الأربعاء , يناير 27 2021

محمد متولي فضل يكتب …..7 اكتوبر 1973 .. وبداية المعارك على الارض المحررة

اليوم هو السابع من اكتوبر عام 1973 والمكان هو منطقة البحيرات المرة .. في اليوم السادس عبرنا القناة وقبلنا رمال سيناء الذهبية وعشنا الليلة الاولى في الحفر البرميلية وتم اخفاء كل السيارات التي كانت معنا والخاصة بقيادة اللواء 62 مدفعية الميدان الثقيلة .. وكما قلت سابقا ان دورنا في قيادة اللواء هو مساعدة كتائب قيادة اللواء في معرفة المسافات بين اهداف العدو وبين مدفعيتنا التي عبرت القناة بعد ان دكت خط باريف من الضفة الغربية للقناة .. كتائب المدفعية خلفنا ونحن امامها بمسافات قريبة من وجود وحدات العدو المتمركزة في قلب سيناء .. قواتنا تتقدم الى الامام كيلومترات وكل وقفة لنا علينا أن نقوم بتجهيز نفس الحفر البرميلية وعادة ما كنا نقوم بهذا بعد غروب الشمس .. عندما يحل الظلام وكان واجب علينا الا نظهر اي ضوء ولو حتى ضوء سيجارة مشتعلة.

بعد ثلاثة أيام من التقدم باتجاه الممرات في قلب سيناء حدثت بعض التغيرات في مسار المعارك القائمة بين اسلحتنا واسلحة العدو.. مدافعنا تدكهم دكا مستمرا طوال اليوم وهم لا يستخدمون مدافعهم الا في الليل. وخصوصا مدافع الدبابات التي تم تدمير المئات منها خلال الثلاثة ايام الاولى..
في ليلة لا انساها ونحن نتقدم الى الأمام حل علينا الظلام فتوقفنا في مكان ما وأمرنا القائد بأن نتوقف ونعد الحفر البرميلية وسيارات الخدمات المصاحبة لنا..
بصفتي كنت مع افراد سيارة الجيب الخاصة بالمساحة .. وكانت الاولى من نوعها في جيش مصر حيث ان مهمة هذه السيارة هي معرفة المكان الذي توقفنا فيه من خلال خريطة مثبتة في جهاز به مسطرة تتحرك يمينا ويسارا على جهاز مثبت في السيارة المسطرة بها قلم يتحرك مع تحرك السيارة ويتم معرفة المكان الموجودين فيه من على الخريطة ولأن الجير بوكس الخاص الذي يحرك القلم على الخريطة حدث به عطل فني فأخبرت القائد وقلت للضابط هذه النقطة مرتفعة عن سطح البحر وستكون مكشوفة للعدو فعلينا ان نتحرك بعيدا عنها .. فرد علي قائلا .. الكل منهك ولن نستطيع التحرك من هنا قبل الشروق .. ولكن علينا ان نجهز المكان كما هو الحال في كل موقع نذهب اليه .. خصوصا ان هذه الحفر هي التي تحمينا في حال ان اطلق العدو علينا مدافعه.
في منتصف الليل وبعد ان انتهينا من تجهيز الموقع واذ بطلقات العدو تنهال علينا من كل مكان .. ولكن العناية الالهية كانت تلقى بقنابل العدو بعيدا عنا ولم تصبنا ..
وفي لحظة وجدنا النيران تشتعل في عربة من عربات الخدمات وللاسف كانت عربة الوقود واذ بالمدافع الاسرئيلية تنهمر علينا بغزارة مركزة على نفس النيران المشتعلة لعلها تصيب اهداف اخرى في موقعنا..
لابد من اقول انه اثناء تجهيز الموقع .. كان يتم ايضا تجهيزغرفة العمليات الخاصة بقيادة اللواء ونحن افراد المساحة العسكرية .. اما افراد فرقة الاستطلاع المرافقة لقيادة اللواء كانت تسبقنا في العمق لتكون قريبة من مواقع العدو لكي تمدنا بالمعلومات لكي نحول الارقام التي يرسلونها لنا الى مسافات وزوايا نرسل بها لقيادة الكتائب التي عادة ما تكون خلفنا بمسافة ايضا.
في الوقت نفسه تكون فرق سلاح الاشارة يمدون الاسلاك لربط فرق الاستطلاع بفرق المساحة ثم بكتائب المدفعية عمل شاق ومضني ومهم في معارك المدافع الثقيلة..
في يوم ونحن نقوم بكل هذه الاعمال وفي الليل .. وانا اسميها اسخن ليلة في الايام الاولى بعد العبور حيث كانت المدافع والدبابات الاسرائيلية تظهر في الافق بالمئات والطائرات الاسرائيلة كانت تحلق فوق رؤوسنا وبعدما كنا نشاهد العشرات منها تسقط مشتعلة اصبحت آمنة بعدما تم امدادها من امريكا بسلاح جديد وهو رش وتعبير رش ربما يكون هو الامثل لانها كانت ترش رقائق فضية اللون تجعل صواريخنا المضادة للطائرات تنفجر في الجو بعيدا عن الهدف الذي لم تتمكن من تحديده بسبب تلك الرقائق الفضية.
كانت التعليمات الخاصة بقيادة اللواء 62 مدفعية هو التوقف في تلك النقطة حتى حضور مجموعة اخرى من الخلف لتتقدم هي للامام ولكن لم تأت ولم نعرف الاسباب تلك الفترة .. ولكنا مكثنا لايام معدودة وبالطبع الكل منشغل بعمله او باعداد طعامه .. وفي يوم ونحن جلوس في منطقة الشؤون الادارية واذ بزميل سائق في الشؤون الادارية اعد الشاي وجهز بعض المعلبات وقام بتسخينها وناداني لتناول الطعام معه .. فجلس على حافة الحفرة التي كانت اكبر من حفر الافراد كثيرا فجلست على حافة الحفرة واذ بزميل اخر حضر لتناول الشاى وبعض الاطعمة وكان الليل يطل علينا بعد وقت الغروب .. هذا الصديق والزميل والمقاتل قال لي يا عم انزل معاهم في الحفرة .. لكي يجلس هو مكاني على حافة الحفرة .. واذ بطلقات مدافع العدو تنهمر على الموقع وكنا لا نبالي لها بعدما تأكد لنا انها دائما لا تصيب اي هدف .. وبينما نحن جلوس في الحفرة اذ بزميلي الذي اخذ موقعي يسقط من على حافة الحفرة داخل الحفرة وكوز الشاي في يده (كنا نشرب الشاي في علب الطعام التي حولناها الى كبايات) فأصبحت تشبه كوز زير المياه في بيوتنا في الارياف ولكن بدون يد.
قلت له بعدما انسكب الشاي على ملابسي : ايه يا سيدي وده وقت الهزار نيلت الاوفورول .. ولكنه لم يتحرك وعندما رفعنا رأسه وجدناها ثقيلة وكأنه في سبات عميق .. فرفعناه خارج الحفرة واذ بشظية من مدافع العدو التي اطلقتها عليها مدافع الكرنب كما اطلقنا عليها لان صوتها الفظيع كان يأتينا وكأنها يقول كرررررونب طاخ كانت تلك الشظية اخترقت ظهره من جهة القلب.
استشهد زميلينا وقمنا بدفنه في حفرة في نفس الموقع..
وعندما علم قائدنا بما حدث وبعد ان اوقع اللوم علينا لاننا لم نسكن حفرنا كما تعلمنا .. ونظر الى قائلا يا جندي محمد عمرك طويل وزميلك فداك .. نريدك ان تأخذ بطاره وبطار كل شهيد سقط في هذه المعركة.
وانا في حيرة مما حدث لزميلي الشهيد الذي استشهد نيابة عني .. وأيضا كنا في انتظار تعليمات جديدة بالتحرك او المكوث ليلة اخرى في نفس الموقع .. فوجئنا بالقائد يخرج علينا من غرفة العمليات التي تم تشييدها في الموقع وعادة ما تكون في مثل حجرة صالة في منازلنا وبها الخرائط وتليفونات الاتصال بالقوات الامامية سواء كتائب المشاة او الاستطلاع وكذلك كتائب المدفعية .. اذ به يفاجئنا بالقول هناك فوج دبابات اسرائيلية قادم نحونا ولن نستطيع التعامل معه الا بأنفسنا ـ يعني انه ليس معنا اية قوات سوانا ـ فيجب على كل منا ان يحاول بالقنابل اليدوية التي معه التمكن من القائها في فوهة الدبابة وتدمير اكبر عدد منهم قبل ان نستشهد جميعا .. وربنا يقويكم يا أبطال.
بالفعل رأينا من على بعد اكثر من 7 دبابات قادمة باتجاهنا ونحن نستعد بالقيام بواجبنا في محاولة تدميرها بالقنابل اليدوية واذ نشاهد دبابة تشتغل امامنا ثم الثانية ثم الثالثة وبدا لنا المشهد وكأنك في حقل صيد والصيادين يقومون باصطياد الغزلان او حتى الارانب .. خرجنا من حفرنا البرميلية المموهة والتي اعددناها للانطلاق منها بعد مرور الدبابات ولو حتى على رؤوسنا ونقوم بتدميرها .. خرجنا فرحين مهللين خصوصا بعدما شاهدنا العدد الباقي من الدبابات فر هاربا .. حتى وهم يحاولون الهروب كانت تشتعل فيها النيران وبينما نحن نجري باتجاهها لاسر من هربوا من الدبابات اذ بنا امام شباب يختبئون خلف ساتر ترابي ومعهم قاعدة عليها صاروخ جديد مضاد للدبابات يتقعب الدبابة بعد اطلاقه ولابد من ان يدمرها لأنه يتتبعها ولا يتوقف الا بعد الاصطدام بها .. وهي كانت صواريخ روسية جديدة تجرب لأول مرة في هذه المعركة وفكرتها هي أن يقوم الجنود العاملين عليها بتوجيه الصاروخ بفكرة تحريك العرائس المارونيت..
بعدما تم تدمير الدبابات تماما وتم اسر العشرات من جنود العدو رحنا نعانق جنود الصواريخ وهنا تعرفنا على صائد الدبابات محمد عبد العاطي اشهر صائد دبابات في التاريخ.
الى هنا اكتفي بهذا القدر من ذكرى حرب الايام الاولى من حرب اكتوبر .
والى لقاء اخر ان شاء الله
جندي محمد متولي فضل من قوات اللواء 62 مدفعية القطاع الاوسط في سيناء
30 نوفمبر 2017
من 7 الى 10 اكتوبر 1973

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: