الخميس , يناير 28 2021

الفصل38 الغير منشور فى معظم نسخ مذكرات حرب اكتوبر…..الخاص بدفاع الفريق سعد الدين الشاذلي عن نفسه ضد أتهامات السادات له بإفشاء أسرار عسكريه

لم أفش أي أسرار عسكرية:
إن اتهامي أمام محكمة عسكرية بأنني أفشيت أسرارا عسكرية في كتابي الذي نشرته عن حرب اكتوبر سنة 1979. هو اتهام باطل لا يستند إلى أي دليل. أني أتحدى من يدعي بغير ذلك أن يذكر معلومة محددة يعتقد انها- من وجهة نظره- تعتبر معلومة عسكرية سرية.
لقد جاء في تعليق مدير إدارة القضاء العسكري الذي نشر في مجلة المجلة بتاريخ 24 أكـتوبر 93 “أن الفريق الشـاذلي بصفته العسكريـة كرئيس للأركان قد أفشى أسرارا عن اسلحة ومعدات وخطط ومعلومات عن تشكيلات وتحركات وافراد وعتاد واستراتيجيات وتكتيكات القوات المسلحة المصرية. وذلك من خلال ما كتبه في الخارج من مقالات نشرت في مجلة الوطن العربي بالإضافة إلى كتـاب صدر في باريس تحت عنوان حـرب اكتوبر، دون إذن خطي من السلطات العسكرية المختصة كـما يوجب القانون ” وأرى أن الجملة الوحيـدة الصـادقة في كل هذا التصريح هي أنني لم احصل على تصريح كتابي من وزارة الدفاع بنشر كتـابي عن حرب اكتوبر. أما كل مـا جاء على لسان مدير إدارة القضاء العسكري من اتهامات اخرى فهي ادعاءات باطلة لا تستند إلى أي دليل.
نعم لم أطلب تصـريحـا من وزارة الدفاع لأني أرى أن أي قرار أو قانون يفرض على الأشخاص ضرورة الحصول على إذن مسبق من القيادة العامة للقوات المسلحة، قبل إجراء أي حديث أو قبل نشره هو إجـراء غير دستوري ويتعارض مع مبدأ حرية الرأي التي كفلها الدستور لكافة المواطنين. وان كل مـا تستطيع السلطة التنفيذية عمله- إذا افترضنـا احترامها للدستور- هو أن ترفع الدعوى ضد من تعتقد أنه أفشى اسرارا عسكريـة. ثم يترك الأمر بعد ذلك للقضاء للفصل في الدعوى.
نعم لم اطلب تصـريحا من وزير الحـربية لأنني على قناعة بأني لست اقل منه علما أو وطنية عند تقييمي لما اكتب، من حيث أن ما اكتبه يمكن أن يستفيد منه العدو في تهديد أمن وسلامة وطني. وإذا علمنا بالكـم الهائل من المقالات والكتب التي يتحتم عرضها على وزارة الحربيـة لاحتوائها على موضوعات عسكرية. وان الوزير وكـبار معاونيه لا يستطيـعون مراجعة كل هذه المقالات والكتب. وان الأمور عادة ما تنتهي بإحالة هذه الكتب والمقالات إلى ضباط ينقصهم العلم والخبرة، اتضـحت لنا خطورة النتائج التي يمكن أن تسفـر عنها مثل هذه الرقابة. والتي عادة ما تتمسك بالشكل دون المضمون. والتي قد تخضع احيانا لعوامل شخصية وتصفية حسابات قديمة. أو قد تتأثر بموقف انتهازي من الضابط الرقيب إذا شعر أن رفضه التصـريح بنشر كـتاب لمؤلف مـا، قد يرضى رئيسه، نظرا لما يعلمه من وجود خلافات سابقة بين المؤلف وبين رئيس الضابط الرقيب.
نعم رفضت طلب التصريح بالنشر من وزير الحربيـة، لأن كتابي عن حرب أكـتوبر كان مليئا بالنقد اللاذع لرئيس الجمهورية ولوزير الحربية. ولأنـني طالبت في هذا الكتاب بإلغاء منصب القائد العام للقوات المسلحة، وإبعاد وزير الحربية عن القرارات العسكرية.
نعم كنت ومازلت أطالب من أجل مصر بان يصبح رئيس الأركان هو الرجل العسكري الأول، وبأن يصبح وزير الحربية شخصية سياسية تختص فقط باتخاذ القرار السياسي وتحديد الهدف الاستراتيجي دون التدخل في أسلوب التنفيذ. ولم يكن من المعقول أن يوافق وزير الحربية على التصريح بنشر كتابي إذا أنا طلبت منه ذلك (راجع الفصل السابع عشر).
ولو أننا أخذنا بما جاء على لسان مدير إدارة القضاء العسكري عن مفهومه الفضفاض للأسرار العسكرية (تكتيكات، استراتيجيات، تحركات، أسلحة ومعدات، خطط تم تنفيذها) لأصبح الزاما علينا أن نوقف إصـدار مجلة الدفاع وأي مجلة عسكرية أخـرى تصدرها أفرع القوات المسلحـة الرئيسية واسلحة الجـيش المختلفة، وألا نتحـدث في الصحف عن المناورات العسكرية التي تقوم بها قواتنا، وألا نقبل في مـعاهدنا العسكرية طلبة أجانب حتى لا يدرسوا ما لدينا من تكتيكات واستراتيجيـات.. الخ، وأن نمنع المجلات العالميـة التي تعالج الشـئون العسكرية من دخول مصر.. والتي من ضمنها الكتب التي يصدرها المعهد الدولي للدراسات ألاستراتيجية THE INTERNATIONAL INSTITUTE FOR STRATEGIC STUDIES (IISS والكتب التي يصدرها SLPRI … والكتب التي تصدرها JANES .. حيث أن هذه الكتب تتحـدث عن حجم وتنظيم الوحدات والتشكيـلات ومواصفات الأسلحة والمعدات وكل ما جـاء على لسان مدير إدارة القضاء العسكري على أنه من الأسرار، ولأصبح الزاما علينا أن نمنع اقمار التـجسس التي تعبر فضـاءنا الجوي في كل يوم وتقوم برصد كل تحـركاتنا العسكرية، أو على اقل تقدير نحتج على مرورها.
الأسرار في عصر الأقمار الصناعية:
لقد لعبت اقمار التجسس دورا مهما في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، سواء من ناحية مراقبة كل من الولايات المتحدة والاتحـاد السوفيتي لبعضهما البـعض، أما من ناحية تزويد بعض الدول الصـديقة لأي منهما بالمعلومات التي تفيدها في صراعها ضـد الدول الأخرى المعادية. يقول المستر كيسىCASEY مدير وكالة المخابرات الأمريكية الأسبق C.I.A “من الصور التي تلتقطها أقمارنا الصناعية، نستطيع أن تعد جميع الدبابات السـوفيتية. وبتكرار التصـوير على فترات، نستطيع أن نعرف إذا ما كـانت هذه الدبابات صـالحـة للاستخدام من عدمه. وتستطيع وسائل الإنذار المبكر أن تسجل أي تحركات تقوم بها القوات السوفيتية، أو أي مشروع دفاعي كبير يكون في مرحلة التطوير صفحة رقم 221 من كتاب THE SECRET WARS OF THE CIA للكاتب الصحـفي بوب ودورد BOB WOODWARD النسخة الإنجليزية، الطبعة الأولى 1987).
ويقول المستر جون Mr John Lehman -الذي كان يشغل منصب وزير الحربية في إدارة الرئيس الأمريكي ريجان مابين 81-1987- “إن الولايات المتحدة زودت بريطانيا بمعلومات مهمة خلال حرب الفولكلاند عام 1982، وإن هذه المعلومات كانت بطريقة سرية، وكانت خافية حتى على كثير من كـبار المسئولين في الإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية، وانه بدون هذه المساعدة ما كان باستطاعة بريطانيا أن تنتصر في هذه الحرب. بل إن بعضا من كبار المسئولين البريطانيين الذين كانوا على علم بتلك المعلومات التي قدمتها إليهم أمريكا – ويشاركهم في ذلك ليمان نفسه- يعتـقدون أن بريطانيا كانت ستهزم في تلك الحرب لو لم تحصل على تلك المعلومات ” مذكرات ليمان صحيفة الجارديان بتاريخ 4/1/89).
وعن القمر الصناعي KH-11 ، يقول كيسى “أطلق أول قمر من هذا النوع في ديسمـبر1976، فكان ذلك اهم انجازات السبعينيات في هذا المجال. فقد كان في استطاعة هذا القمر أن يرسل إلى الأرض ما يلتقطه من صور باشارات تلفزيونية فور تصويرها. وكان ذلك على عكس الجيل السابق من الأقمار الصناعية التي كانت تقوم بقذف الأفلام إلى الأرض بعد استكمال التصوير، حيث كان التقاط هذه الأفلام وتفريغها ثم توزيعها على الجهات المعنية يحتاج إلى الكثير من الوقت الذي قد تصبح فيه هذه المعلومات غير حديثة. أما بواسطة القمر الصناعي KH-11 فإنه اصبح في استطاعتنا في وكالة المخابرات والبنتاجون (وزارة الدفاع الأمريكية) والقادة الميدانيين أن يشاهدوا حركة الدبابات السوفيتية فور حدوثها.
كان القمر الصناعيElectro Optical Kh -11 Imaging Satellite يعتمد على التصوير. وكان ذلك يعني عدم قدرته على إرسال الصور الواضحة في الليل في الأيام الغائمة، ثم ظهر بعد ذلك الجيل المتطور من هذه الأقمار التي تستطيع التصوير ليلا، وذلك بتكثيف ضوء النجوم، ثم ظهر الجيل الثالث من الأقمار الصناعية الذي يعتمد على التصوير الراداري، حيث إن الإشـارات الرادارية لا تتاثر بالظلام والسحب. وهكذا ظهر مشـروع قمر لاكروس وقد وضع اول قمر لاكروس Lacrosse في الفضـاء يوم 3 ديسمبر1988. (ص 30 من المرجع السابق).
وعندما اسقط الاتحاد السـوفيتي طائرة الركاب الكورية التي انتهكت الأجواء السوفيتية اثناء رحلتها رقم 7.. في ليلة 31 اغسطس أول سبتمبر 1983على أساس أنها كانت تقوم برحلة تجسسية لحساب امريكـا سخر الخبراء الأمريكيـون من هذا الادعاء وقالوا إن الصور التي تلتقطها اقمارهم من ارتفاع 160 كيلومترا، اظهرت أحد الأشـخاص وهو يقرأ صحيفة برافدا في أحد شوارع مدينة تقع في شمال الاتحاد السوفيتي. وقالوا إن عنوان الصـحيفة كـان ظاهرا ويمكن قراءته من الصورة (نيويورك تايمز، هيرالد تربيون 12/9/83).
وفي لقاء مع عدد من طلاب الجامـعات المصرية في افتتاح إسبوع أنشطة الجامعات في الإسماعيلية، قال الرئيس حسني مبارك “إن المناورات المشتركة مع امريكا لا تضيف شيئا إلى معلومات امريكا عن قواتنا المسلحة. ذلك انهم يعلمون كل شيء عنا، فهم يبيعون لنا السلاح وقطع الغيـار. كما أنهم يمتلكون أجهزة دقيقة للتصـوير والتجسس تمكنهم من معرفة أدق الأسرار. وقد ابلغوا الحكومة المصرية مؤخرا أن هناك 60 جنديا مصـريا على الحدود مع إسرائيل زيادة على اتفاقية كامب ديفيد” (مجلة المستقبل 29 من سبتمبر 1987).
ويعتقد أن الولايات المتحدة كانت اكثر تقدما من الاتحاد السوفيتي في مجال الاستطلاع بالأقمار الصناعية. ولكن الاتحاد السوفيتي لحق بها في منتصف السـتينيات وقد علم الأمريكان بذلك عندما لفت السوفيت نظرهم بأنهم قاموا بتمويه مرابض صواريخ مينيتمانMiinuteman في منطقة مونتـانا، وان ذلك يتعارض مع معاهدة سولت-1 ، وقد أنكر المفاوضون الأمريكيون هذا الاتهام اول الأمر. ولكنهم اكتشفوا بعد ذلك أن الفنيين قد قاموا بتغطية هذه المرابض و حمايتها من الصقيع عندما هبطت الحرارة إلى درجة الصفر. وبعد أن علم المفاوضون الأمريكيون بذلك أمروا برفع هذه الأغطية واعتذروا للسوفيت. ولكن هذا الحـادث أكد لهم أن الاتحـاد السوفيتي لابد أن يكون قد أحرز تقدما كـبيرا في مجـال الاستطلاع بالأقمار الصناعية.
وفي خلال حرب اكـتوبر 73، استخدم الإسرائيليون الصور التي كانت اقمار التجسس العسكرية الأمريكية تلتـقطها لمدينة السويس. فعرفوا منها الشوارع التي كـانت تخلو من القوات المصـرية والشعبيـة. وبناء على هذه المعلومات أخذت قيـادة الجـبهة الجنوبيـة (الإسرائيلية) توجه القوات الإسرائيلية التي كانت محاصـرة في مكتب شرطة السويس للإفلات خلال ليلة 24/ 25 أكتوبر.
يقول السادات في الصفحة رقم 375 من كتابه “البحث عن الذات” وهو يتحدث عن حرب 1967، ما يلي “كان جونسون (الرئيس الأمريكي) يسـتحث الإسـرائيليين على المبـادرة بالهجـوم على سيناء، بعد ان قدم لهم صور القمر الصناعي الأمريكي عن أوضـاع القوات المصرية في سيناء سـاعة بعد ساعة”، وعندمـا كان السادات يتحدث عن حـرب اكتوبر 73، فإنه قال في الصفحة 346 من نفس المرجع السـابق ما يلي “ولكن القمر الصناعي الأمريكي والبنتاجون كـانوا يوافون إسرائيل بالموقف ساعة بعـد ساعة دون أن تطلب ذلك. وأخبرهم بنقل الفرقة 21 المدرعة من الغرب إلى الشرق” .
ومرة أخرى يكتب السادات في الصفحة رقم 387 من كتابه “البحث عن الذات” عن لقائه مع وزير الخـارجيـة الأمريكي (كان هذا اللقاء يوم 7 نوفمبـر 73) ومطالبته بضـرورة انسحـاب إسرائيل إلى خط 22 أكـتوبر، فـيقول ما يلي “خط 22 أكتوبر سنة 1973 وهو الخط الذي كـان قـائما وقت وقف إطلاق النار، وتعرفه امريكا وروسـيـا بأقمارهما الصناعية”. كان هذا يعني اعترافا صريحا آخر من رئيس الجمهورية بقـدرة الأقمار الصناعية في اكتشاف وتوزيع مواقع القوات المتحاربة.
بعد هذا العرض لإمكانات الأقمار الصناعية. وبعد اعتراف السادات بان امريكا كانت تمد إسرائيل بكل المعلومات التي كانت تحصل عليها عن تحركـات قواتنـا بواسطة اقمارها الصناعية. فهل يمكن لعاقل أن يتصور أن المخابرات الإسرائيلية كانت في حـاجة ماسة إلى معرفة تحركات قواتنا من كتاب الفريق الشاذلي وبعد أن كان قد مضى أكثر من 5 سنوات على تلك الحرب.
العلم العسكري والسر العسكري
الحرب علم وفن، والمكتبـات العـامة تزدحم بمئات الكتب والمجلات التي تعالج الحـرب بجـميع فروعها. ولعل اقدم هذه الكتب- والذي مازال يدرس في الكثير من الأكاديميات العسكرية- هو كتاب “فن الحرب الذي ألفه الصيني Sun Tzu عام 500 قبل الميلاد أما أحدثها فهو الكتاب الذي نشره الجنرال شوارتزكوف عام 1992 عن الحرب التي قادها ضد العراق عام 90/91. وبين هذين الكتابـين صدرت الاف الكتب التـي تتحـدث عن التكتيك، والاستراتيجية، والتحركات، ومبادىء الحـرب والتنظيم، والخسائر البشرية والمادية لكل حرب، والخلافات بين القيادات السياسية والقيادات العسكرية، الخ. ولم يقل أحد قط- إلا في مصر وفي حـالة الفريق الشاذلي بالذات- إن ما ورد في هذه الكتب يعتبر افشاء للأسرار العسكرية!!
وبهذه المناسبة نذكر بما قاله الرئيس حسني مبارك يوم 12/8/92 في أثـناء توديعه للقوة المصـرية المسافرة إلى سراييفو. فقد قال “إن حرب اكـتوبر تدرس الآن في جـميع المعاهد العسكرية وغير العسكرية”. وانه لفخر لمصر أن تقوم كلية القيادة والأركان الأمريكية بتدريس حرب اكتوبر لطلبتها. وهنا علينا أن نتساءل: من اين حصلت امريكا على المعلومات التي تقوم بتدريسها للطلبة العسكريين. إن كان المرجع هو كتاب الفريق الشـاذلي فهذا فخر للعسكرية المصـرية. إذ يصبح أحد ابنائهـا صاحب كتـاب يصل به إلى العالمية. أما إذا كانت المعلومـات التي تدرس في الأكاديميات العسكرية الأمريكية مصدرها شىء آخـر، فإن هذا يعني ويؤكد أن امريكا حصلت على هذه المعلومات- إذا افترضـنا سريتها- من مصادر أخرى. وبذلك تلقي التهمة المنسوبة إلى الفريق الشاذلي فيما يتعلق بافشاء اسرار عسكرية. وبالإضـافة إلى الكتب العسكرية فهنـاك مئـات المجلات العسكرية التي تصدر بطريقة دورية. بعضها يصدر اسبوعيا وبعضها يصدر شهريا أو سنويا. ولعل أشهر هذه المجلات على المستوى العالمي هي تلك التي تصدر عن الجهات التالية:
(أ) معهد الدراسات الاستراتيجية الدولي International Institute for Strategic Studies
(ب) المعهد الملكي للأسلحة المشتركة لشئون الدفاع Royal United Services for Defence Studies
(ج) مؤسسة جينز Janes
وعن طريق هذه المطبوعات يمكن معرفة ميزانية الدفاع في كل دولة. وما تمتلكه كل دولة من قوات مسلحـة. ويشمل ذلك: عدد الأفراد، وعدد الأسلحة الرئيسية، واسلوب تنظيم هذه الأسلحة في تشكيـلات، ومواصفات وخصائص كل سـلاح ومعدة. كـما تتضـمن دراسات وبحوثا عن المشاكل التكتيكية والاستراتيجية الحاضرة والمستقبلية.
إن تطور أجهزة الرصـد وتنوعها وإقدام الدول الغربية على نشر المعلومات الوفيرة عما تملكه من اسلحة وعما يملكه الآخرين من اسلحة وعتاد، قد جعل كافة الدول عارية تماما من كل سر يتعلق بالقدرات القتالية، و اصبـحت كل دولة على معرفة تامة بما تملكه جاراتها من اسلحة وقدرات قتالية، وأصبح على كل طرف أن يبني خططه على أساس أن عدوه المحتمل يعلم عنه كل شيء فيما عدا النوايا التي يخفيها في صدره ومع أن هذه النوايا يمكن تخمينها بواسطة القادة العسكريين في الطرف الآخر، إلا أنها- مع ذلك- تبقى هي السر الوحيد الباقي إلى أن تبدأ العمليات الحربية، وبمجرد بدء العمليات وتنفيذ النوايا على أرض المعركة تصبح الحرب تاريخا وتصبح خططها جزءاً من هذا التاريخ. وعلى هذا الأساس خططنا لحرب أكتوبر، حيث كنا على علم عن إسرائيل كل شىء. وكنا نفترض طبعا اتها تعلم عنا كل شيء. وكما يقول السادات في الصفحة رقم 333 من كتابه “البحث عن الذات”:”كانت كل من مصر وإسرائيل تمتلك من أساليب الحرب الالكترونية ما يمكنها من رصد كل ما يحدث على الجانب الآخر”.
كانت خططنا للعبور وتدمير خط بارليف هي الشيء الوحيد الذي نحرص على إخـفائه وبنجاح خطة العبور والمام إسرائيل بها فقدت الخطة سريتها.
لمن يكون الولاء؟
نعم لمن يكون الولاء للشـعب والدولة؟ أم للحكم والحكومة؟ الإجابة عن هذا السؤال قد حُسمت في الأنظمة الديموقراطية. فالشعب هو الذي يختار الحاكم والحكومة دون تدخل من الحكومة التي تشرف على الانتخابات والشعب هو الذي يحدد اخـتصاصـات الحـاكم والحكومة، وهو الذي يسقطهم إذا وجـد منهم انحـرافا عن الحدود والاختصاصـات التي رسمها لهم. ولذلك فإن الولاء الأول يكون للشعب. أما ولاء الشخص للحاكم والحكومة فهو ولاء مشروط وهذه الشروط هو ألا يتعارض هذا الولاء مع ولائه للشعب. وفي بريطانيا التي تعتبر أعرق الديمقراطيات في العالم المعاصر، تأكد هذا المفهوم من خـلال قضية Ponting عام 85 وقضية Wright عام 1987.
أما القضية الأولى فقد كانت تتعلق بموقف حكومـة المسز تاتشر من إخفاءها بعض المعلومات التي تتعلق بحرب الفولكلاند التي جرت بين بريطانيا والأرجنتين عام 1982. فقد أدلت حكومـة تاتشر أمام مجلس العموم البريطاني بان الغواصة البريطانية كـونكيرور Conqueror أغرقت البارجة الأرجنتينية بلجرانو يوم 2 مايو 82، لأنها كانت تشكل خطورة على أمن وسلامة الأسطول البريطاني في المنطقة. وانه عندما صدر القرار السياسي بأغراق البارجة الأرجنتينية لم تكن مسز تاتشر قد علمت بعد بمشروع الاتفاق الذي تقدمت به دولة بيرو لحل النزاع بين بريطانيا والأرجنتين. ولكن المستر بونتنج- الذي كان يشغل منصـبا كبيرا في وزارة الدفـاع- سرب إلى حزب العمل المعارض للحكومة وثيقة تؤكد أن الحكومة قد كذبت على مجلس العموم في نقطتين مهمتين، الأولى هي أن القرار السيـاسي قد صدر بإغراق البارجة بعد 24 ساعة من إبلاغ الحكومة البريطانية بمشروع الحل السياسي. والأخيرة هي انه عندما صدر الأمر بإغراقها، كـانت بلجرانو على مسافـة 200 ميل من الأسطول البريطاني، وبالتالي فإنها لم تكن تشكل أي خطورة على الأسطول البريطاني.
قدمت الحكومة البريطانية المستر بونتنج للمحاكمـة بتهمة إفشاء أسرار عسكرية (محكمة عادية بالتأكيد، حيث إنه في بريطانيا لا تقام الدعوى ضد المدنيين أمام محاكم عسكرية). وفي أثناء المحاكمة دار الحوار بين الادعاء والدفاع حول سؤال مهم هو: لمن يكون الولاء للشعب أم للحكومـة؟ فالدفاع كـان يقول إن إذاعة هذه الأسرار كان بناء على نداء الضمير نحو حق الشعب في معرفة الحقائق. وإنه إذا تعارضت مصلحـة الشعب مع مصلحة الحكومـة، فإن ولاء الموظف يجب أن يكون للشعـب. أما الإدعاء فكان يتمسك بان المستر بونتنج قد انتهك القانون الخاص بالأسرار الرسميـة عندما أذاع أسرارا كانت بعهدته إلى أشـخاص غير مسئولين. وإنه ليس هناك تناقض بين مصالح الدولة ومصالح الحكومة، حـيث إن مصالح الحكومة القائمة هي مصالح الدولة نفسها.
وفي 11 من فبراير 85 صدر الحكم بتبرئة المسـتر بونتنج من تهمة إذاعة اسرار الدولة. وجاء في الحكم أن مصالح الحكومة ليست دائما متطابقة مع مصالح الدولة. وأن الموظف العام لا تمكن إدانته إذا هو أذاع معلومات في حوزته لا تهدد أمن وسلامة الدولة، ولاسيما إذا اتضح له أن الحكومة تحـجب حـقائق مهمة عن الشعب. وقد هلل الشـعب البريطاني لهذا الحكم وعلق عليه السكرتير العام لموظفي الدولة قائلا “إن هذا الحكم يعتبر انتصـارا عظيما للحريات المدنية. أرجو أن يدفع ذلك الحكومات إلى التوقف عن محاكمة موظفي الدولة الذين تكون كل جريمتهم هي انهم يضعون ولائهم للشعب في المقام الأول”.
أما القضية الثانية فهي قضية المستر رايت Wright.الذي كان يعمل ضـابطا بالمخابرات البريطانيـة. وبعد تقاعده هاجر إلى استراليا واصدر كتـابا عن الأعمال القذرة التي تقوم بها المخابرات البريطانية والتي كان من بينها التصنت غير القانوني على محادثات الأفراد وسرقة منازلهم. وقتل المستر جيتسكيل Gaitskell زعيم حزب العمال بان دسوا له ميكروب مرض إستوائي قاتل في شـراب من الويسكي. والتآمر لاغتيال الرئيس المصري جمـال عبد الناصر والزعيم القبرصي اليوناني جريفاس.. إلخ. وقد قام رايت بنشر كتابه الذي أسماه- قناص الجواسيس Spy Catecher- في أمريكا، ولكن القضاء البريطاني فرض حظر النشر في بريطانيا باغلبية ثلاثة ضد اثنين. وقد وقف الشعب البريطاني ضد هذا الحكم. ولجأت بعض الصـحف إلى نشر اجـزاء من الكتـاب. وذهب توني بن Tony Benn -أحد زعماء حزب العمال- إلى حديقة هايد بارك ومعه نسخة من الطبـعة الأمريكية للكتاب واخذ يقرا منها على الجماهير الشعبية التي وقفت تستمع إليه. وكتبت صحيفة الديلي ميرور في 31 من يوليو 87 تقول “لقد نشر كتاب رايت في أمريكا وتمت قراءته في كل مكان. والانجليز وحدهم هم الذين لا يستطيعون قراءته. إن القضاة الأغبياء قد أصدروا حكما لا يمكن أن يحترم أو يعيش” أما صـحيفة الديلي ميل فقد نشـرت في 1/8/87 تقول “لو قبل الشعب البـريطاني بان الحريات التي يتمتع بها هي تلك التي تسمح بها السلطات (يقصد السلطة التنفيذية والسلطة القضائية)، فإن ذلك يعني أننا بدأنا السير على طريق الشمولية”
أما في الأنظمة الاوتـقراطية والشموليـة. فإن الأمور تسير في عكس هذا الاتجاه تماما. فالولاء للحـاكم هو السبيل الوحـيدة لشغل المناصب الـعليا. وفي هذه الأنظمة يشيع النفاق ويتقدم الانتهازيون الصفوف. أما القلة التي ترفض السير في ركب المنافقين وتتمسك بالقيم والمبادئ فإنها تتعرض لحملات ظالمة من وسائل الإعلام التي تملكها الدولة أو تسيطر عليها عن طريق وسائل اخرى متعددة وفي ظل هذه الظروف الصعبة فلا غرابة أن يسود في تلك البلاد شعار يطالب الفرد بان يكون ولاؤه للحاكم والحكومة حتى لو تعارض هذا الولاء مع ولائه لله وللأمة والوطن.
أما المؤمنون والمؤمنات فولاؤهم الأول والأخير لله سبحانه وتعالى مهما سبب لهم ذلك من مشاكل ومتاعب. واما الحاكم فطاعته مشروطة بما جـاء في الآية الكريمة (يا أيها الذين آمنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم. فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. ذلك خير واحسن تأويلا)” (النساء/ 59).
وقد جرى الخلفاء الراشدين على هذا النهج. فقد قال أبو بكر مخاطبا الناس بعد أن تمت له البيعة (إني وليت عليكم ولست بخيركم. فإن أحسنت فأعينوني وان أسأت فقوموني. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم). وعندما ولي عمر بن الخطاب ردد نفس ما قاله أبو بكر الصديق. فقال له رجل وهو شاهر سيفه “والله يا امير المؤمنين لو رأيناك معوجا لقومناك بسيوفنا” فرد عليه عمر “رحمكم الله الذي جعل فيكم من يقوم عمر بسيفه”. هذا هو الحاكم المسلم حـقا. وهذا هو الشعب المسلم الذي يؤمن بالله واليوم الآخر ولا يخشى إلا الذي خلقه وخلق السماوات والأرض وما بينهما.
من الذي يحدد أسرار الدولة؟
تعريف السر: في الأنظمة الديمقـراطية تقوم السلطة التشريعية بتعريف السر تعريفا حقيقيا قبل تجريمه. وتصـدر السلطة القضائية حكمها في الدعوى التي ترفعهـا السلطة التنفيذية أو أي جهة اخرى ضد من يرتكب جريمة إفشاء السر. وحيث إنه لا يمكن لأي سر أن يبقى سرا إلى الأبد. وحيث إن وسائل الرصد والحصول على المعلومات تتطور عاما بعد عام، فإن ما كان يمكن أن يعتبر سرا من اسرار الدولة منذ مائة عام أو منذ خمسين عاما، فإنه لا يمكن اعتبـاره اليوم من أسرار الدولة، نظرا لاستحالة إخـفائه عن سمع و انظار الأعداء في عصر الأقمار الصناعيـة. بل إن قدرات الأقمار الصـناعية تتعاظم عاما بعد عام بحيث أصبح اليوم في استطاعة القائد العسكري أن يشاهد حـركة الدبابات والتشكيـلات المعادية على شاشـة تليفزيونيـة وهي على بعد مئات أو آلاف الكيلومترات. وفي ظل هذه المتغيرات السريعة، فإن أفضل تعريف للسر العسكري، هو ما جاء في منطوق حكم المحكمة البريطانية التي برأت المستر بونتنج من تهمة افشاء أسرار عسكرية، في 11 فبراير 1985، فقالت إن “السر العسكري أو سر الدولة هو ذلك السر الذي يترتب على افشائه تهديد أمن و سلامة الدولة”.
ومع أن هذا التعريف البريطاني صدر عام 1985. ومع أن كتابي عن حرب أكتوبر نشر عام 1979، إلا أن مفهومي للسر العسكري كان يتطابق تماما مع مفهوم التعريف البريطاني. ويؤكد ذلك ذكر خصائص الصواريخ جو- ارض التي كانت لدينا والتي نوقشت خلال مؤتمر انشاص في 19 من نوفمبر 71 (ص 149 حرب أكتوبر الطبعة الثالثة). ففي خـلال هذا المؤتمر تحدث الجنرال أوكينيف عن الصواريخ جو- ارض التي قرر الاتحـاد السوفيتي إمدادنا بها. وتحدث كذلك عن مواصفات تلك الصواريخ التي يمكن استخـدامها بواسطة القاذفات TU-16. ولكنني لم أتطرق في كتابي لمواصفات تلك الصواريخ عندما تبين لي أن مواصفاتها لم تكن قد ظهرت بعد في كتب ومجلات جينس Janes .ويبين هذا التصرف العلاقة بين السر والزمن. فما كنت اعتبره سرا عام 79، لا يمكن اعتباره اليوم سرا. حيث إن مواصفات تلك الصواريخ نشرت بعد ذلك في مطبوعات جينس اللاحقة.
وإذا نحن قبلنا بما تدعيه السلطة التنفيذية في مصر -وتأخذ به المحاكم العسكرية- بأنها هي صاحبة الحق المطلق في تقدير ما هو سر وما هو غير سر. فإن ذلك لابد أن يؤدي إلى إهدار العدالة. وذلك نتيجة تجميع السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) في يد شخص واحد هو الحاكم أو من يكلفه بذلك فالكل يعلم أن وزير الحربية في مصر هو الذي يعين القضـاة العسكريين ويعزلهم ويرقيهم ويحيلهم إلى التقاعد، وبالتالي فإنهم جزء من السلطة التنفيذية. فإذا قبلنا بأن وزير الحربية هو صاحب الحق في توصيف أي كتاب أو مقال ينشر بأنه يحوي أسرارا عسكرية. فإن ذلك يعني أن الحكم قد صدر مسبقا بمجرد تقديم المتهم للمحكمة العسكرية. حيث تصبح مهمة القاضي العسكري في هذه الحالة هي إصدار الحكم على المتهم بناء على شهادة مقدمة من وزارة الحربية بأن ما جاء في كتاب أو مقال المتهم هو إفشاء للأسرار العسكرية.
ونتيحه لهذه السلطات الواسعة وعدم وجود أية ضوابط لتعريف ما هو سر، حدثت تناقضات مؤسفة. فمن كان بالأمس هو صاحب السلطة في إعطاء التصريح للضباط المتقاعدين بنشر كتبهم أو عدم نشرها على أساس أن هذا سر وهذا غير سر. إذا هو -بعد تقاعده- يجد من بين تلاميذه أو تلاميذ تلاميذه من يرفض التصريح له بنشر مذكراته على أساس أنها تحوي أسرارا عسكرية. وفي كـثير من الحالات كـان رفض التصريح للقادة القدامى بنشر مذكراتهم يخضع لما يسمى تصفية حسابات بين القادمة القدامى والقادة الجدد. أو قد يلجا القادة الذين في السلطة إلى هذا التصرف إرضاء للحاكم إذا استشعروا منه عدم الرضى عن القائد المتقاعد، حتى وإن لم يطلب الحاكم منهم ذلك صراحة.
ففي عام 1970 قام اللواء متقاعد صلاح الحديدي بتأليف كـتاب عن حرب اليمن. واتفق مع أحد الناشرين اللبنانيين على طبعه ونشـره في بيروت دون اخـذ إذن بذلك من وزارة الحربيـة. ولكن المخابرات الحربية علمت بذلك قبل أن يصدر الكتاب، فأبلغت الفريق أول فوزي وزير الحربية. فاستدعى الوزير اللواء صـلاح الحديدي وطلب إليه إلغاء التعاقد وعدم نشر الكتاب. وأذعن صلاح الحديدي لقرار الوزير، لأن البديل لذلك كان هو تقديمه للمحاكمة بتهمة إفشاء أسرار عسكرية. فإذا علمنا أن صلاح الحديدي كان قبل ذلك بسنوات هو مدير المخابرات
الحربيـة، وأنه كان- بحكم هذا المنصب- هو الشخص الذي يحـدد- باسم وزير الحربية- ما هو سر لا يجـوز نشره وكـان هو الشخص الذي يصـدق على ما تنشـر في وسـائل الإعلام (كتـاب وزارة الحربيـة رقم 7/ 4/ 1/ 1/ 1/ 11562 بتـاريخ 13/ 4/ 83 والذي اعتمد عليه المدعي العسكري العام في تقديم الفريق سعد الشاذلي للمحاكمة العسكرية بتهمة إفشـاء أسرار عسكرية، يقول إن ما نشره الفريق الشاذلي في كتابه عن حرب أكتوبر يحوي معلومات سرية محظور نشرها إلا بتصديق مسبق من مدير المخابرات الحربية). فهل يعقل أن صـلاح الحديدي الذي كان هو الرقيب الأول عندمـا كان في الخدمة، يصـاب فجأة بالعته عندما يتقاعد حتى انه لا يستطيع أن يميز بين ما هو سر وما هو ليس بسر؟!.
وإذا علمنا أن كتاب صـلاح الحديدي نشر بعد ذلك بسنوات، بعد أن تغير موقف القيادة السياسيـة من حرب اليمن. اتضح لنا أن أصحاب السلطة في مصر ينظرون إلى السر على أساس انه سر الحـاكم وسر النظام، ثم يدعون ظلما وعدوانا انه سـر من أسرار الدولة. وما حدث مع اللواء الحديدي حدث مع الفريق أول متقاعد محسن مرتجي، عندما رفض الجمسي – عندما كان وزيرا للحربية- التصريح له بنشر مذكراته. ثم تكرر نفس الشيء عام 1983، عندما اتهمت وزارة الحربية الفريق أول متقاعد محمد فوزي بأن كتابه عن حرب الاستنزاف -الذي نشره حـينئذ- يحوي أسرارا عسكرية. أي أن الفريق أول محمد فوزي الذي أرغم صلاح الحديدي على عدم نشر كتابه عام 1970، شرب هو من الكأس نفسـها عام 1983 عندما اتهم بأنه لا يستطيع أن يفرق بين ما هو سر وما هو ليس بسر!!
والأنكى من ذلك أن وزارة الحربية تكيل بمكيالين وربما اكثر من ذلك فيما يتعلق بمن تتهمهم بأنهم أذاعوا أسرارا محظور نشرها قبل حصولهم على إذن مسبق.
وفي حديث أدلى به الفريق سعيد إلماحي -الرئيس الأسبق لجهاز المخابرات العامة- للصحفية سوسن أبو حسين، يقول الماحى “استدعاني الرئيس السادات ذات يوم في استراحة القناطر الخيرية وقال لي هل قرأت كتاب الفريق سعد الشاذلي عن حرب أكتوبر، فقلت له لا يا سيادة الرئيس. فأعطاني النسخة الصادرة باللغة الإنجليزية وقال لي أنا عايزك تقرأ هذا الكتاب كويس وتقدم لي عنه تقريرا وافيا وهل يتضمن أسرارا عسكرية أم لا. لأنه اذا كان الأمر كذلك حتما سنقدمه للمحاكمة العسكرية. وبعد يومين عدت إليه وقلت له إن الكتاب يخلو تماما من أية اسرار عسكرية ولاداعي للمحاكمة. لأن تقديم القادة للمحاكمة العسكرية قد يؤدي في النهاية إلى إضافة صفة الأبطال عليهم. وبالفعل أنا كنت صادقاً تماما مع الرئيس السادات ولم أجامل الفريق الشاذلي وقتها في هذه الشهادة”.
وعن توصيفه للاسرار العسكرية قال الماحي “الأسرار العسكرية العامة هي كل ما يمكن أن يحصل عليه العدو ويستفيد منه ليستخدمه في الحفاظ على امنه والإضرار بمصالح وأمن بلادنا”. ولذلك فأنا ارى من الأهمية أن تأخذ بعض الوقائع العسكرية طابع الاحتفاظ بالسرية لمدة طويلة حتى لا نعطي فرصة الاستفادة للعدو خاصة في القضايا الاستراتيجـية العامة. وفي الوقت نفسه نتمكن من كتابة الحقيقة الكاملة دون تخوف من محاذير استفادة العدو والتاثير على مصالح الدولة. ومن ناحية اخرى لا يجب على الإطلاق أن نحجب الحقائق عن الشعب، لأن من حقه أن يعرف كل ما يريد معرفته. خاصة أن العالم من حولنا اصبح قرية صغيرة وان ما لم يعرفه الفرد عن بلاده في الداخل فإنه من الممكن أن يحصل عليه من خارجها. وهو الأمر الذي يحدث فجوة كبيرة في الثقة بين الحاكم والمحكوم. ويدفع الأخير إلى الاستجابة إلى الشائعات الكاذبة التي لا تتصل مع الحقيقة في شيء. وقد تسيء هذه الشائعات ايضا إلى أمن وسلامة البلاد.
تنويم القوانين وايقاظها:
في 13/ 4/83 أرسل أمين عام وزارة الدفاع خطابا رقم 7/4/1/1/1/1/11562 إلى المدعي العسكري العام يقول فيه أن ما نشره الفريق الشاذلي في كتابه عن حرب اكتوبر، وما نشره الفريق اول فوزي في كتابه عن حرب الاستنزاف يحوي معلومات سرية محظور نشرها إلا بتصديق مسبق من مدير المخابرات الحربية، كأن نشر هذين الكتابين يضر بأمن وسلامة البلاد. والذي يثير التعجب والسخرية هو أن الفريق الشاذلي قدم للمحاكمة في حين أن الفريق اول فوزي لم يقدم للمحاكمة.
إن إفشـاء أسرار الدولة هو جريمة بشعة تخل بشـرف صاحـبها وتوجب احتقار من يرتكبها من كل مواطن شريف. ولذلك فإن تجميع كل ما يتـعلق بتوصيفها وإقامة الدعوى على من يُتهم بها ثم الحكم عليه في يد شخص واحد هو اهدار للعدالة. وحيث أن جميع هذه السلطات يملكها وزير الحربية. وحـيث أن رئيس الجمهورية هو الذي يعين وزير الحـربية ويعزله. فإن ذلك يعني أن رئيس الجمهورية يجـمع في يده سلطات تشريعية وقضائية بالإضافة إلى سلطاته التنفيذية، وهو ما تتنافى مع روح الدستور. ولإصلاح هذه الأوضاع فإني أطالب بأن يكون التعريف الدقيق لهذه الجـريمة من اختصاص مجلس الشعب. وأن تنحصر مهمة السلطة التنفيذية في إقامـة الدعوى ضد من تعتقد انه أفشى اسرارا عسكرية. ثم يكون بعد ذلك القضـاء الطبيعي هو الجهة المختصـة بالحكم في أي دعوى سواء بالإدانة أم البراءة.
وان الأخذ بهذا الاقتراح – وهو المتبع في الدول الديمقراطية- سوف يقضي على فوضـه التفسيرات المتناقضة التي تصدر عن السلطة التنفيذية.
الحرب مدرسة لأولي الألباب:
الحرب عملية باهظة التكلفة، وتكلفتها لا تقاس بمجموع ما يتم إنفاقه خلال فترة العمليات الحربية وما تتحمله الدولة من خسائر بشرية ومادية خـلالها. بل يضاف إليها ما تنفقه الدولة على قواتها المسلحة خلال سنوات السلم لتجهيزها وتدريبها. وما يتم إنفاقه لتأمين الشعب ضد اخطار الحـرب عند اندلاعها. ونتائج كل حرب هي التي تحدد مدى نجاح الدولة في تدبير شئونها العسكرية، من حيث التسليح والتدريب وترشيد الإنفاق، الخ. ولذلك فإن الدروس المستفادة من كل حرب تعتبر ثروة لا تقدر بثمن لأنها تكون رصيدا للدولة اذا ما اشتركت في حرب اخرى. بل أن كل الدول تسعى للحصول على الدروس المستفادة من الحروب التي لم تشارك فيها.
وهذه الدروس المستفادة لا يمكن التوصل إليها إلا اذا عرفت الأخطاء التي ارتكبت بواسطة أحد الأطراف المتنازعة وأدت إلى هزيمته أو أدت إلى وضعه في موقف صعب. وإن اكـتفاءنا بذكر الأعمال المجيدة التي تمت خلال حرب أكتوبر وعدم ذكر الأخطاء التي ارتكبت يمكن أن يولد لدى قادة الأجيال التالية شعورا بالتفوق الزائف، الذي قد يؤدي إلى ارتكابهم نفس الأخطاء التي ارتكبها آباؤهم واجدادهم. ولذلك فإنه يجب علينا أن نعترف بأنه رغم النجاح الباهر الذي حققناه بعبورنا قناة السويس وتدميرنا لخط بارليف في 18 ساعة. فقد ارتكبنا سلسلة من الأخطاء. أن تطوير الهجوم يوم 14/10 كـان قرارا خاطئا وهو الذي أدى إلى وقوع الثغرة ليلة 15/16 أكتوبر. وإن عدم المناورة بقواتنا المدرعة واستغلال خفة حركتها لكي تتصدى للقوات المدرعة الإسرائيلية التي عبرت إلى الغرب كان تصرفا خـاطئا. فقد كان يجب علينا أن نناور بقواتنا حتى يمكننا حشد القوات بالحجم المناسب في المكان المناسب وفي الوقت المناسب. وإن إصرار السادات ووسائل الإعلام الحكومية المصرية على وصف ثغرة الدفرسوار بأنها معركة تليفزيونية هو وصف ديماجوجي ومضلل.
إن هذه الحرب المجيدة التي خاضتها قواتنا في أكتوبر 73، أصبحت تدرس الآن في كثير من الأكاديميات العسكرية. وانهم يشيدون في تلك المعاهد التعليمية بعملية العبور العظيم يوم 6 أكتوبر. ولكنهم في الوقت نفسه يوجهون اللوم للقيادة العامة للقوات المسلحة المصرية لأنها لم تطبق مبدا المناورة بالقوات بالسرعة التي تتطلبها ظروف المعركة. وقد ذهب أحد الخبراء العسكريين الأجانب الذين دعتهم الحكومة المصرية عام 1975 للمشاركة في ندوة أكتوبر إلى وصف القيادة المصرية بالشلل. وانه لمن المؤسف حقا أن الإعلام المصري وكتاب السلطة في مصر يعلنون ويؤكدون لأبنائنا بأنه لم يكن في الإمكان احسن مما كان، وان ضربة الطيران -تزلفا إلى الرئيس حسني مبارك- هي السبب الرئيسي للنصر. مع أن الحقيقة المرة هي أن القوات الجوية كانت احدى نقاط الضعف الرئيسية في قواتنا المسلحة. والاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني هجومـا أو نقدا لرئيس الجمهورية الذي كان يشـغل حينئذ منصب قائد القوات الجـوية. فلم يكن حسني مبارك في ذلك الوقت هو صـاحب الكلمة العليا في اختيار الطائرة أو في تخصيص الميزانية الكافية للقوات الجوية. وبالتالي فإن ضعف قواتنا الجوية هو مسؤولية جماعية تقع على عاتق الشعب والقيادة السياسية. ولكن بالرغم من ضعف قواتنا الجوية- مقارنة بالقوات الجوية الإسرائيلية- فقد أظهر بعض الطيارين بطولات وشجاعة. ولكن هذه البطولات الفردية كانت تضيع في زخم أي معركة جوية بين طائراتنا وطائرات العدو.
أهل الكهف ومفهوم الإسرار
أن من يدعي بأن ما جـاء في مذكرات الشاذلي عن حرب اكتوبر يعتبر افشاء للاسرار العسكرية هو واحد من اثنين: إما منافق وإما جاهل. فاما المنافق فالله وحده هو الذي يعلم ما في السرائر، وقد امرنا الدين الحنيف إلا نحكم على الناس ألا بظاهر ما يعملون. فقد قال تعالى”يا أيها الذين اَمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن إثم. ولاتجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا. أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه. واتقوا الله. إن الله توابٌ رحيم” (الحجرات /12). وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) “أمرت أن احكم على الناس حسب الظواهر، وأن اترك السرائر لله”، وانطلاقا من هذه التشريعات الإلهية فإننا نفترض أن الجهل هو الذي أوقع بعض الناس في خطا الخلط بين ما يمكن أن يعتبر سرا وبين ما هو ليس بسر.
والجهل لا يعتبر نقيصة اذا كان نتيجـة سبب خارج عن ارادة الإنسان. واذكر بهذه المناسبة حديثا طريفا دار بيني وبين أحد شيوخ القبائل في اليمن عام 1965. كنت في ذلك الوقت قائدا للواء الأول مشاة الذي يتمركز في منطقة الجوف التي تقع في الركن الشمالي الشرقي لليمن. ومنطقة الجوف هذه هي التي تلتقي حدودها مع حدود المملكة العربية السعودية حيث تمتد الصحراء ذات الرمال الناعمة وحيث تنعدم الأمطار. ويعتمد الناس في هذه المنطقة على عدد محدود من الآبار. وعجبت لأمر هؤلاء الناس الذين يعيشون في هذه المنطقة حيث لا زراعة ولا تجارة ولا صناعة ولا أي مصدر للرزق وزارني في مركز قيادتي أحد شيوخ المنطقة، فسألته: ما الذي يدفعكم للبقاء في هذه المنطقة القاحلة
التي لا ماء فيها ولا زرع ولا حتى شجر تستظلون به؟ وكانت المفاجأة عندما قال “نحن قطاع طريق. إن طريق قوافل الحج من الجنوب إلى الحجاز تمر عبر أراضينا. واننا نفرض عليهم الإتاوات في مقابل السماح لهم بالعبور أو نستحل أموالهم إذا لم يدفعوا. وما نحصله في موسم الحج يكفينا طوال العام..”. ثم تطرق الحديث بعد ذلك عن احوالهم المعيشية فقال “والله اليمن كانت افضل بلاد العالم إلى أن جيتـم انتم يا مصريين فخربتم الديار!!”، فعجبت لهذا القول وسألته: هل زرت مصر قبل ذلك فأجاب بالنفي، فسألته: وهل زرت أي بلد آخر خارج اليمن فأجاب بالنفي ايضا. فقلت له “وكيف تعرف إذن انها افضل بلاد العالم اذا كان اليمن، هو كل العالم بالنسبة لك. لقد زرت بلادا كثيرة أقول لك أن اليمن هي اكثر البلاد تخلفا من بين كل ما زرته من بلاد العالم”، وعندما خلوت بنفسي تساءلت: ما ذنب هذا الرجل؟ إن العالم بالنسبة إليه هو اكل الثريد واللحم ومعاشرة النساء ومضغ القات. وكل ذلك ميسور لديه بفضل ما يحصل عليه من مال حرام. وإذا كنا نحن نعتبر أن ما يحصل عليه من إتاوات يفرضها على الحجاج هو عمل غير أخلاقي، فإنه لا يعتبره كذلك. بل انه يعتبره حقا مشروعا له نظير حمايته لهم اثناء عبورهم الديار.
والجهل لا يُعتبر نقيصة إذا شب الإنسان في مجتمع مغلق تسيطر فيه الدولة على وسائل الإعلام والثقافة. مجتمع لا يسمع فيه المرء إلا ما يريد له الحاكم أن يسمعه ولا يقرأ فيه الفرد إلا ما يريد له الحاكم أن يقرأه. فينشأ كالإنسان الآلي يتصرف طبقا للبرنامج الذي وضعه الحاكم. فهو عندما يتكلم أو يتصرف إنما يردد- من حيث لا يدري- صوت و أوامر سيده الذي برمجه.
الجهل لا يعتبر نقيصة بالنسبة لأهل الكهف الذين نامت عقولهم مائة عام أو اكثر أو اقل. فمنهم من لم يعرف السيارة ومنهم من لم يعرف الطائرة ومنهم من لم يعرف التليفون، ومنهم من لم يعرف التليفزيون، ومنهم من لم يعرف الأقمار الصناعية ومنهم من لم يسمع عن الصواريخ ارض ارض التي تسبح في الفضاء قاطعة اكثر من عشرة ألاف كيلومتر وانه يتم توجيهها اثناء مسارها بواسطة الأقمار الصناعية لتصل في النهاية إلى الهدف المحدد لها بدقة متناهية، وانها تحمل خلال هذه الرحلة قنبلة نووية قوة تفجيرها تعادل مليون ومائتي ألف طن من المتفجرات (حوالي 60 مرة قوة تفجـير القنبلة التي القيت على هيروشيما في أغسـطس 1945)، وأن أقصى خطا محتمل بعد هذه الرحلة الطويلة هو 100 متر. أي أن أقصى خطأ هو 1 سنتيمتر عن كل كـيلو متر ومنهم من لم يسمع عن أن اقمار الإنذار المبكر Early Warning Satellite الامريكية كانت خلال حرب الخليج عام 1991 ترصد عملية اطلاق الصواريخ أرض-أرض العراقية من طراز الحسين فور اطلاقها، ثم تبـعث بها إلى المحطة الأرضية الأمريكية في نارونجار Narrungar في استراليا، فتقوم بدورها بإرسالها إلى مواقع الصواريخ الأمريكيـة المضادة للصواريخ باتريوت Patriot التي تتمركز في السعودية عبر اقمار الاتصال. وكل ذلك يتم بطريقة أوتوماتيكية في اقل من ثانية !!
ولكن الجهل يعتبر نقيصة اذا أصر أهل الكهف -الذين نامت عقولهم طوال هذه السنين- على عدم تصـديقهم لما يرون بأعينهم ويسمعون بآذانهم- ويصـرون على أن هذا من عمل الشيطان. هؤلاء إذن هم الجاهلون حقا بمفهوم العصر الذي نعيش فيه. فمن يتصور أن حجم القوات المسلحة ونوعية تسليحها هو سر من أسرار الدولة فهو جاهل لا يريد أن يتعلم. ومن يتصور أن الخطط التي قمنا بتنفيذها في حرب أكتوبر هي سر من أسرار الدولة فهو جاهل لا يريد أن يتعلم. ومن يتصور أن ذكر مواصفات وخصائص بعض الأسلحـة والمعدات التي استخدمناها خلال حرب أكتوبر هو سر من أسرار الدولة فهو جـاهل لا يريد أن يتعلم ولا يريد أن يجاري العصر الذي نعيش فيه.
ما السر العسكري؟
وسوف يقودنا هذا التحليل إلى السؤال المهم والأخـير وهو “وهل يعني ذلك أنه لـيست هناك أسرار عسكرية تجب المحـافظة عليها؟” وأبادر بالإجابة بان هناك أسرارا عسكرية كثيرة تجب المحافظة عليها. ومن الأمثلة على ذلك إنتاج سلاح جديد، أو خطة عسكرية لم تنفذ بعد. فمن المعروف أن إنتاج سلاح جديد Sophisticated مثل الطائرة أو الدبابة أو المدفع يمر بعدة مراحل.
-المرحلة الأولى هي مرحلة الابتكار ووضع التصميمات الخاصة بهذا الابتكار على الورق.
-والمرحلة الثانيـة هي تصنيع عينة من هذا الابتكار وإجراء اخـتبـارات ميدانية عليها للتأكد من مطابقة المواصفات النظرية على إمكانات المنتج ميدانيا.
-المرحلة الثالثة وهي مرحلة الإنتاج المكثف.
-المرحلة الرابعة والأخـيرة فهي توزيع هذا الإنتاج على الوحدات والتشكيلات الميدانية. وهذه المراحل الأربـع تستغرق عادة حوالي عشر سنوات.
فإذا كانت الدولة المنتجة للسلاح تعتمد على نفسها اعتمادا كليا في جميع مراحل الإنتاج دون الحـصول على أية مساعدات فنية من أية دولة أجنبية -هذا لم يكن متيسرا إطلاقا إلا بالنسبة لكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي السابق- فإنها يمكن أن تخفي عن الطرف الآخر المنافس المرحلتين الأولى والثانيـة. وهذا يعني إحـراز السبق في مجـال الإنتـاج بحوالي 5 سنوات. ولكن بمجـرد بدء الإنتـاج ووصول أعداد قليلة من المنتج إلى التشكيلات العسكرية للتدريب عليه، فإن وسائل الرصد المعادية تصبح قادرة على تصويره وتحديد مواصفاته وأسلوب استخدامه. وتصل المعلومات عن السلاح إلى ذروتها بعد أن تتم متـابعته خـلال المشاريع التدريبية والمناورات وتبقى بعـد ذلك حلقة واحدة وأخيرة وهي متابعة نتيجة اشتراك هذا السلاح في الحرب أو الحصول على عينة من هذا السلاح سواء بالاستيلاء عليه في حرب أم بإغراء بعض العملاء على الهروب به، أم بتهريب الوثائق السرية التي تتعلق بالتصنيع والصيانة والاستخدام والقيود التي تتعلق بالسلاح.
وتحرص الدول المنتجة للسلاح على ألا تبيع الأجـيال الحديثة من سلاحها إلى الدول الأجنبية إلا اذا كانت متأكدة من صداقة هذه الدول. وكانت على قناعة تامة بان هذه الدول الأجنبية لن تفشي أسرار هذه الأسلحة إلى أي طرف ثالث. حيث أن افشاء الأسرار التي تكون مازالت غير معروفة عن هذا السلاح، يمكن أن يسبب اضرارا كـبيرة ليس بالنسـبة للدولة المنتجة للسلاح فحسب. بل لجميع الدول الصديقة التي تكون قد حصلت على هذا السلاح من الدولة المنتجة.كذلك فإن الخطط الهجومية والدفاعية التي تقوم الدولة بإعدادها قبل الحرب تعتبر من اسرار الدولة، ولكنها تفقد سريتها عندما يتم تنفيذها على ارض المعركة. واذا كانت وسائل الرصد الحديثة لا تستطيع أن ترصد النوايا التي يحتفظ بها القائد في صدره، فهناك بعض التصرفات التي يمكن أن توحي بهذه النوايا وهنا تبرز اهمية القيام بعمليات الخـداع والتضليل التي ترمي إلى إيهام الخصم بالنية إلى عمل شيء ثم القيام بعمل شيء اَخر. ولاشك أن ما قامت به قواتنا المسلحة من عمليات خداع وتضليل
قبل أن تشن هجومها يوم 6 اكتوبر يعتبر مثلا رائعا لذلك. أما دول العالم الثالث التي تستورد التكنولوجيا أو بعضها من الخارج والتي تعتمد على تشغيل الخبراء الأجانب في إنتاج الأسلحة فإنها تجد صعوبة كبيرة في المحافظة على سرية انتاج الأسلحـة المتطورة ولعل العراق هو البلد الوحيد من بين تلك الدول الذي نجح في تحقيق ذلك بدرجة تثير الإعجاب فقد نجح قبل عام 1990، في إنشاء مصانـع لإنتاج الغازات، وانتاج صواريخ ارض ارض (صاروخ الحسين 650 كم وصاروخ العباس 850 كم) وإنتاج مدافع مختلفة الأعيرة وكان قاب قوسين أو أدنى من إنتاج القنبلة النووية. وإنتاج اضخم مدفع في العالم، وقد تم كل ذلك في سرية تامة. ولكن يجب أن نعترف بان الظروف الدولية كانت مواتية، وان العراق احسن استغلال تلك الظروف الدولية. فمن المؤكد أن وسائل الرصد الأمريكي كانت تعلم بمراحل انتاج العراق للغازات السامة في أوائل الثمانينيات ولكنها كانت تغض الطرف عن ذلك حتى يتمكن العراق من صد المد الإسلامي الذي ينبعث من إيران، والذي كان يهدد بسقوط الأنظمة العربية الموالية للغرب وبعد توقف الحرب الإيرانية عام 1988 واندلاع حرب الخليج الثانية عام 1990، انتهزت الولايات المتحـدة الفرصة لكي تقوم بتدمير الترسانة العسكرية العراقية. فكانت المنشآت النووية، ومصانع الغازات وإنتاج الصواريخ هي الأهداف ذات الأسبقية الأولى لقصف القوات الجوية الأمريكية. وخلاصـة القول إن مساحـة المعلومات التي يمكن للدولة أن تحيطها بسيـاج من السرية أصبحت تضيق عاما بعد عام. كما أن الأفعال ليست كلها ذات طبيعة واحده فمنها ما يعتبر سرا وهو في مرحلة التحضير ثم يفقد الفعل سريته بمجرد التنفيذ. مثال ذلك استعانة مصر بطيارين سوفيت في الدفاع الجوي عن مصر عام 70 والاستعانة بطيارين كـوريين في الدفاع الجوي عام 73. فقد تمت المفاوضات لتحقيق ذلك في الحالتين في سرية تامة. ولكن بمجرد إقلاع الطيارين بطائراتهم من القواعد الجوية المصـرية التي يتمركزون فيها، وتبادلهم الحديث باللغة الروسية أو الكورية، فإن هذا الفعل فقد سريته. وبالتالي فإن القاضي الذي يوكل إليه الحكم في قضية إفشاء أسرار يجب أن يكون متفتحا وذا أفق واسع وعلى دراية تامة بتطور إمكانات الرصد في العالم. وأن يفرق بين ما إذا كان هذا السر هو سر الحاكم والحكومة، أم أنه يعتبر سرا من أسرار الدولة. وأن إفشاء هذا السر يعرض أمن وسلامة الدولة للخطر.
رأي رجال القانون
استطلعت الصحفية سوسن أبو حسين رأي رجـال القانون فيما يمكن أن يعتبره القاضي سرا من أسرار الدولة، ونشرت ذلك عام 1994 في كتاب لها اسمته “سعد الشاذلي: قصتي مع السادات” وقد وردت في هذا الكتاب شهادة كل من الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب، والدكتورة سعاد الشرقاوي أستاذ القانون الدستوري بكلية الحقوق جامعة القاهرة، والدكتور محمود عاطف ألبنا استاذ القانون الدستوري بجامعـة القاهرة والدكتور محمد عصفور المحامي المشهور وأستاذ القانون الدستوري.
يقول الدكـتور فتحي سرور إذا كـان نشر الأسرار يؤدي إلى الإضرار بمصـالح الشعب فمن واجب الشعب نفسه أن يطالب بعدم نشرها لأنه صـاحب السيـادة العليا والمصلحة العامـة. أما إذا كـانت هناك قضـايا سياسـية معينة ويريد الشعب معرفتها فهذه تتعلق بمصداقية المسـئول في قراراته، ومصارحته للشـعب بالحقائق لاتدخل في باب الأسرار. إن تحديد مفهوم اسرار الدولة من الموضوعات الدقيقة التي تتطلب وضعها في ميزان التوازن بين حق الإنسان في المعرفة وفقا لمبدأ الحريات وبين الحفاظ على النظام العام والمصلحة العامة”.
وتقول الدكتورة سعاد الشرقاوي “إن إخفاء الحـقائق والأسرار عن الشعب يعتبر انتهاكا دستوريا، لأن حق المعرفة والاطلاع مكفول للجميع في كافة القوانين الدستورية على المستوى الدولي”. أمامنا مثال واضح حدث مع الرئيس الأمريكي السابق نيكسون عندما رفض تسليم وثائق قضية ووترجيت للجنة التحقيق بحجـة انها ضمن أسرار الدولة، ثم صـدر الحكم من المحكمة العليا بضرورة تسليمه وثائق القضيـة، إلا انه رفض الحكم واستقال. وهذا يؤكد حق الشعب والراي العام في معرفة الحقائق.
ويقول الدكتور محـمود عاطف البنا “إن تحديد مفهوم أسرار الدولـة تحكمه عدة مبادئ وتوجهات من الصعب تحديدها. فهو يخضع لحالات متعددة، منها تفسـير كل قانون لمفهوم السرية، والذي يتأثر بدوره بالنظام السياسي لكل دولة ومدى احترامها للحقوق والحريات أو إغفالها. ففي النظم الديمقراطية الحرة والأكثر ليبرالية وتسامحا مع حق النشر والمعرفة يختلف تحديد مفهوم السرية عنه في النظم الشموليـة التي تتوسع في اعتبار أشياء كثيرة جداً من أسرار الدولة، وهي في حقيقة الأمر ليست من الأسرار في شيء”.
أما الدكـتور عصفور فقد كان اكثر صراحة وتحديدا في إجـاباته عن أسئلة الصحـفية المذكورة. فهو يعقب على رأي الدكتور سرور بقوله إنه لا يوجد في القانون ما يسمى بفكرة التوازنات، وان هناك نصـوصاً واضحـة لا يمكن مخـالفتها بأي حال. إن مصلحـة الشعب الأساسية تكون في حصوله على حق الحرية والمعرفة، وانه لا يوجد أي تطابق بين مصالح الشعب ومصلحة النظام. كما أن رأي الدكتور سرور الحالي عن فكرة التوازنات يختلف تماما عما ذكره في كتابه الشرعية الجنائية.
وعن سؤال عن الوقائع التي يمكن أن تعتبرها القوات المسلحة إفشاء لأسرارها العسكرية أجاب الدكتور عصفور”الأسرار العسكرية الحـقيقيـة هي خطة الحرب، والإجـراءات والتشكيلات والوسائل الدفاعية التي لم يتم تنفيذها بالفعل. ويعتبر إفشاؤها جريمة تستحق الإعدام. أما إذا كانت هذه الوقائع العسكرية قد تداولها البعض في معركة تمت وانتهت سواء كانت نتائجها الفشل أم النجاح، فمن المستحيل- بل من العبث- أن نقول عنها إنها أسرار. إذا كـانت كل الأسلحـة التي لدينا نحصل عليـها من مصـادر خـارجيـة، وكل من أمريكا وإسرائيل على علم بها. فكيف نخدع انفسنا ونضحك على بعضنا البعض ونقول إن هذه هي أسرار؟! هذا التلاعب بالألفاظ هو مجرد هراء”.
وعن سؤال حول محاكمة الفريق الشـاذلي أجاب الدكتور عصفور إن محاكمة الفريق الشاذلي كانت خطأ كبيرا. لأن المحاكمة تمت على أساس غير قانوني، ولم تكتمل اركانها كما انه لا توجد أية وقائع في كتابه تثبت انه أفشى اسرارا عسكرية. ولا أتصور ابدا انه عندما ينتقد تصرفات بعض القادة- كوصفه لوزير الحربية احمد إسماعيل بأنه ضعيف الشخصية ومتردد- أن يكون هذا ضمن الأسرار العسكرية. وجريمة الشـاذلي انه لم يحصل على إذن مسبق لكتابة مذكراته. وفي رأيي أن الإذن المسبق على النشر يعد مخالفة دستورية، وان الفريق الشـاذلي استخـدم حقه في حـرية الفكر والرأي المكفول له قانونا. وهذا هو الطريق الذي يجب أن يلتزم به الجميع في كتابة مذكراتهم. وإذا رأت وزارة الدفاع أن ما كتب يضر بمصالحها وأمن وسلامة الدولة فلها أن تلجـأ إلى القضاء المستقل ليكون الحد الفاصل بين اسرار الدولة وأسرار الحكومة. ولابد أن نصحح مرة اخرى لمن لا يعرف إن إفشـاء السرية يجب أن يكون مقصورا على اعطاء معلومات للعدو عن معركة قادمة، ومن الممكن أن يستفيد العدو بهذه المعلومات ويضر بأمن وسلامة البلاد. أما المعارك التي تمت فمن العبث القول بأن العدو سوف يستفيد منها”.
وعن رأيه في المحـاكم العسكرية أجاب الدكتور عصفور “المفروض أن يحـدد القاضي (يقصد القاضي الطبيـعي) ما السر، وما طبيعته. وهل يترتب على إفشائه الاضرار بمصلحة الدولة أم لا. ومن الطبيـعي أن يعود ذلك لتقدير القاضي. ولكن عندما تُعرض هذه القضايا أمام المجالس العسكرية فإن الميزان يختل. لماذا؟ لأن السلطة للقائد الذي يأمر بتـشكيل المجلس العسكري. ولا يوجـد بالمجـالس العسكرية قضاة بالمعنى الصحيح. إن القضـاء العسكري يلجأ عادة إلى الالتزام بأوامر السلطة التنفيذية وليس لتقدير القاضي”.
وعن أسرار الدولة التي تتعلق بالسياسـة الخارجية أجاب الدكتور عصفور “في الدول الديمقراطية لايمكن أن يستغل بند السرية الطريقة نفسها التي نوظف بها هذا البند في مصر. إن ما يحدث في مصر هو قليل من كثير من المخالفات الصارخة التي يرتكـبها نظام الحكم تحت غطاء السرية كـوسيلة لحمـاية عوراته. وعلى سبيل المثال فإن السادات قد أخفى عن مجلس الشعب الملاحق الخـاصة باتفاقية كـمب ديفيد. وبالتالي فإن الرئيس السادات خدع الشعب ولم يصارحـه بالحقائق الكاملة في الاتفاقـية، حيث إن ملاحقها فيها قدر كـبير من الانتقاص من سيادة الدولة وحريتها. وهذا هو الفرق بين أسرار الدولة وأسـرار الحكومة. فماذا لو استطاع أحد الأشخاص الحصول على هذه الملاحق ونشرها. هل تعتبر هذه الوقائع إفشاء لأسرار الدولة؟ بكل تاكيد لا. بل إن من يخـفيها عن الشعب هو الذي يقع تحت طائلة القانون ويعاقب عليها بتهمة الخداع والغش.
بماذا تحكم أيها القارئ؟
في أوائل الستينيات كنت اشغل منصب الملحق الحربي بسفارة مصر في لندن. وكان التليفزيون البريطاني يعرض من وقت لآخر برنامج بماذا تحكم The Verdict Is Yours . كان التليفزيون البريطانـي ينقل خلال هذا البرنامج صورة حية من إحدى المحـاكم في قضية من القضايا التي تشغل الرأي العام البريطاني. وكان هذا البرنامج يجتذب اهتمام كل الناس حيث يشاهدون ويستمعون إلى مرافعات الادعاء والدفاع ومناقشة الشهود في أقوالهم إلخ. وقبل أن يصدر القاضي حكمه في نهاية الجلسة يكون كل فرد من المشاهدين قد توصل بينه وبين نفسه إلى قناعة بما يجب أن يكون عليه الحكم العـادل في هذه القضية. فيكون ذلك بمثابة رقابة شعبية على عدالة المحـاكمة. وقد كنت احرص كل الحرص إثناء وجودي في لندن على مشاهدة هذا البرنامج وكنت من المعجبين به. وحيث أن المحكمة العسكرية قد اصدرت حكمها غيابيا بتاريخ 16/7/83 على مؤلف هذا الكتاب بالأشغال الشاقة لمدة ثلاث سنوات بتهمة افشاء اسرار عسكرية. فقد طالبت عند عودتي إلى الوطن بتاريخ 14/3/1992 بأن تعاد محاكمتي وان تكون المحاكمة علنية أدافع فيها عن نفسي تجاه هذه التهمة الظالمة. ولكن هذا الطلب رفض فتقدمت باستشكال في تنفيذ الحكم الصادر من المحكمة العسكرية امام محكمة امن الدولة العليـا التي اصدرت حكمـها بتاريخ 13/8/92 بإيقاف تنفيذ الحكم الصادر من المحـكمة العسكرية العليا. وقد جاء في حيثيات الحكم ما يلي: “إن الحكم المستشكل في تنفيذه تجرد من أركانه الأساسية ومقومات وجوده كحكم، واصبح هو والعدم سواء بسواء. فإن الاستمرار في تنفيذه وبقاء المحكوم عليه مودعا بالسجن على ذمته يعد تعطيـلا لحقوقه الأساسية وما كفله له الدستور من ضمانات واعتداء صـارخا على حريتـه”. وفي 17/8/ 92 (أي بعد أربعة أيام من صدور حكم محكمة امن الدولة العليا كان من بينها يوما الخميس والجمعة) انعقدت محكمة عسكرية عليـا بناء على طلب من النيابة العامة العسكرية، واصـدرت في نفس اليوم حكما جـديدا باستمرار تنفيذ العقوبة المحكوم بها من المحكمة العسكرية العليا بتاريخ 16/7/83 .
والآن عزيزي القارئ بعد أن قرأت كتابي عن حرب أكتوبر، وبعد أن قرأت هذا الفصل عن أسرار الدولة واسرار الحكومة. هل تعتقد أن الفريق الشاذلي أفشى أسراراً عسكرية؟ إن رأيك أهم عندي من حكم القضاة. فالقضـاة بشر منهم الصالح الذي لايخشي في كلمة الحق لومة لائم. ومنهم الطالح الذي يخضع لجـبروت السلطة الدنيوية فيشتري الحياة الدنيا بالآخرة. وقد قال عنهم رسول الله(صلى الله عليه وسلم) في حديث شـريف “قاض في الجنة وقاضـيان في النار”. وحسبنا الله. ومن احسن من الله حكما لقوم يوقنون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: