجه لها كل نموذج إرادة تأويلية فنية تشكيلية أو سيرورة معرفة الدلالات من أجل إحداث لا تتوقف ولا ترتد في تحويل المنظور والحياة والانتشار الفكرية والثقافية. 
 
أن الشيء الذي يفرض الشروع في إزاحة وقلب وكسح الأولويات والاهتمامات، بإعطاء الأهمية  لدور رغبات الأفراد في تقرير ميولهم ومصيرهم، وتجريب قدراتهم واختياراتهم، وتنظيم وجودهم. ولإنجاز هذه المهمة، جعل من المعنى كيانا قادرا على التدليل mettre le sens en état de signifier، لابد من إبداء تصور وتمني عن فعل التفكير التأويلي الجمالي الفلسفي لوظائفها وسماتها، مما قد يساهم في  تغيير دلالة الفكر الجمالي للفنان أو التفكير التشكيلي بشكل مختلف في تجديد الفنان لها عبر المتلقي، النبه. لكن الانخراط في هذه الصيرورة من التقليدية التحليلية، يقتضي العمل على الذات من أجل بنائها في سطوة الاجداد بالدهشة والنباهة في الوقوف عند شروحات وتطلعات “التاريخية الشرعية” للتوضيح للدلالة، كي تكون على استعداد للتأويل والتحليل وانسجام نقدي واعي وحرية انتقاء ملزمة باستقلالية الفهم وتعلم التفكير بعقلانة جمالية للمكان، وتعلم الحياة زمن منجلي، لكن نبقى نطرح وجهات نظرنا الخاصة كقراء في تأويلية السياق الجمالي لوظائف وسمات الحارة القديمة. 
 
  عندما نحاول مرة أخرى قراءة ثنائية التذكر والنسيان بناءً على منطق الموت، في استدعائه للقانون والديموقراطية المداولاتية Délibérative تكمن إرادة إقامة مبدأ وحدة داخل مجتمع منقسم نجد أن هاته الأخيرة هي الأخرى نسيان، إنها نسيان للوجود كوجود en tant qu’être، وتذكر للوجود كموجود،المتمثلة في تأسيس الشرعية الوضعية انطلاقا من عارض contingence الإطار الشرعي بواسطة الموت نتذكر النسيان، وبواسطة النسيان ننسى الوجود، فتتخلخل مرة أخرى هاته اللعبة، حيث لا يمكن للحياة أن تستقيم بدون موت، مثلما لا يمكن للفلسفة أن تكون إلا عن طريقها ـ الموت ـ، أن المسافة القائمة بين شكلي العقلانية هي التي تفسر سخرية L’Aufklarüng وعليه فقد كان الإغريق أذكياءً عندما قسموا العالم إلى عالمين، عالم الحياة حيث الإله زيوس، وعالم ما بعد الحياة حيث الإله هاديس، إذ حسب الميثولوجيا اليونانية، فهما أشقاء، ومنه فالنسيان ليس يمكن له غلا أن يلازم التذكر، إنهما كَفَّتَيْ الحياة وتوازنهما، هذا وإن كان التذكر مرضا يصيب أخلاق العبيد، فإن النسيان شجاعة وإقدام نحو حياة ما إن تبدأ حتى تنتهي كي تبدأ مرة أخرى وبنفس جديد.
 
كذلك سأتناول الاهداف وصياغة استراتيجية اعلاه، بمنهجية البحث والقراءة للعنوان عن التمييز قدر الإمكان بين مستويين في هذه التحولات الجمالية الفكرية التشكيلية للتأويل، المستوى التأويلي الإبستيمولوجي الجمالي والمستوى التأويلي للسمات التشكيلية الفلسفية، وذلك على الرغم من تداخل هذين المستويين في اسلوب الفنان وتشابكهما إلى حدود كبيرة في معظم اعمالة ان لم نحددها في الحارة القديمة. وسنعبر عن ذلك بأخذ كل هدف على انفراد، وجعله عنوان مستقلا للبحث والتحليل في تقصي غايته المنشودة، وتقديمه للقاريء الكريم بسلاسة الفهم والتفسير والشرح والتوضيح للمعنى. لكن،  يبقى له القول والفصل، في التجربة المفترضة أو الضمنية expérience collatérale. وهذه التجربة التأويلية في القراءة الضمنية متعددة بطبيعتها بحسب الظاهر، ولا يمكن حصرها في بعد واحد أو سياق بعينه. 
 
الخلاصة
 
هكذا نرى أن فلسفة الفنان المبدع (منصور الحناوي) قد أحدثت جمالية بقدر سلاسة بصريتها، الا انها فتحت افاقا لتصورات لمعان وجمل تشكيلية فليفية عميقة في التأمل، من خلال الحارة القديمة، وابرز ما هو متصل بالمخيال التراقي والفلكلوري والمعاصر وتوضيح القطيعة الجمالية التأويلية مع التصورات اللامفكر به التي توالت على مبحث الوجود الفلسفي الجمالي من أجل الحد من قوته في المناقبة والون والمعنى والمرتقب للتفسير. لقد شكلت الحارةالقديمة في اعمال الفنان والمتلقي على السواء، عند ابراز هذا التلاقح الزماني والمكاني بوحدة معنى الوجود الفلسفي الانساني، وكشف النتوءًات في المخيال للاشياء والتفاصيل الدقيقة الناقلة للظاهر متميزًا في حضن الباطن لها بالتأويل، بل وفي أحتضان الزمن وتاريخ كعمق فلسفي جمالي في مركبهما الوعر في تأويل نفسه في الحارة الدقيمة، وتأسيسًا فعالاً للحارة كخزين ثقافي وفكري لعمران الفن التشكيلي الفلسفي الجمالي. وهذا التصور الذي أحدثه الفنان بوعيه هو الذي يفصله عن الادراكية للاشياء بفلسفة الظاهر الديكارتي للمكانية الناتجة للوعي، وهو الذي جعل من الجمالية الفلسفية الباشلارية  ردا فلسوفًيا مضادًا للوعيويون “الهشاشيون” التي ظلت تتامل الاشارة والمعنى بالترقب للمعني المتجدد في المكان، فالحارة القديمة، تشكل على الرغم من إبداعاتها كوجود متعدد، الا ان الفنان (منصور الحناوي) جعل منها تعاقب دلالات في مجالات عديدة من التأمل لمعاني متوقدة جماليا، رهينة الخلفيات التأملية الميتافيزيقية التقليدية للمكان في واقعها التراثي والفلكوري الجميل والرائع بما نشد بها أيانا. 
 
نعم، مما لا شك فيه أن الفنان (منصور الحناوي) قد أحدث ثورة جمالية في  قراءة التاؤيل  بأضفاء وظائف جديدة للفكر افني التشكيلي الفلسفي، ومما لا شك فيه كذلك أن الفلسفة المكانية للحارة القديمة  “الشامية” كانت ومازالت محطةً أساسيةً فنية في تاريخ جمالية الفلسفة التشكيلية لدى اغلب المبدعين. إذ أنها تنطعت عن الفكر والنقد الفني التشكيلي المثقل بالخلفيات النقدية المغلقة للتفكير الجمالي الفلسفي للحارة القديمة، وحاول الفنان المبدع خلالها ربط الصلة بين الزمن الفلسفي والفضاءات المكانية المعاصرة التي أخذت تتأسس في الحارة الشامية القديمة بخصوصيتها المزدهرة.
 
 وقد قادها هذا إلى الاتصال عن الفلكور الجمالي الشامي، بل عن الجمالية الشامية برمتها، عندما أفضت الاعمال بمكوناتها الفنية التفصيلية تأسيس الطبيعة المتكاملة للمخيال الشامي باللامفكر فيه، توفيقات لونية بمقومات جنسنتها التنسيقة والنوع، أي حسب مخيالات الفنان النابضة بسحر المفاهيم الكلية المتعالية عن الحارة وازقتها واسلوبية الفنان بدقته الناقلة والمحافظة على الذاكرة، وإنما حسب الخاصية الجمالية اللازمة للشيء بحضوره، أي وفق الصفة الجمالية الأساسية للشيء بخصوصية ما تمتاز به. فأصبح لدى الفنان الحدس هو سبيل جمالي وإرشادي للعقل نحو المدارك الحسية الجمالية في معرفة الواقع الفعلي لبواطن كل خط من خطوطها وكل لمسة فرشلة لونية. الأمر الذي مَكَّنَ لوحته الفنية ان تقرأ بجمالية رؤية فلسفية من بناء معرفة تشكيلية محايثة، وواقعية للمواضيع الفلكلورية والتراثية الخاصة بمعالمها. كل ذلك شكل شاهدا ومشاهدة، بل إسهامًا تأويليا جماليا للمكانية-الزمانية في زواية قراءتها من منظور الجمال للفلسفة الديكارتية في الزمن والتاريخ لفلسفة الجمال، وتحولاً أساسيًا في الوعي العمراني للامكنة والازمنة المقرؤة في اللوحة، كمخيال فلسفي جمالي حديث. 
 
غير أن الجمالية المكانية للحارة القديمة في اعمال الفنان المبدع (منصور الحناوي) ظلت رهينة بقايا تراثية وفلكلورية ومنبطة اعمالة بدقة وتكنيك عال اللونية بقرائتها، حاسمة بالرغم من هذا الطموح الجمالي الفلسفي الفعلي الذي حاول ان يشوها معالمها بقراءت لزوايا منها، عله حتى في كتابتنا علنها الان، قد غفلت كثير من معالم الجمال باعمال الفنان المبدع في الحارة القديمة واخفقنا بفراسة دقة قراءتها، وبالرغم من هذه الرغبة الجامحة لدينا في تفعيل ما توثب للمتلقي من اكتشافات جمالية في مجال الفلسفة الفنية التشكيلية عامة والتراثية والتسجيلية الفلكلورية، قد اناط الفنان منصور الحناوي لثام التفاصل الضرورية إظهارها بجمالية متفردة . ونحن نعرف أن الفنان (منصور الحناوي) لم يعتقد قط أن على الفلسفة او العلم إقلاق التراث من متعته الفنية الجمالية، أو النيل من القيم الأخلاقية القائمة او السائدة حينذاك، بل إنه دعا باستمرار الى التأمل فيها بوهج هشيم روحي من الجمالية والدفء، في المعارض الرسمية على كافة الاصعدة وفي نيل المكانتها اللائقة والشهيرة كذلك بمكامنها العتيدة بالثقافة والمدنية الانسانية، إلى اسلوب طقسي وجمالي وتكنيك فني يلزم فيه المتلقي الوضع القائم والاعتقاد السائد. وفي رواقه الفني الالكتروني على صفحة التواصل الاجتماعي، حيث وضع منهجا جماليا شاملا لمحتويات اللوحات عامة والحارة القديمة خاصة، قد تصرح وتليق بالمتلقي الثقل الحسي برهافته الفنية لمشاهدة ما قد بنى لنفسه أخلاقًا تصوريا على الحارة القديمة، تقوم على ثلاثة أو أربعة تاملات يهيم باتباعها. الأولى هي الخضوع لجمالية المجسم للحارة القديمة ولطقوسها، والحفاظ باستمرار على الترقب لتنكيه الفنان العالي الدقة بالمحتويات كفلسفة لمكوناتها التفصيلية، وتعتمد من جهة أخرى على بسط الجمالية في الأفكار والمواقف واتباع طريق هادئة للمشاهدة، يمكنه “المتلقي” من التعايش مع الاعمال الآخريات بتواصل واتصال. ولذلك لم يُشكل الفنان (منصور الحناوي) القطيعة التي تنادي بها الفلسفة برؤيتها عن التراث والفلكلور، وتطالب بها مع الفكر الماضوي بالميتافيزيقيا. وأ ستطاع الفنان بفلسفته الجمالية وصنيعة تكنيكه الفني الدقيق بالنجاح والتوفق في التعبير الكامل والوفي عن الثورة الفكرية التي حققها الفكر الجمالي في المكانية والزمانية للحارة القديمة آنذاك.
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.