د . سحر محمود عيسى تكتب : أيها الأطباء رفقا بقلوب هؤلاء!

 

استمعت إلى مناقشة حادة بين أحد الأطباء وأحد المرضى حول جنيهات قليلة لإجراء عملية ،والحقيقة كم أحاطتنى الدهشة  وتملكنى الذهول ، فالمريض فى حالة يرثى لها  والجنيهات القليلة لن تضف للطبيب مالا أو جاها أو مكانة ،لكنها  قد تشكل أزمة للمريض الذى أعياه الفقر والمرض  والوجع وقلة الحيلة ! هو ومن حوله من الأهل .

 زاغت الأبصار  من هذا الكم من الأوراق والتحاليل والأشعة والتوقيعات والأظرف الصفراء والحمراء “شنطة أوراق “متنقلة لا يعرف المريض  عنها شيئا سوى أن “البيه “طلب هذا ! بالمناسبة كلمة “البيه” أو “الباشا “ليست تعليقا منى ،  فهى رصد لما شاهدته بنفسى بل ان بعض الأطباء يفرح جدا بلقب الباشا! وما علينا من الباشا أو البيه، فما يدعوك للدهشة والألم حقا ،أن بعض الأطباء يحملون حجرا صلبا فى قلوبهم يحملونه معهم أينما ولوا وجوههم ،فى المستشفى ،فى العيادة ،فى المراكز الطبية ،وتحضرنى بعض المواقف التى ترسم صورة لهؤلاء الذين جعلوا من الطب تجارة مربحة أكثر منها مهنة سامية :

– طبيب يطلب كما من الأشعة والتحاليل بداع وبدون داع ،ولا يجهد نفسه فى السؤال عن هذا الجيب الخاوى والقلب الضعيف والوجه الذى كسته علامات العجز والمرض والفقر والجهل أيضا ،  ذلك القلب الواهن الذى سيقوم بدفع ثمن كل هذه الأشعة  والفحوصات والتحاليل ،وليت  الأمر يتوقف على هذا ،فالطبيب قد يحول المريض على مركز معين نظرا لتبادل المصالح والمنفعة بينهما ،ولا يفكر لحظة فى  أن هذا المركز ربما يكون بعيدا عن المريض أو مجهدا أو مكلفا  أو أو ….ولعل الأمر قد يتطور  إلى أن الطبيب الزميل قد يطلب إجراء هذه التحاليل  والأشعة وووو من جديد  بحجة التأكد أو  أنه يشك فى شئ ما أو التاريخ قديم أو لتحويل المريض الى صديق آخر ايضا !

– طبيب يأمر -وتأمل كلمة يأمر- المريض بشراء الأدوية من صيدلية معينة  أيضا تطبيقا لنظرية  تبادل المنافع والمصالح !والويل كل الويل للمريض لو فكر المريض  فى مراوغة أو هروب أو عدم استجابة للأمر فبعض المرضى بتلقائية وبساطة وعفوية “وغلب “يقولون : “المهم نكشف ونشترى من  أى مكان هو الدكتور هيعرف منين “؟ عزيزى المريض المصرى الطيب لازم تشترى  من المكان المحدد لأن “الباشا “سيراجع بنفسه علبة  الأدوية  – ليس اطمئنانا على  مطابقتها للروشتة كما قد يتوهم بعض الغلابة بل اطمئنانا على نفسه-  وسيتأكد من ختم الصديدلة وسلم لى على مهنة القلوب الرحيمة!

– طبيب تمتلئ عيادته بكتل بشرية متجمعة فى مكان واحد، ووجوهم تنطق  بالألم والحيرة والتمزق والشجن الخوف من المرض والمجهول ،الخوف مما سيقوله الطبيب ،الخوف مما سيدفعه  من نقود ،الخوف على توفير لقمة العيش للغد ،الخوف من اشياء وأشياء  يعلمها هو ولا تعلمها أنت !ومع هذا  التجمع البشرى فى مكان يحوى مروحة منخفضة تعطفا من الطبيب الذى لا  تعجزه مليون مروحة  أو تكييف ولكنها النفوس المريضة تجمع بشرى ترك كل مهامه وأشغاله ،بل وترك لقمة عيشة فى انتظار” الباشا “الذى تأخر كثيرا بلا كلمة اعتذار  أو توجيه تاركا هذه الكتل البشرية المريضة تتألم من المرض ،والحر، والانتظار وإذا  أسعدك الحظ وحضر الباشا فعليك الانتظار  أيضا حتى ينتهى من المكالمة الطويلة ،أو الاتفاق على أجر عملية – وكأنها صفقة عمره- ،أوالانتهاء من صفقة الأدوية مع أحد مندوبى شركات الأدوية  أو للاحتفاء بمناسبة ما مع زملائه أو لسبب خاص لا نعرفه !

أيها الأطباء رفقا بقلوب المرضى التى أعياها الفقر والألم والعجز ،رفقا بذويهم الذى يكتمون صرخات حية فى داخلهم ولا يبثون شكواهم إلا إلى خالقهم وحده فهو سبحانه الأعلم بهم وبحالهم ،وهو الأرحم عليهم من قلوب البشر ،رفقا بالأجساد المنهكة الضعيفة التى تحمل “شنطة أوراق “دفعت فيها ما تملك وما لا تملك ،أجساد ضعيفة تحمل جيوبا خاوية إلا من الستر، رفقا بالنفوس المنكسرة الجريحة التى ” حوشت” تمن الكشف من الضمان الاجتماعى أو الراتب أو ( السلف ) من الأهل والجيران ،وما زالت تحمل “هم “تمن الأدوية رفقا بمصر الطيبة وبأبناء أرضها الطيبين!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: