الجمعة , سبتمبر 25 2020

أحمد الصغير يكتب : عمرو موسى و مذكرات الإثم و البراءة !

 

(1)

♦ عمرو موسى ولا شك هو شخصية مصرية مهمة
مهما كان الاتفاق أو الاختلاف مع الأدوار التى لعبها أو حاول أن يلعبها فى السنوات
الأخيرة . و تتمثل أهميته – و بحكم المناصب التى تقلدها – فى كونه شاهدا على أحداث
مصرية و عربية و دولية كبرى أكثر من كونه فاعلا لتلك الأحداث ..

♦ و مهما يكن ما ذكره فى مذكراته المنتظرة
’ فإن قراره بكتابة هذه المذكرات و نشرها هو قرارٌ صائبٌ و مهم و يدرك أهميته دارسو
أو حتى هواة قراءة التاريخ .. لذلك و من حيث المبدأ فإننى أنكر على المعترضين اعتراضهم
على حق الرجل فى اتخاذ هذا القرار ..

♦ و من درسوا منهج البحث العلمى يعلمون
أن أى مذكرات شخصية فى حد ذاتها – و من الناحية العلمية الموضوعية – لا تعد مرجعا وثائقيا
لتوثيق أى حدث و يجب أن تؤخذ بكثير من الحذر العلمى ..

♦ و فى حال الاستعانة بأى منها فى أى مناقشة
علمية جادة أو إعداد أى رسائل علمية بحثية فيجب على القائمين على تلك المناقشة أو الرسالة
مقارنة ما يرد فى تلك المذكرات من معلومات و أحداث مع ما ورد فى المراجع الأخرى و رفض
ما يتناقض منها مع ما يثبت صدقه وثائقيا ..

♦ لكن للمذكرات الشخصية الخاصة برجال السياسة
أو القادة السياسيين فى أى دولة فى العالم أهمية خاصة تتمثل فيما يرد بها من وثائق
خاصة بدولة معينة أو حدث تاريخى معين خاصة إذا كان من تلك الوثائق ما ينشر لأول مرة
..

♦ و لا يجب أن ننسى أن كثيرا من معلوماتنا
المتاحة عن أحداث مصرية كبرى فى القرن العشرين كان مصدرها مذكرات رؤساء دول أو وزراء
خارجية دول ذات أدوار فى تلك الأحداث ..

♦ لذلك فمذكرات عمرو موسى المنتظرة شأنها
شأن كل المذكرات الشخصية الخاصة برجال الدولة و الدبلوماسية و السياسة .. لا تُرفض
كلها و لا تقبل كلها .. كما يجب عند قرائتها التفريق بين الصورة التى يحاول صاحب المذكرات
رسمها لمسيرته الشخصية و المهنية من ناحية و بين ما يرد بها من وثائق رسمية أو رواية
لأحداث سياسية كبيرة وجب مقارنتها مع روايات أخرى موثقة ..

———————————–

(2)

♦ و حتى الآن فما تيسر لنا جميعا الإطلاع
عليه من مذكرات عمرو موسى هو ما نشرته دار الشروق – دار النشر التى ستصدر عنها المذكرات
– من مقتطفات فى شكل حلقات بجريدة الشروق .. و بعد أن قرأت تلك الحلقات فإننى أرى أنها
مذكرات عادية و لا أرى أى مبرر لأى هجوم عنيف على الرجل كما لا أرى أى مبرر لرفعه فوق
الأعناق !

♦ فمثلا ما ذكره عن قصة إحضار طعام الرئيس
الراحل جمال عبد الناصر من سويسر لا يعدو أن يكون رواية لا ترقى بأى حال من الأحوال
إلى التوثيق التاريخى و هى – لأى قارىء للتاريخ – أقرب للإنكار و الدعابة منها إلى
التصديق و الجدية ..

♦ فقد كانت سويسرا هى محطته الأولى فى عمله
خارج مصر و قد كان شابا صغيرا لا يمكنه الإطلاع على الأسرار كاملة و كل ما حدث – كما
نشر فى الشروق على لسانه – أن رجلا ضخم الجثة كان يأتى لأخذ بعض الأطعمة الخاصة بنظام
غذائى خاص و كان عمرو موسى مسؤلا عن شراء هذا الطعام .. و قد قالوا لعمروا موسى أن
هذا الطعام خاص بجمال عبد الناصر !

♦ و لقد ذكر تلك الرواية دون أن يشير إلى
أى توثيق رسمى بفواتير شراء مثلا خاصة بالسفارة المصرية .. و دون أن يتأكد هو إن كان
هذا الطعام خاص فعلا بالرئيس أو أحد كبار رجال الدولة المصرية و دون أن تصدر أى رواية
قبل ذلك تشير من قريب أو بعيد للقصة ..

♦ و لم يذكر أى تفاصيل أخرى وجب ذكرها
.. و هل مثلا حدث هذا بشكل طارىء حين استدعت حالة الرئيس الصحية و عما إذا كان يتم
بشكل عابر مع بعض المسؤلين المسافرين أم كان يتم بشكل خاص و مرتب و يقتطع له ميزانية
خاصة ..

♦ و إن حدث ذلك مرة أو مرتين فكان عليه
أن يوضح التفاصيل حتى لا يتسرب إلى ذهن القارىء صورة ذهنية مغلوطة و خادعة عن شخصية
الرئيس الذى لم يتهمه ألد أعدائه بفسادٍ مالى أو شره استهلاكى مثل غيره كثيرون ممن
عاصروه ..

♦ و كان يمكن أن تمر تلك القصة مرورا عابرا
إلا أن رد سامى شرف عليها هو ما أكسبها بريقا خاصا يستهوى قطاعات معينة من القراء
!

——————————————-

(3)

♦ أما ما نشرته الشروق على لسان عمرو موسى
بخصوص حرب يونيو فهو الذى يستحق التوقف عنده طويلا .. فلا أحد يختلف إطلاقا على مسؤلية
جمال عبد الناصر عن هزيمة يونيو .. لكن الاختلاف هو عن طبيعة تلك المسؤلية و هل هى
مسؤلية خاصة بقرار الحرب – كما يلمح عمرو موسى – أم مسؤلية خاصة بسوء إدارة البلاد
فى ملف المواجهة مع إسرائيل عسكريا و سياسيا ؟

♦ أو بطريقة أخرى هل جمال عبد الناصر هو
فعلا المسؤل عن قرار حرب يونيو و لولا قرار غلق المضايق لم تكن 67 لتحدث ؟ أم أن الحرب
و العدوان على مصر كان حتميا و أن مسؤلية عبد الناصر تقع فى سوء إدارة الملف عسكريا
على الأرض و على مستوى إدارة القوات المسلحة نفسها ؟ و سياسيا بأنه كان لقمة سائغة
للخداع السوفيتى ؟

♦ و خطورة ما ذكره عمرو موسى بأن عبد الناصر
قد قامر بمصر هى أن تكون هذه هى رؤية شخصية بحجم عمرو موسى لهزيمة يونيو فى حين أن
بعض الكتاب – مصريين و غير مصريين – قد كتبوا و أسهبوا فى شرح الموقف الدولى آنذاك
و وضحوا أن المواجهة العسكرية أو العدوان العسكرى ضد مصر كان حتميا و من هؤلاء آخر
ما كتبه الكاتب محمود عوض و هو كتاب ( اليوم السابع .. الحرب المستحيلة )

♦ ففى هذا الكتاب ألقى محمود عوض الضوء
بالوثائق على مقدمات حرب يونيو و كيف أدار عبد الناصر الملف كما تحدث عن حرب الاستنزاف
.. و كنت أتمنى أن يكون عمرو موسى قد طالع هذه الكتب بعد صدورها و قبل أن يشرع فى صياغة
وجهة نظره رسميا فى مذكراته الشخصية ..

♦ لأن ما ذكره عمرو موسى بخصوص يونيو هو
تسطيح شديد جدا للأزمة و الصراع الذى ساد المنطقة آنذاك .. و حتى لو كان ذلك التسطيح
مقبولا من دبلوماسى شاب فى مقتبل العمر لكنه ليس مقبولا أن يكتبه الدبلوماسى المخضرم
فى مذكراته بعد هذه العقود الطويلة من العمل الدبلوماسى ..

——————————-

(4)

♦ هناك مسألة أو اتهام مباشر موجه لعمرو
موسى أتمنى أن يكون قد تعرض له فى مذكراته و دافع عن نفسه بشكل موثق حتى يبرأ ساحته
أمام التاريخ فى قضية تعد من أخطر ما تتعرض له مصر فى السنوات الأخيرة ..

♦ هذا الاتهام قد صادفته إثناء إعداى للمادة
العلمية لأحد فصول كتابى ( النوبة و بحيرة ناصر ) و هو الفصل الذى يعرض لأزمة المياه
بين مصر و دول حوض وادى النيل ..

♦ فالقائمون على الدولة المصرية و السياسة
الخارجية المصرية فى عقدى الثمانينات و التسعينات متهمون تاريخيا بمسؤليتهم المباشرة
عن تعقد الموقف المصرى فى أزمة المياه و ذلك بصياغة سياسية خارجية مصرية تقوم على الانسحاب
المصرى من العمق الأفريقى و الذى ترتبط معه مصر بمصالح حيوية كبرى تتمثل فى الشراكة
فى نهر النيل

♦ و السيد عمرو موسى متهم حين كان وزيرا
للخارجية المصرية بأنه أولى كل اهتمامه و ألقى بكل ثقل الخارجية المصرية فى ملف الصراع
الفسلطينى الإسرائيلى على حساب الملف الإفريقى حتى تعقدت و اضطربت العلاقات المصرية
مع دول إفريقية كانت فى السابق تعد من أهم أصدقاء مصر و كانت تلك الصداقة و هذا الوجود
هو الضامن لمصالح مصر العليا ..

♦ فإننى أتمنى أن يكون السيد عمرو موسى
قد رد فى مذكراته على هذه الاتهامات و و أن يكون قد أجاب على تساؤلات المصريين عمن
هو المسؤل عن تحديد تلك السياسة ؟ الرئاسة المصرية أم وزارة الخارجية برئاسة عمرو موسى
؟

♦ و إذا كانت الرئاسة هى المسؤلة فماذا
كان دور عمرو موسى وزير الخارجية الذى أعتقد أنه قد رسم صورة لنفسه فى مذكراته كوزير
خارجية ذى رؤية و صانع للسياسة و ليس فقط مجرد منفذ لها ؟

♦ فنحن – كمصريين – نريد أن نعرف تحديدا
ماذا كانت وجهة نظر الخارجية المصرية فى عهد عمرو موسى فى هذه القضية ؟ و هل قدم نصائح
محددة للرئيس الأسبق مبارك يحذره من مغبة تلك السياسة ؟

♦ و إن كان قد وجه له تلك النصائح بالفعل
و لم يستجب مبارك فلماذا لم يتخذ عمرو موسى موقفا وطنيا يحسب له تاريخيا برفض موقف
مبارك علنا أو الاستقالة خاصة أنه يذكر فى مذكراته مواقف مواجهة بينه و بين مبارك مثل
غضبه كوزير خارجية من لقاء مبارك مع أولبرايت دون علمه و أن هناك مواجهة قد حدثت بينهما
بسبب ذلك اللقاء ؟

♦ و من جملة ما يتردد من تساؤلات فى نفس
الملف ’ هل كان عمرو موسى هو صاحب مدرسة أو اتجاه اختيار أقل الدبلوماسيين خبرة لتعيينهم
فى تلك الدول الإفريقية رغم عدم إلمامهم ثقافيا و معلوماتيا بلغات أو تاريخ أو عادات
تلك الدول أو حتى بسابق العلاقات المصرية مع كل دولة ؟

♦ و قد ترتب على ذلك خلق حالة عزلة لبعض
البعثات الدبلوماسية المصرية فى بعض دول حوض النيل و حالة جفاء بينهم و بين مجتمعات
الدول التى عملوا بها و قد انعكس ذلك سلبيا على مصالح مصر بصورة استغلتها دولٌ أخرى
معادية لمصر مما أوصل الموقف لما هو كائنٌ الآن ؟

♦ و تتضح أهمية هذه النقطة مما ذكره بطرس
غالى فى مذكراته أن قيادات تلك الدول كانت تهتم اهتماما بالغا بمشاركتها فى مناسباتها
القومية و العسكرية و بالحضور الدبلوماسى فى المجتمع المحلى .. و أنه على أى دبلوماسى
يعمل فى أى دولة أفريقية أن يكون على علم و ثقافة تامة بكل ما يخص تلك الدولة حتى يتسنى
له تحقيق مصالح بلاده و هى فى حالة مصر كانت مصالح حيوية تتعلق بالحياة نفسها ..

——————————-

(5)

♦ فى المذكرات هناك صفحة إيجابية و هامة
أعتقد سيكون من المفيد للمصريين تصفحها لإدراك ما تعرضت له مصر بعد انتصار أكتوبر و
بدء مباحثات السلام مع العدو الصهيونى ..

♦ حيث تعرضت المذكرات لتفاصيل حالة محاصرة
مصر من جبهة الرفض العربى و كيف خاضت الدبلوماسية المصرية معارك كبرى لكسر تلك الحالة
و قد حققت بعض النجاحات التى سجلها التاريخ لتلك الدبلوماسية و وثقها عمرو موسى فى
مذكراته ..

♦ ذكرت الشروق أن المذكرات سوف تصدر فى
ثلاثة أجزاء يتعاطى الجزء الثالث منها مع ما بعد يناير 2011 .. و رغم أهمية هذا الجزء
لقراءة المشهد المصرى الحالى إلا أننى أتوقع أن يكون هذا الجزء هو أقلها أهمية لأننى
أتوقع أن يكون الأكثر تجميلا لشخصية صاحب المذكرات !

♦ فأعتقد أن عمرو موسى سوف يحاول فى هذا
الجزء أن يتبرأ من بعض المشاهد التى شارك بها بينما سيحاول أن يضخم صورته و دوره فى
مشاهد أخرى .. لذلك فيجب أن يتبع أى قارىء لهذه المذكرات الحذر الشديد فى قراءة هذا
الجزء و أن يضع فى ذهنه بعضا من التسامح مع نوازع النفس الإنسانية !

♦ لكن يبقى تساؤلٌ مهمٌ فى هذا الجزء يخص
دور عمرو موسى فى رئاسة لجنة الخمسين و لماذا لم يبذل بعض الجهد – بما له من خبرة و
بما كان يلاقيه من قبول بين أعضاء اللجنة – لتغيير صياغة بعض المواد الواردة فى الدستور
و التى أعتبرها مثل الخوازيق المتأهبة للانغراس فى الجسد المصرى فى أى وقت !

♦ فربما لم يدرك كثيرٌ من المصريين آنذاك
ما تعنيه بعض تلك العبارات كما أن الشعور العام بالرضا و الامتنان بعد خلع الجماعة
الفاشية ربما يكون قد ألقى كثيرا من الضباب على العيون ’ لكن عمرو موسى بحكم صنعته
و تاريخه كان عليه أن يدرك و يرى ما هو أبعد من تلك اللحظات بسنوات لاحقة !

————————

(6)

♦ بقيت نقطة تخص عنوان المذكرات ( كتابِيّه
) و هو عنوانٌ – حسب ما ذكرت دار الشروق – مقتبس من آية قرآنية كريمة .. و بصراحة شديدة
لم ترُقنى فكرة أن يكون عنوان مذكرات عمرو موسى هو آية قرآنية أو لفظٌ منها و أعد ذلك
نفاقا فظا منه لوضع القراء فى حالةٍ مزاجية معينة قبل البدء فى قراءة ما كتبه بداخلها
!

♦ ف ( البرنس ) عمرو موسى – شديد الاعتزاز
بشخصه و كاريزميته – و الذى قدر لى رؤيته مرة واحدة عابرة قبل يناير بسنوات طويلة فى
تراس فندق أولد كتراكت بيده السيجار و أمامه مشروباته الروحية كان أولى به أن يختار
لمذكراته كلمة أخرى تعبر عن شخصيته الدبلوماسية المنفتحة المتفاخرة و لا تنافق قرائه
..

♦ و رفضى هنا لا ينطلق من منظور نقدى أخلاقى
دينى للرجل و سلوكه لأننى أؤمن بحرية كل شخص فى ممارسة ما يهوى من سلوك و احتساء ما
يرغب من مشروبات و تناول ما يشتهى من أطعمة و ارتداء ما يروق له من أزياء ’ لكن رفضى
هو من منظور رفض النفاق حتى لو كان نفاقا فى اختيار عنوان كتاب !

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: