أشرف الريس يكتب : التحول الديموقراطى لايتحقق دون فصل الدين عن السياسه

إن إمتلاك الرؤيه الشامله بعيدة المدى هو أول خطوه على طريق التحول بإتجاه الديمقراطيه و التقدم و أول مكونات هذه الرؤيه هو الفصل ( و ليس الإلغاء ) بين السياسه و الدين فالأولى مُتلونه مُتغيره و مُراوغه و الثانيه ثابته و مُنزهه و واضحه ,, و قديماً قال الفلاسفه إنها ليست مجال عمل الرجل الفاضل لأنها تستند إلى منطق ميكيافيلى بحت ( الغاية تبرر الوسيله ) و السياسى الماهر هو من يجيد تَلقى دُروس مِكيافيللى التى صَاغها فى كتابه الأشهر ” الأمير ” الذى يُقدم فيه نَصائحه للحَاكم كيف يكون مُراوغاً مُناوراً ومُخادعاً أيضاً أما الدين فهو مُقدس فى نفوس مُعتنقيه يَحُض على الفضائل و القيم النبيله و إختلاطهما معاً بالتأكيد سوف يؤدى إلى الإساءه للدين و الإضرار بالسياسه أيضاً معه ,, و لقد مَرت دول العالم المُختلفه التى قطعت شوطاً على طريق الديمقراطيه و الحُريه و التى حَققت قفزات نَوعيه فى مَجالات الحياه المُختلفه بِمَرحلة تَحول أو مَرحله انتقاليه عَبرت فيها من السلطويه و الديكتاتوريه إلى الديمُقراطيه و من التخلف إلى التقدم و كان العُنصر الأهم و الأبرز الذى مَيز تَجارب الشٌعوب و الدول و حدد ثمن التحول و مداه الزمنى هو مَدى إمتلاك النظام القائم رؤيه واضحه و مُحدده و تَحليه بالشجاعه الكافيه للعُبور نَحو المُستقبل فَمَن إمتلك هذه الرؤيه دَفع ثمناً أقل و أحدث عملية التحول و الانتقال فى وقت مَعقول كان السير فيه باتجاه واحد عكس حال النٌظم التى افتقدت الرؤيه و الشجاعة الكافيه حيث كان الثمن باهظاً و كان السير على طريقة خطوه للأمام وخطوتين و رُيما عشره للخلف ,,, , و لقد إختبرنا فى مصر خلط الدين بالسياسه منذ عام ١٩٥٢ و وصلنا إلى الذروه فى عَهد الرئيس السادات إلى نهاية عهد المخلوع مُبارك فكان السير خطوه للأمام و خطوتين للخلف و جاء زمن الجماعه بقيادة جاسوسهم مرسى العياط فكان الخلط شديداً و من ثم كان الثمن باهظاً حتى بالنسبه للدين الذى تَعرض للإهتزاز فى نفوس كثيرآ من الشَباب المصرى و ظهرت على السطح ظواهر الغِش و الخِداع بإسم الدين فكان منطقياً أن يَخرج علينا للأسف من يعلن إلحاده الناتج عن عدم إيمانه بالدين بسبب ما قدمه البعض له من رجاله المُتأسلمين المٌنافقين و ليس المٌسلمين على الإطلاق ,,, و بعد أن جاءت ثورة الثلاثين من يونيو و التى كان من ضمن ماطالبت به إنشاء دوله مدنيه حديثه تستند إلى القيم الإنسانيه و المواطنه و المساواه و عدم التمييز إلى فصل الدين عن السياسه و طالب الرئيس عبدالفتاح السيسى بإصلاح الخطاب الدينى و بدا أن بلادنا تسير باتجاه إمتلاك الرُؤيه اللازمة لتَحقيق عَملية التَحول العَصى فى منطقتنا و ثقافتنا و لكن سُرعان ما بدا واضحاً أن الرؤيه اللازمه غائبه بالفعل و ما يحدث إن مُجتمعنا يسير خطوه للأمام ثم يرتد خطوتين أو ثلاثه إلى الخلف و على سبيل المثال التطورات التى مر بها مجتمعنا على مدار العامين و نِصف الماضيين ففى الوقت الذى نَتحدث فيه عن ضَرورة تَطوير مَناهج التعليم و التَخلص من اللغو و الحشو و إتباع الطُرق الحَديثه فى وضع المَناهِج و التى تحفز التفكير الحُر والخَلاق بعيداً عن الحِفظ و التَلقين و تزييف التاريخ قرر رئيس الوزراء السابق ( إبراهيم محلب ) ضم الدكتور عباس شومان صاحب فتوى أن مُرسى ولىّ أمر و تجب علينا طاعته فيما يتخذ من قرارات إلى لجنة تطوير التعليم !! و تقدم حزب النور السلفى برؤيتهِ لتَطوير التَعليم على طريقة برهامى و الشحات !! و تَبع ذلك قرارات غريبه و مُستفزه مثلما حدث من قرابة العام تقريبآ بإرسال بعثة إلى باكستان لدراسة تَجربتها فى تطوير التعليم !! و أكثر من ذلك كإصدار المحكمه الإداريه العُليا حُكماً يَحظر الإضراب و يُعاقب كل من يُضرب عن العَمل بالفصل من الوَظيفه مؤكده إن الإضراب مُخالف للشريعة الإسلاميه !! و أنا أتساءل ماعلاقة الشَريعه بالإضراب عن العمل ؟ لا أدرى فالإضراب مهما كان موقفنا منه فهو حقٌٌ أصِيل من حُقوق العَامل و المُوظف قد تَرد عليه بعض القيود و الضوابط لكنه أبداً لا يمكن تَجريمه ناهيك عن وَصفه بالمُخالف للشريعه !! و بعد ذلك ببضعة أسابيع خرجت علينا وزارة الماليه بالقول إنها سوف تصدر صُكوكاً إسلاميه !! و يعلم دارسوا الإقتصاد جيدآ أن رأس المال لا دين له و أنه لا يمكن تَديين الوسائط الماليه و أن القضيه برُمتها ما هى إلا دغدغه لمشاعِر بُسطاء المِصريين لا أكثر و لا أقل ,, إذآ لماذا هذا التَوجه من مسؤلى الدوله نحو تَديين المَجال العام فى وقت تَتَطلب فيه عملية التَحول التى تَمر بها البلاد إلى الفصل ما بين الدينى والسياسى ؟ لمَصلحة مًن يتم ذلك فى وقت يسعى فيه رئيس الجمهوريه إلى امتلاك رؤيه واضحه نحو المُستقبل و كل ما يجرى على الأرض يُعرقل الوصول إلى هذه الرؤيه و من ثم يُطيل من عملية التحول و يرفع ثمنها ,, إن مُشكلة الإغراق فى تديين المجال العام أنه يضرب الرؤيه و يُعيدها إلى المُربع الأول و إلى السِجال حول الغيبيات و هو أمر لن تَصبر عليه الأجيال الجديده طويلاً و يُمكن أن ترد عليه بالهجره من الوطن مادياً و الأخطر ثقافياً و روحياً أيضاً .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: