منصور البنهاوي ييكتب …. ” العالم الداخلي والعالم الخارجي في بنية السرد ، نجيب محفوظ نموذجا “

من المعروف أن حياة الإنسان تتوزع بين عالمه الخارجي وعالمه الداخلي ، بين الحقيقة الخارجية والحقيقة الداخلية ، وأن الشخصية الروائية لابد أن تكتسب أبعادها الخارجية والداخلية لتكتسب أعماقها الإنسانية .
ومنذ أن بدأت كتابة القصة في مصر بدأ ” نجيب محفوظ ” يحاول استكشاف الأعماق الداخلية لشخصياته ، غير أن هذه المحاولة لاستكشاف النفس البشرية بقيت محدودة بحدود ضيقة وجزئية ، ولم يكتب لها النجاح إلا في النادر .
وجاءت القصة المصرية والتوازن فيها معدوم والحقيقة الخارجية تغلب على الحقيقة الداخلية التي تتسلل ما بين الحين والحين لتظهر على السطح ، ثم تنحسر بعد قليل لتطغى عليها من جديد الحقيقة الخارجية .
حتى إنه في تلك الفترات التي تتسلل فيها الحقيقة الداخلية إلى السطح تبدو مهزومة ، مفتقدة عنصر الإقناع ؛ إذ إن نجيب محفوظ يستخدم لتتبع الحقيقة الداخلية نفس طريقة السرد التقليدية التي يستخدمها في تتبع الحقيقة الخارجية .
ونجد ” نجيب محفوظ ” قد استخدم ( المونولوج الداخلي ) لتتبع شعور الشخصية قد استخدمه على حالات نادرة ، وجاء هذا الاستخدام على استحياء ، وقد حرص على أن يطغيه حتى يبدو في ثوب السرد التقليدي ، اعتقادا منه بأن استخدام المونولوج الداخلي إذا استخدمه كما يجب قد يصدم القاريء العادي غير المدرب المتمرس في القصة وذو إقبال عليها وشغف إليها ومداومة على قراءتها . وفي هذا الصدد نجد الدكتور الناقد ” إبراهيم فتحي ” في كتابه ( العالم الروائي عند نجيب محفوظ ) وهو يتحدث عن رواية ” ثرثرة فوق النيل ” يقول :
” وقد لا تكون لتلك الأوصاف وظيفة تعبيرية حقيقية ، فالرواية حافلة بإضفاء مشاعر ذاتية على الأشياء بل إن المعلومات التاريخية للرواية والسطور المطبوعة في كتب المكتبة على ظهر العوامة تقفز بوصفها دلالات وانطباعات حسية كالصراصير ، وتشكل جزءا منهما من ” معنى ” الأحداث . وقد تكون الوسيلة الجديدة ، كما هو الحال عند ” ناتالي ساروت ” ، تقديم الانتحاءات النفسية المنفصلة باقتطاع شريحة من الإحساس باعتبارها كتلة من الذوات النفسية المتداخلة في نسيج متصل مرتعش الخيوط ومحاولة تصوير أدق الاختلاجات في ذلك المجال من الومضات والبقع ….”
ونجد ” نجيب محفوظ ” يستخدم أوكسترا متعددة الأصوات في رواية ” ميرامار ” لينقل تشابك الخيوط التاريخية وتقاطعها في فترة الانتقال . ومن ثم فإننا نرى كل جزء في القصص الأربع التي تبدو منفصلة مرتبطا بالأجزاء المقابلة في القصص الأخرى ويستمد منها كيانه ومعناه ، وتعمق كل النغمات المتقابلة اللحن الرئيسي وتلتقي زوايا الرؤية المختلفة في بؤرة محددة ، أي في تصوير للواقع وانفعال به واستجابة لأحداث أكثر ثراء مما تستطيعه أية شخصية واحدة .
فقد اختيرت الشخصيات الأربع بحيث يمكن أن نستخلص من تقابلها معنى موحدا يكمن وراء تنوعات حياتها المنفصلة . لكن الرواية تغفل في الكثير من الأحيان مفاجأة شخصياتها أثناء المواقف الحاسمة التي يتخذون فيها قراراتهم حينما يواجهون في الحاضر أوفي الماضي اختيار بين مسارات مختلفة وحينما يذعنون للهواتف الداخلية العميقة ويتسع نطاق وعيهم بالمأزق الذي يحاصرهم فيشرق عليهم وضوح مدير يلقي ضوءاً على الروابط الداخلية بين المصير الفردي والقضايا العامة . إنها تكتفي بذكر ما حدث كموجات في تيار الشعور وقد أدى ذلك إلى أن البناء الروائي لم تقم له قائمة إلا اعتمادا على حيلة لا تبرير لها فقد ظهر علينا ” عمر وجدي ” بتقديم مذكراته دفعة واحدة وأخفى جزءاً وراء ظهره حتى فرغ الرواة الآخرون . ورواية ” الشحاذ ” حافلة بأمثلة من ذلك الاتجاه وخصوصاً حينما يرى البطل بعيونه الغمضة في اللحظة الفاتنة عالماً تشرق فيه كل الأشياء بنور داخلي دون مراعاة دقيقة للوظيفة كذلك ، فهو يعطي الركام العرضي من الانطباعات تحديدات خارجية قاطعة . وقد تصلح هذه الاتجاهات الجديدة كأدوات معملية لامتحان الأساليب بشرط ألا يصبح المعمل التجريبي الروائي بديلا للعالم .
ولكننا نجد ” نجيب محفوظ ” يكتب رواية ” اللص والكلاب ” وقد اكتشف أن مادته تحتم عليه الاهتمام بالحقيقة الداخلية للشخصية ، وليس ذلك فحسب بل إن هذه الحقيقة هي الحقيقة التي يجب أن تنعكس من خلالها كل الأحداث والحقائق الخارجية ، وأن عليه أن يتتبع شعور الشخصية ، وأن يصور من خلال هذا الشعور ومجراه كل الأحداث الخارجية .
وقد استخدم طوال الرواية التكنيك الذي يخدم هذا الهدف ، وأتاح هذا الاستخدام الجديد لديه إحداث شيئًا من التوازن المطلوب بين الحقيقة الخارجية والحقيقة الداخلية ، ربما لأول مرة في تاريخ الرواية المصرية .
وألوان التكنيك هذه التي تتبع مجرى الشعور ليست بجديدة على الرواية الأوربية ، أي أن ” نجيب محفوظ ” ليس صاحب السبق في هذا ؛ فقد استخدم هذا الكنيك استخدامًا جزئيًا في الرواية المصرية ، وإنما الجديد أن ” نجيب محفوظ ” قد عمم استخدام هذه الفكرة بحيث بدت روايته وكأنها إحدى روايات مجرى الشعور.
وهو في هذا لم ينح منحى ” جويس ” (Games Goyce) أو ” فرجينيا وولف ” (Virginia Woolf) ، فيغلب الحقيقة الداخلية على الحقيقة الخارجية ، بحيث تتضاءل الأخيرة إلى جانب الأولى وتكاد تختفي . ولكن ” نجيب محفوظ ” حاول تحقيق التوازن بين الجانبين ، وهذا التوازن الذي أعاده إلى الرواية الأوربية ” ويليم فوكنر ” (William Faulkner) .
ويأتي سؤال هنا وهو ” كيف حقق نجيب محفوظ هذا التوازن بين الحقيقة الداخلية والحقيقة الخارجية في هذه الرواية تحديداً ( اللص والكلاب )؟ ، إن الرواية تحتوي على جانب كبير من السرد والحوار التقليدي ، ومن الأحداث الخارجية أيضاً فـ ” سعيد مهران ” يعيش خلال الفترة الزمنية للرواية حياته الخارجية كاملة ، وهو يخرج من السجن ويقتل أكثر من شخص ويهرب من البوليس ، ثم يلقى مصرعه في النهاية . فالرواية لا تنقصها الأحداث الخارجية ومعناها لأنها تنعكس خلال شعور الشخصية الرئيسية ، وكأن الحدث بأكمله يحدث في شعور واحد هو شعور ” سعيد مهران ” ، ذلك المشتت أحياناً ، المطارد ، القاتل في أحيان أخرى .
لكن التركيز على شعور ” سعيد مهران ” نظرة موحدة ، بل هي في الفعل تبدو وكأنها موحدة ، وهذا يفسر الإحساس الموحد الذي تتركه الرواية في القارىء ، ولكن هذه النظرة لا تفسر الإحساس بأن الحدث بأكمله يقع داخل وعي ” سعيد مهران ” ، فهو يستطيع أن يكون الراوي ويحكي هو قصته دون أن يترك داخلنا ذلك الشعور ؛ ويرجع ذلك إلى تتبعه لمجرى الشعور تتبعاً يغلب على تتبعه للأحداث الخارجية ، وهذه الأحداث الخارجية ذاتها تلون وتتلون بمجرى شعور الشخصية الرئيسية.
وقد تتبع ” نجيب محفوظ ” مجرى شعور ” سعيد مهران ” إلى الحد الذي أصبح فيه هذا التتبع هو القاعدة التي يتعود عليها المتلقي ، وحين يخرج عنها الكاتب ينتظر – هذا المتلقي – منه أن يعود إليها ، وحين يفعل يتقبل المتلقي هذه العودة لأنه كان ينتظرها ؛ لأنها القاعدة ومن ثم فهذا القارىء أو المتلقي ليس بحاجة إلى إرشاد جديد من جانب الكاتب ينبهه إلى أنه قد عاد إلى تتبع مجرى شعور هذه الشخصية مرة أخرى.
ونحن نستطيع بالقياس أن نتبين أن التوازن الكائن بين العقل ( أو الروح ) مع البدن في النفس الواحدة ، هو نظير – أو ند- للتوازن الكائن بين الطاقة والمادة داخل الكون المحدود ( الذرة ) أو في الكون الوسيط ( الإنسان ) أو في الكون الفسيح بمكوناته من الكواكب أو النجوم أو المجموعات الشمسية أو المجرات أو الثقوب السوداء وغيرها . وإن اختل هذا التوازن انهدمت الوحدة ..وقامت القيامة !.
وقد أورد ” لنكولن بارنت ” في كتابه ” العالم وآينشتين ” خلاصة ما وصل إليه العلماء والفلاسفة في شأن هذه العلاقة الجوهرية على النحو التالي :
( لما كان كل جسم عبارة عن مجموعة من صفات . وحيث إن الصفات يدركها العقل . فإن كل الكون الموضوعي المكون من مادة وطاقة وذرات ونجوم لا توجد إلا نتيجة لشعورنا وإدراكنا . أي أنه عبارة عن صرح من الرموز الاصطلاحية تشكله حواس الإنسان ).
وكما قال ” بيركلي ” عدو المادة اللدود : ” إن أنغام الكون وكل ما يؤسس هذه الأرض وبالجملة فإن كل هذه الأجسام التي تكون الإطار العظيم للدنيا ليس لها مادة إلا في عقلنا … وطالما لا يمكنني إدراكها بنفسي ولا توجد في عقلي فإنها إما أنها لا توجد إطلاقاً أو أنها توجد في عقل روحيّ أبديّ ” .
ثم قوله .. ” ولأننا نعلم أن جميع معلوماتنا عن الكون إنما هو أثر من آثار حواسنا الناقصة فإن مطلبنا للحقيقة يبدو عسيراً لا أمل فيه ” صــــ24ــــ .
كان ذلك طبقا للمعلومات التي كانت متوافرة منذ خمسين عاماً والتي اختلفت الآن بالاكتشافات الحديثة للدكتور ( أحمد زويل ) وغيره من العلماء في علوم الطاقة والمادة والزمن .. أي أن الزمن نتيجة تالية للوجود ثم للحوادث بين الموجودات .. وعلى ذلك فإننا إذا توصلنا إلى أصغر حادثة في الوجود وقد تكون داخل الكون الصغير ” الذرة ” .. فإننا بالتالي نستطيع – إذا ابتكرنا الوسيلة- أن نقيس ” زمن ” تلك الحادثة ليكون هو ” المعيار ” . فعلى حد قول ” أحمد زويل ” أننا إذا استطعنا أن نعرف لتلك الحادثة الابتدائية مراحل دورية من البداية إلى النهاية ؛ مما يدل إلى أن الحقيقة غاية عسيرة .. ولكنها غير مستحيلة ، وتلك هي وحدة الخالق والخلق ؛ إذن فلابد من وجود وحدة بين الحقيقة الداخلية والحقيقة الخارجية حتى نصل إلى أعمق تفسير لدواخل الكاتب ، والإلمام بشعور الشخصية التي يتتبعها هذا الكاتب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.