الثلاثاء , يناير 19 2021

د.أنور الموسي يكتب ….هل الفلسطيني والسوري أحقر من الإسرائيلي؟!

    عبارات لا يمكن وصفها إلا بالعنصرية الحقيرة تجاه كل الفلسطينيين والسوريين، ولا سيما اللاجئون، وتهكمات بتنا نعثر عليها بشكل لافت في وسائل التواصل الاجتماعي… وحتى في وسائل الإعلام…! لكن بعض مطلقيها أو أبطالها هذه المرة يحمل لقب دكتور أو أستاذ أو شاعر.. وإن سألته عن مهنته لا يقبل سوى بصفة مفكر ومثقف… وقد يتواضع لك مدعيا الفلسفة والنبوة!
    ومن العبارات التي تستوقف العاقل: «ان الفلسطيني أحقر من الإسرائيلي وأكثر حقدا علينا منه، وتريثوا يا قوم قبل تحرير فلسطين، وهم والسوريون سبب جوعنا، فلنطردهم قبل قتلنا، وجرائمهم ستصل إلينا… ولا أقبل بسوري في منطقتي، وأرفض دخول السوري محلي…»!
    الكلام العنصري بين العرب… ورمي كلام غير مدروس ومتخلف وعنصري مبتدل… وثقافة التعميم، والنظرة الدونية تجاه الآخر… أمور ليست بجديدة، فهي منتشرة في مجتمعات المجاملة والنفاق والطائفية والأحقاد منذ عهد سايكس بيكو… الذي كرس الحدود المصطنعة بين الإخوة وأبناء العم، وأولاد البلد الواحد… حيث تلقفت مجتمعاتنا هذا التقسيم، وتتلمذت على بدع الاستعمار… 
نعم، قبول الانقسام… وما يتبعه من عنصرية، والفخر بنقاوة الدم والعنصر والعرق… قضايا مألوفة وليس بجديدة… لكن الجديد التباهي به ممن يدعي أنه مثقف أو من وجهاء القوم… ونشره بلا خجل أو وجل في الحسابات الخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي….
     ونظرة سريعة إلى تفاعل أصدقاء الفيلسوف الجديد العنصري مع منشوره… تؤكد تماهي الأخيرين إجمالا مع عنصريته… فيكشف المرء غاية مزدوجة عند طرفي الإرسال العنصري الكاتب والمتلقي… فالأول عبر نشره الكلام التحريضي العنصري يحقق تفاعلا معه عبر اللايكات والتعليقات عبر بوسته… ولا سيما أن أصدقاءه عادة لا يتفاعلون مع ما ينشره من أفكار زائفة أو تافهة إجمالا… فيما يجد المتلقي فسحة لتشجيع العنصرية والتصفيق لصاحبها كي يفرغ الحقد الدفين تجاه الآخر… ويشعر بالراحة من مكبوتات تؤلمه…!
    وحتى نقدم درسا لكل عنصري تجاه أي فرد من جنسية أخرى نقول:
في أي مجتمع مهما كان متعلما أو أميا، الصالح والطالح… النظيف والفاسد… فمن المعيب والغريب التعميم في الحكم والادعاء أن العربي مثلا كله مجتمع مثالي أفلاطوني أو العكس…
    فصحيح أن في كل مجتمع ما هو سلبي وما هو إيجابي، ومن هو مجرم ومن هو مظلوم… وصحيح أن السوري قد يقترف جرما ما… لكن ليس كل السوريين يؤيدونه…
    وصحيح أن فلانا الفلسطيني قد يقترف جريمة… لكن حتى أهله قد ينبذونه… فمن غير المنطقي التعميم… لأن من يعمم في احكامه تجاه شعب ما يصاب بمرض قاتل هو العنصرية والجهل… وبالتالي بدلا من أن يلغي الآخر يلغي نفسه وأخلاقه وربما مستقبله…!
    والأمر نفسه ينطبق على الأحكام العنصرية تجاه اللبناني أو اللبنانية، كأن يصور أحد الخليجيين المجتمع اللبنانية يشترى بالمال… وفتياته للزينة مثلا…!
    والخطير في الأمر أن العنصرية لا تقتصر على التعميم، بل تصل إلى حد مساندة العدو على التخلص من الشقيق، كأن يقول أحد العنصريين المثقفين: تمهلوا قبل تحرير فلسطين، فالفلسطيني أكثر حقدا عليكم من الإسرائيلي!
     كلام خطير جدا، والأخطر التفاعل مع العنصري من أصدقائه، فهذا يصفق له، وذاك يذكره بجريمة ما ليزيد الدليل دليلا… وثالث يقول له إن سبب الحرب الأهلية هؤلاء الأجانب أي العرب… وخامس يدعو إلى الانتقام وطرد كل عربي/ أجنبي من لبنان… وعاشر يدعو إلى إعلان الحرب على كل سوري أو فلسطيني أو رميه في البحر، إلخ!
     وترتفع وتيرة هذه الأحقاد مع كل جريمة قتل أو اغتصاب… وتشعلها بعض وسائل الإعلام… وتطلق العنصرية في السر أكثر من العلن… وتنفجر في العلن أيضا عند اذكائها…
    والغريب أن مطلق العبارات العنصرية ذو لسانين عادة… فمع السوري أو الفلسطيني الثري يتكلم بلسان حلو… فيما يشن حربه على المنكوبين.. وينافق لسياسيي تلك الشعوب أحيانا… 
    والغريب أنه يلجأ إلى التعميم هربا من ذكر الأسماء… وهنا يقول له المنطق: يا أخي، إن كان قد اذاك فرد معين، سمه، ولا تعمم، أصابعك ليست متشابهة..!
    صفوة القول إن العنصرية مرض قاتل، يجب معالجة ضحاياه سريعا، قبل فوات الأوان… لكن على ما يبدو، فإن هذا الداء الخطير أصاب بعض الأفراد الذين ينتظر منهم توعية الشعب لا تحريضه… أي الفلاسفة والشعراء والدكاترة… وهنا، تغدو المهمة أكثر خطورة وصعوبة وتعقيدا.. 
    (ملاحظة أخيرة… لا أعمم في أي حكم… وكلامي موجه للعنصري فقط… لأن في لبنان والوطن العربي من يحارب بشراسة ضد العنصرية ويعلم الكون معنى المحبة والتسامح….)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: