الإثنين , يناير 18 2021

محمد صلاح الزهار يكتب ….حارس خصوصي

” وبينما كانت مجموعة السيارات التى تقل وزير الداخلية تهم بالخروج من مبني الوزراة بشارع الشيخ ريحان، فوجىء أفراد مجموعة الحراسة الخاصة بالوزير، بأحد الأشخاص يقفز بسرعة شديدة من أعلي الرصيف المجاور لمبني الوزارة ملقيا بنفسه أمام سيارة الوزير.

هرع أفراد الحراسة الخاصة بالوزير وأفراد مجموعة الحراسة التى تقوم بتأمين مقر الوزارة، وتمكنوا فى لحظات قليلة جدا، من الإطباق على ذلك الشخص وتقييد حركته، بعد أن نجح سائق السيارة التى كان يستقلها الوزير بصعوبة بالغة من التوقف قبل سنتيمترات معدودة من المكان الذى سقط به ذلك الشخص، وبسرعة بالغة قام مجموعة منهم بإخلاء الوزير من المكان، حفاظا على حياته، وتم إتخاذ عدة إجراءات سريعة لتأمين المكان فقد بدا الأمر لقوة الحراسة المرافقة كمحاولة لإغتيال الوزير، خصوصا وأن الأنشطة الإرهابية كانت منتشرة في تلك الفترة ، ورغم عدم وجود اية اسلحة او متفجرات او احزمة ناسفة بحوزة ذلك الشخص الذي اقتحم موكب الوزير، الا ان الاجهزة الامنية تحسبت للامر بأقصي الدرجات .”

***
المناقشة الاولية التي اجراها خبراء الامن، كشفت عن مفاجئة صاعقة، فقد تبين ان الشخص الذي حاول اقتحام موكب وزير الداخلية، امين شرطة مفصول من الادارة العامة لشرطة الحراسات الخاصة، ولم يكشف ملف خدمته عن سابقة اعتناقه او ارتباطه بأي كيانات متطرفة، كما ان ملف خدمته علي مدي خدمته التي امتدت لاكثر من خمس عشرة سنة، خلا من اية جزاءات او ارتكاب مخالفات مسلكية او وظيفية، بخلاف تحقيق واحد تم اجراؤه معه بناء علي مذكرة تلقتها رئاسته من الوزير الذي كان حارسا خاصا له، قال فيها ان امين الشرطة اعتاد استغلال قربه من الوزير وحصل علي رشاوي وهدايا من كثيرين من اصحاب الطلبات والشكايا الذين كانوا يلجأون للوزارة لانهاء مصالح خاصة بهم، وتم التحقيق معه وعوقب اداريا بالاحالة للمحاكمة التأديبية وتقرر فصله نهائيا من الخدمة بجهاز الشرطة !
وعلي مدي عدة ايام متوالية وخلال المناقشات المطولة التي اجراها خبراء الامن مع المتهم، كان لديه رواية واحدة لم يغير منها اية تفصيلة واحدة .

***
روي امين الشرطة المتهم حكايته في التحقيقات، وقال انه قرر التخلص من حياته بإلقاء نفسه امام سيارة وزير الداخلية، بعد ان اغلقت كافة ابواب الحياة امامه بعد ان تم فصله من الخدمه بجهاز الشرطة، وفقد دخله الذي كان يعينه علي الانفاق علي زوجته واولاده، اضاف انه استدان من كل من يعرفه من الاهل والاقارب، ونجح بعد ثلاث سنوات قضاها في المحاكم في الحصول علي حكم نهائي يلزم وزارة الداخلية بإعادته للعمل مرة اخري، بعد ان اقتنعت المحكمة بصحة دفاعه في مواجهة اتهامات الوزير التي تسببت في فصله من الخدمة، ولكنه فشل فى تنفيذ الحكم!

قال انه كان من الملتزمين في عمله، وكان محبوبا من قياداته وزملائه ومعروف عنه الالتزام والاجتهاد في عمله، الي ان تم الحاقه بالعمل ضمن مجموعة الحراسة الخاصة بأحد الوزراء، وسرعان ما حاز ثقة الوزير ونال اعجابه ، وواصل التزامه في العمل في حراسة الوزير، الذي كثيرا ما اثني عليه وامر بمكافأته عدة مرات، وبات مصدر الثقة والاطمئنان من الوزير الذي كان يتعمد ان يصحبه معه في مهامه التي كان يقوم بها خارج البلاد، كما بات مصدر ثقة لافراد اسرة الوزير وخاصة السيدة زوجته، التي كان يشعر بأنه تعامله كواحد من ابناءها، وكانت دائمة الاطمئنان علي زوجته واولاده، وكانت تنتهز اية مناسبة لارسال الهدايا لاولاده وزوجته.

اضاف .. ان الامور سارت هادئة في مهمته بصحبة الوزير، الي ان علم ذات يوم ان الوزير تزوج بزوجة اخري علي زوجته الاولي، ام اولاده، وبدأ الوزير يقضي معظم وقته بصحبة زوجته الجديدة، وكان يبرر غيابه المستمر لزوجته الاولي بإنشغاله بمهام الوزارة، فقد بدأ الشك يتسرب بداخلها حول زوجها!

اضاف امين الشرطة انه ورغم تعاطفه الشديد مع الزوجة الاولي للوزير، الا انه والتزاما بمهمته الاساسية في حماية الوزير وحفظ اسراره، كان حريصا علي عدم البوح بأي سر من اسرار الوزير!

وذات يوم، والكلام لا يزال علي لسان امين الشرطة، رافق الوزير لدي خروجه من منزله متوجها لمكتبه بالوزارة، وكان مخططا ان ينهي الوزير عمله بالوزارة، ثم يتوجه بعد ذلك الي مطار القاهرة ليستقل الطائرة في مهمة خارجية.

اضاف امين الشرطة في كلامه امام خبراء الامن قائلا: وعند اقترابنا من مطار القاهرة، فوجئنا بالسيارة التي يستقلها الوزير تغير من إتجاهها وتتوجه لاحد الفنادق بدلا من المطار، أمام الفندق نزل الوزير من السيارة، فهرعت خلفه ودخل الي الفندق واستقل الأسانسير حتي وصل الي الدور الثالث، وكنت لا أزال خلفه، وفجأة توقف امام احد الاجنحة تبين ان الزوجة الثانية للوزير تتواجد بداخله .. وقبل ان يغلق الوزير باب الجناح خلفه، طلب مني مغادرة المكان والعودة الي كشك الحراسة الموجود أسف منزله، وقال ان طاقم الحراسة الاخر سيأتي في الصباح لمرافقته خلال رحلته الخارجية المنتظرة!

قال امين الشرطة : احسست بمسئولية كبيرة وخشيت أن أترك الوزير بمفرده، خوفا من حدوث اية تطورات يمكن ان تمس سلامة الوزير، عندها سيتم مساءلتي وربما محاكمتي عن سبب تركي لمهمتي في حماية الوزير والحفاظ علي حياته، حصوصا وأن التعليمات الدائمة لنا تلزمنا بعدم الإبتعاد الشخص الذى نقوم بحراسته وحمايته، وفكرت كثيرا في الخروج من المأزق الي ان هداني تفكيري الي الاتصال هاتفيا بزميلي الحرس المناوب للوزير كي يأتي الي الفندق ليتولي حراسة الوزير الي حين يأتي موعد سفره، ويرافقه في الرحلة.

وبالفعل – والكلام لا يزال علي لسان امين الشرطة – اتصلت بزميلي علي تليفون كشك الحراسة فلم يرد احد علي التليفون، فقلت لنفسي ربما يكون احد من افراد اسرة الوزير قد طلب من زميلي قضاء اي طلب، فأجريت اتصالا بتليفون منزل الوزير، للسؤال عن زميلي، ففوجئت بزوجة السيد الوزير ترد علي التليفون، وشعرت بإني ارتكبت خطأ كبير وشعرت بإضطراب شديد عندما إكتشفت انها فوجئت بوجودي في القاهرة، سألتني بإنفعال : أين الوزير .. تلعثمت ولم أرد .. فقالت : أنتوا مش مفروض مسافرين النهارده بره .. ايه اللى مخليك لسه فى القاهرة!
كان الوزير قد أخبرها إنه سوف يغادر القاهرة اليوم، لقضاء الليلة مع زوجته الثانية بالفندق، ويغادر فى الصباح فى مهمته الخارجية!
لم تدعني السيدة زوجة الوزير أرد بكلمة واحدة، نهرتني بشدة وقالت لي : تعالي هنا فورا، وهددتني إذا لم أأتي لها .
أقسمت لها إنه فى سأتوجحه اليها الأن وفورا .. فى المنزل وجدتها مضطربة جدا ومنفعلة، وفشلت كل التحسبات التى اعددتها مع نفسي كي أتجاوز هذا المأزق، فقد شعرت بالتعاطف الشديد معها، وقررت أن أبوح لها بالسر، خصوصا وإنها كانت بمثابة أم وكانت تعاملني وزملائي بود شديد، وكنت أشعر كذلك أن الوزير ظلمها بزواجه من سيدة أخري عليها .
قلت لها الوزير تزوج سيدة اخري!
وعلى مايبدو انها كان لديها شكوك، فلم أشعر إنها تفاجئت بالأمر، قالت بهدؤ: أين هو الأن ؟
قلت : فى الفندق معها .
قالت : تعالي معاي وريني الفندق 
وفوجئت بها تنفعل بشدة عندما شعرت بترددي عن مرافقتها الى الفندق الذى يتواجد فيه الوزير مع زوجته الثانية!
صرخت فى وجهي وكررت تهديداتها لي ، إذا لم أرافقها الى حيث يوجد الوزير .
فى الطريق الي الفندق شعرت إني مقبل على وشك مصيبة كبري سوف تحل بي، وإمتلأ فلبي رعبا إذا ما تصاعدت الأمور بين الوزير وزوجتيه، وماذا سأفعل حينها، وكيف أحقق الحماية للسيد الوزير !
وأمام الجناح الذى كان يوجد به الوزير مع زوجته الثانية، تعرض الوزير لفضيحة مدوية، شاهدها غالبية نزلاء الفندق، بعدما فوجىء بزوجته الأولي تطرق عليه باب الجناح الذى كان يقيم فيه مع زوجته الثانية.

ونجح الوزير بصعوبة بالغة فى السيطرة على زوجته الثانية وتمكن من إصطحابهاالى منزله ، وعاد معها وقضي ليلته فى منزله ، و توجه فى اليوم التالي الى مهمته الخارحية، وبعد أن عاد إستدعاني بمكتبه ، وقال لي : إنته مش كنت عاوز تنتقل!
ولم يتركني أرد .
قال : أرجع إدارتك أنا وصيت عليك يودوك حتة كويسة!
وهناك وجدت قرار بإحالتي للتحقيق، وعلمت أن الوزير قال فى مذكرة ارسلها الى جهة عملي إني إستغل مهمتي فى التواجد بالقرب منه لتحقيق مكاسب خاصة.
حاولت توضح الموقف .. ولكن قرارا بإدانتي صدر ، وبعدها تقرر فصلي من الخدمة بجهاز الشرطة.
واصبحت فى الشارع .. ولم أجد سوي المحكمة الإدارية توجهت اليها وحصلت بعد فترة طويلة على حكم نهائي بعودتي للعمل، لم أستطع تنفيذه.
وعندما أغلقت الدنيا فى وجهي .. قررت أن أأتي للوزير وأشرح لي قضيتي، فتم منعي من الدخول الى مكتبه، فققرت أن القي بنفسي أمام سيارته عند خروجه من الوزارة، فأما أموت تاركا أولادي لمصيرهم وإما يستمع لي ويامر بحل مشكلتي!

***

المثير أن التحريات التى أجريت أكدت صحة كلام أمين الشرطة، الذى ألقي بنفسه امام سيارة وزير الداخلية، وتم عرض التحريات على الوزير، فتعاطف بشدة مع أمين الشرطة، وطلب إلى مساعديه أن يأتوا بأمين الشرطة للقاء الوزير .
ضحك الوزير وقال له .. أنته طبعا غلطت لإنك سمحت لعواطفك واحاسيسك ان تتحكم فى عملك، ولكن يكفي الفترة التي قضيتها خارج الوزارة .. سأأمر بإعادتك للعمل ولكن بعيدا عن شرطة الحراسات الخاصة وبالفعل أصدر الوزير بإعادة أمين الشرطة للعمل تنفيذا لحكم المحكمة، وأمر بإلحاقه بإدارة تابعة للداخية بعيدة تماما عن الحراسات الخاصة!

معذرة للإطالة

—-

ملحوظة 1 : قمت بأخفاء الأسماء الحقيقية لأبطال هذه القصة تجنبا للتشهير أو الخوض فى الأمور العائلية للشخصيات العامة، فليس لنا شأن بها، وإنما المعني هنا فقط هو تفاصيل القصة التى قد نتعظ أو نستفيد منها.
ملحوظة 2 : هذه الحدوتة تحولت إلى فيلم سينمائي بإسم ” الواد محروس بتاع الوزير” سنة 1997، قمت بكتابة قصته وأعد العالجة السينمائية والحوار يوسف معاطي وقام ببطولته زعيم الفن والإبداع فى العالم العربي الفنان عادل إمام، وبالطبع تغيرت بعض الوقائع واضيفت وقائع اخري للقصة الحقيقية التي كتبتها هنا بكل تفاصيلها.
ملحوطة ٣ : بعد عرض الفيلم صدرت تعليمات عليا، قبل في حينه انها من رئيس الجمهورية، بعدم إستمرار أفراد الحراسة المرافقة للشخصيات العامة والوزراء أكثر من ثلاث سنوات.
ملحوظة 4 وأخيرة : هذه الواقعة حدثت فى عقد التسعينيات من القرن الماضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: