الجمعة , يناير 22 2021

على حسن يكتب : غلام الشيخ حرفوش

 

        استقبلت القبلة، صليت العصر في مسجد الرحمن
الرحيم، مسجد كبير شيده دراويش الصوفية في سبعينيات القرن الماضي، عند زَفيرِ الحياة،
آخر حدود المدينة الصغيرة، يقف المسجد حارسًا على المقابر، يفصل بين حياتين، الحياة
الدنيا والحياة الآخرة، على يمينه مقابر المسلمين، بينما تستقبل بوابته الضخمة مقابر
النصارى مباشرةً.

أُطلق على هذا المسجد يوم أُسس “مسجد
الشيخ حرفوش” حيث كان لهذا الشيخ مقاما فيه، وبعد قيام ثورة الخامس والعشرين من
يناير، حضر فتية آمنوا بربهم، فوضعوا أيديهم على المسجد، وطهروه من رفات “الشيخ
حرفُوش”، دفنوه في مدافن الصدقة، ثم جددوا المسجد، غيروا اسمه، صار مسجدا يليق
بالأتقياء، تقام الصلاة فيه.. لله وحده.. وليس لأحد سواه.

لم أنس عند كل سجدة أن أدعو على هؤلاء الكفرة
الفجرة، الذين بدلوا نعمة الله كُفرا وأحلوا قومهم دار البوار، نشروا الفساد في الأرض
وأباحوا لمن يملك زمام أمرهم أن يهجر آيات الله ولا  يحكم بما أنزل الله، إنه مجتمع الجاهلية والكُفر.

خرجت من المسجد مُتعبًا، كأني خرجت من ساحة
حرب وقتال، أشعُر بالاجهاد، ألقيت بجسدي المنهك على الرصيف المقابل للمسجد، يتفصد جسدي
عرقا، جذبت طرف جلبابي كي أمسح جبهتي التي كان العرق يساقط منها على وجهي وعنقي، تلفتُ
حولي أتفحص النسوة اللًواتي يتسولن بجوار المسجد، وهن كثر، يجلس أطفالهن بجوارهن على
التراب، لا يستر عوراتهم لباس، ويأكل الذباب عيونهم وشفاههم.

كل هذا ليس بغريب على مدينة فقيرة مهملة،
ما لفت انتباهي هو غلام كان يجلس على مقربة من باب مدافن النصارى، أمامي مباشرة، كان
يحملق فيً ويراقبني بتطفل فج، يرمِقُني بنظرات حادة، توشي بحنقٍ وكرهٍ، هذا ما شعرت
به حين إلتقت العيون، حاولت أن أصرف ناظريً بعيدا عنه، حتى أبدو غير عابئٍ به ولا مُكترثُ
بفضوله وحِدة نظراته.

أخرجت من جيب الجلباب حافظة نقودي، كانت
عامرةً، سحبت منها أوراقًا ماليةً فئة العشرين جنيها، ونهضت أعطي كل امرأة تجلس أمام
المسجد مبلغًا من المال، ثم رجعت إلى الرصيف فانحنيتُ لأنفخ بفمي التراب الذي يغطيه،
جلست، وأعطيت هذا الغلام جُل إهتمامي.

نظرت إليه فإذا به غير ملامح وجهه تماما،
أصبح أكثر رقة وأشد طيبة، واختفت قسمات الوجه الجافة والنظرات العابسة، شقت شفتيه ابتسامة
رقيقة، فما كان مني إلا أن بادلته بسمة ببسمة، ورقة برقة، ثم انتفضت واقفا، فارتجف
ودفن نحره بين منكبيه، لقد إعتقد أنني سأنقض عليه وأمسك به، حاول أن ينهض، فاختل توازنه،
كاد أن يقع على الأرض، تماسك ومال إلى الخلف، استند بظهره إلى الباب الحديدي الضخم
لمدافن النصارى.

جذبت بيدي اليمنى طرف جلبابي من الخلف وأسلمت
طرف الثياب ليدي اليسرى، أخذت أنفض بيدي الأخرى ما علق بالجلباب من غبارٍ ثم انصرفتُ
بهدوءٍ وتُؤدَةٍ.

وضعت السواك في فمي، استاك به على مهل،
ومشيت ببطء لا أنظر إلا إلى الأمام، وأنا على يقين أنه يسير خلفي ويقتفي أثري، فلقد
قيدته من عنقه بحبل غليظ، غير مَرئًي، أجره مقيدًا به كالعبد حيث أريد، فدخلت به إلى
السوق، وكان مزدحمًا كالمعتاد، ليس فيه موطئ لقدمٍ، وزاد من صخبه وضجيجه، هذا الملعون
المسمى بالتوك توك، كان يعيثُ في السوقِ فسادًا، يشبه الصراصير، أفواج خنافس مقزِزة
خرجت من باطن الأرضِ لتعيق حركة البشر.

خشيت من جَرًاءِ هذا الزحام الشديد أن أُضَيًع
الغُلام اللاهِث خلفي، فتباطأت واختلست نظرة إلى الوراء كي اطمئن، لَمحته يتبعني، بيني
وبينه خطوة واحدة!

غمرتني السعادة والزهو، فأنا ما زلت أملك
ذكاءً وفطنةً وصدق حدس، ولأني على يقين أنه يكاد يقع على الأرض من فرط جوعه، إقتربت
من محل لبيع الدجاج المشوي، وقفت أمام ماكينة الشواء، والدجاج الدسم تخترقه الأسياخ
الحديدية وتدور بها أمام اللهب، فتخرج رائحة الشواء شهية تذهب العقل، وتجعل اللعاب
يسيل من فم الجائع، ثوان ووجدت الغلام يقف بجواري يحملق في الدجاج، تكاد جبهته تصطدم
بزجاج ماكينة الشواء، هنا شعرت أن الغلام ذَهَلَ عني ذهولا، ولن يتبعني إذا تركته ورحلت،
إقتربت من جسده، دفعته بلطف ليقترب أكثر من الشواء، ويملأ صدره برائحته الزكية، مثل
هذا المسكين لم يدخل جوفه طعاما منذ أيام، وما أن رأيت لعابه قد فاض من بين فكيه وسال
على شدقيه، حتى وضعت يدي اليسرى على كتفه الأيسر واقتربت منه حتى التصق بصدري وقلبي،
وكأب يحنو على ابنه، ملت برأسي وهمست في إذنه قائلا:

– جائع؟

– ميت م الجوع، يومين من غير أكل!

_ أشتري لك دجاجة مشوية؟

كأن الغلام قد أمسك بطرف سلك يمر به تيارا
كهربائيا، انتفض ونظر إلى عينيً مذهولا لا يصدق ما أقوله ويكذب أذنيه، أسمعته السؤال
مرة أخرى.. هل أشتري لك دجاجة مشوية؟

لم ينبس ببنت شفه، كل ما فعله هو أن حَرَكَ
رأسهُ كناية عن القبول، ثم طأطأ رأسه لأسفل.

أخذته من يده وطلبت منه أن ينتظر على الرصيف
المقابل للمحل حتى آتيه بدجاجته الفاخرة.

دقائق معدودة.. رجعت بعدها بدجاجة دسمة
وخبز، كان الغُلام يجلس القرفصاء على الرصيف، يحتضن ساقيهِ بساعديهِ، ويغوص بأنفه وشفتيه
بين فخذيه، فلا يُر من وجهه غير عينين ذابلتين، وجبين ذليل إفترسه الزمن فلم يتركه
إلا جثة هامده، فجعل الغلام يبدو كهلًا برغم سنوات عمره القليلة، عجوزًا وليس صبيًا،
ضعيف البنية كأنه هيكل عظمي، ووجهه لا يشي بشئ أبدًا، حطام إنسان كل ما فيه طلاسم،
فلا ملامح تميزه ولا لون يكسوه، اللهم إلا ترابًا لطخ وجهه، فأخفى لون بشرته التي ولد
بها!

وضعت الكيس على مقربة منه فإنقض عليه كالصقر،
مزق الكيس بأظافره، أمسك بالخبز فوضعه بجواره على الرصيف، وانغمس برأسه داخل بقايا
الكيس، قبض على الدجاجة بفمه فالتهمها، أتى عليها تماما في لحظات، ثم مسح بالكيس فمه
ويديه، وأكمل تنظيف يديه بأن مسحهما في ثيابه المهلهلة.

سألته:

– هل تريد أن تأكل كل يوم دجاجة كهذه؟

نظر إليً كالمغشي عليه، ولم يحر جوابا،
فمسحت بيدي على شعره وكان أقذر ما رأيت في حياتي – مؤكد أنه لم يستحم قط منذ ولدته
أمه- سرت القشعريرة في جسدي، كأني أمسكت بقنفذٍ، فجذبت يدي سريعا، من دون أن يشعر بنفوري
من قذارة شعره.

قلت له إذا حضرت إلى هذا السوق كل يوم بعد
صلاة العصر، ستجدني وتجد دجاجتك في انتظارك، فما كان منه إلا أن فغر فاه وحملق فيً
بعينين جاحظتين كأن أصابه مس من جن، أو أن ملك الموت أتاه وسلَبه الروح، فلم أتمالك
نفسي من الضحك، حاولت أن أجعلها ابتسامة رقيقة، فلم أفلح من فرط انبهاره وملامحه الغريبة
حين تعجب، مسحت بيدي على وجهي أُخفي علامات الضحك ثم قلت له:

– خلقني الله في هذه الدنيا لأعين البشر
على الحياة، أنا رسول الله إلى الفقراء، فإفعل كما سمعت مني، ولن تندم، سوف تجد وجبتك
في انتظارك وأكثر، من دون مقابل، حتى تجد عملًا شريفًا تقتات منه.

مر على هذا اللقاء إسبوعًا، وخلال هذا الإسبوع
كان يحضر الغلام كل يوم في الموعد نفسه، أشتري الدجاجة وأضعها بين يديه على الرصيف،
في الشارع الضيق، يغوص في دجاجته، يلتهمها بنهمٍ، 
وخرس مذهل، فبعد أن يمتلئ بالطعام جوفه الفارغ طيلة يوم كامل، ويحتوي الشبع
أحشاءه، يصبح غير قادر على الكلام، فأتركه يلتقط أنفاسه وأرحل، ينظر إليً لا يفهم سر
هذا العطاء ولا سبب هذا الجود والكرم! أعرف أنه يراني سفيهًا، أملك مالًا وفيرًا أبدده
على أطفالِ الشوارعِ والأيتامِ والأراملِ.

أثناء تلك اللقاءات، لم يكن بيني وبين الغُلام
أي حوار، اليوم فقط تحدثتُ معه، لم أسأله عن اسمه قط، لم أطلب تفاصيلًا عن حياته أو
عن أهلِه، فقط.. طمأنت قلبه، جعلته لا يخاف الجوع والظمأ، ولا يهاب البرد والمطر، خلقت
داخله الأمل في الغد، أخبرته أنه كما شبع بالأمس واكتظت بطنه بالطعام الشهي اليوم،
فإن غدا سيكون طعامه لحما مشويًا وليس دجاجًا وسيشعر بالامتلاء أكثر.

قلت له:

– لي صديق ثري، يملك مصنعًا صغيرًا، وأن
صديقي هذا سوف يمنحه فرصة ليتعلم صنعة تجعله من الأغنياء السُعداء.

رأيت الغُلام لأول مرة يبتسم ابتسامة طفل،
وتمتلئ عينيه بالبهجة والفرح، يُتمتم بالشكر ويُسبح بالحمد، واغرورقت عيناه بدموع السعادة،
ففاجأته بسؤالٍ لم يكن يتوقعه أبدا:

– هل تريد أن ترى هذا الصديق الميسور الحال
صاحب المصنع؟

ولأول مرة ايضًا، أسمع له صوتا منذ أن قابلته،
صوتٌ يخرج بغير عائقٍ، وبدون تلعثم قال:

– يا ريت!

رَبَتُ على كتفه قائلا:

– كم أنت محظوظ أيها الغُلام الطيب، لقد
كان صديقي – صاحب المصنع- عندي بالأمس، وحدثته عنك، وحين انصرف صديقي نسيً حقيبته،
وها أنا ذا أحضرتُ الحقيبة معي اليوم، وسيأتي بعد دقائق ليتسلمها، وأريد أن يتعرف صديقي
عليك ويتأكد من أمانتك وحرصك على العمل في مصنعه، فخذ الحقيبة وإذهب إلى وسط السوق،
انتظرني هناك بجوار المخبز الرئيسي، أما أنا فسوف أخرج لمقابلته خارج السوق، حيث يصل
بعد عشر دقائق من الآن.

أعطيته الحقيبة وتركته ينصرف ناحية المخبز
البلدي، وسط السوق حيث الزحام وتدافع الناس كأنه يوم الحشر، وما إن تأكدتُ أنه جلس
بجوار الفرن، ومعه الحقيبة، حتى توجهت إلى خارج السوق، وعند باب مسجد الرحمن الرحيم،
سمعت إنفجارًا هائلا، هز السوق بأكمله، رأيتُ من بعيد، كلُ المحالِ تنهار، أشلاء البشر
تتطاير، الخيام تشتعل، تتصاعد منها أدخنة كثيفة، السماء صارت ليلًا دامسًا من أثر الأدخنة
والأتربة، اختفى ضجيج المارة، هدأ الزحام لثوانٍ معدودة، ثم بعدها هرول الناس من وإلى
السوق، زعر وهلع أحفظ ملامحه التي ترتسم دائما في وجوه الجياع والمشردين والضعفاء حين
يضربهم الخوف.. وليذهب الجميع إلى الجحيم!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: