الثلاثاء , يناير 26 2021

النّسخة الأخيرة ……………. للشاعر/ سفيان رجب

النّسخة الأخيرة من أشباهي الأربعين
جلسْتُ مع أشباهي الأربعين، لنتحدّث عمّا يمكن أن نفْعله لإنقاذ العالم من الجوع والحزن.
قالَ أحدنا:
ـ نزْرع شجراً أكثر من نوايا الحطّابين.
قال آخر:
ـ نربّي طيوراً أكثر من رصاصات الصّيّادين.
وقال آخر:
ـ نصْنع أنْهاراً من الدّم، حتّى نُغرق ما تصْنعه الحرْبُ من بالوعات العدم.
…..
تداخلتْ حكاياتُنا، وتشابهت مثل ملامحنا…
حتّى تكلّمتُ أنا، واضعاً كتاباً عظيماً على طاولة الحوار،
قلتُ:
ـ افْتحوا، واقرؤوا..
لكنهم تجمّعوا ضدّي كعصابة، حدّقوا في الكتاب المفتوح بوجلٍ، وخرجوا…
تركوني أقرأ الكتابَ على نفْسي مثل نهرْ جوفيّ.
ما كدتُ أُغْلقُ الكتابَ، حتّى دخل الوحيد الذي بقي من أشباهي الأربعين، كما أكّد لي.
سألْته:
ـ أيْن أشباهُنا؟، ماذا فعلَ بهم العالمُ؟.
قال:
كنّا اللّصوص الأربعين في ألف ليلة وليلة، رفاقي صبّت عليهم خادمة علي بابا الزّيت السّاخن في جرارهم. أنا الوحيد الذي كنتُ أغنّي في جرّتي، صوْتي فتَنَ الخادمةَ، فعفتْ عنّي. أنقذني صوْتي، مثل كناريّ بين سرب الزّرزور الذي علق في شباك صيّاد.
قلتُ:
ـ غنّ لي إذن.
لكنه لاذ بالصّمت، واختبئَ بين المرايا.
هدّدته بقبضتي: غنّ. فهدّدني بقبضته.
عضضت على شفتي السّفلى، فعضّ على شفته السّفلى.
كلّ حركة منّي، كان يحاكيها بإتقانٍ. أعجبتْني اللّعبةُ، فتماديْتُ فيها، حتّى صارت حركاتي رقْصا. وصرْت كلّما أرهقني تصفّح كتابي المفتوح، أذهبُ إليه بين المرايا، لأراقصه، ونتحدّث عن سير أشباهنا الرّاحلين، وعن العالم الذي استفْحل فيه الجوع والحزن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: