الإثنين , مارس 1 2021

ثريا بن الشيخ تكتب ……ما تبقى من الزمن الاسطوري غير الطيور ..

عجيب أمر الطيور ، وهي تستقبل الحياة كل يوم مغردة سعيدة بنور الشمس ..قد تبدو اللوحة لأول وهلة محيرة للبصر ، خاصة وأنها تقدم شبح عصفور يحترق وسط الوان نارية ..هي إحدى اجمل قصص الوجود . للطيور فلسفة خاصة جدا . وهي تسبح في خشوع مصطفة تعانق السماء والأرض في آن . ان لحظة الخشوع هذه لا تترك مجالا لسلاسة الأنفاس وهي تقدم للرائي (وهو الناظر الكاشف ) انموذجا معجزا لعشق الحياة الروحية التي تستقل عن رقابة العالم المادي الذي لا يذعن الا لنداء الغرائز . كل العصافير كائنات أسطورية وبجميع احجامها . والحقيقة الثانية تكمن في إدراك الكائنات لأهمية الارض في تحقيق هوية الانتماء . رمزية الطيور عميقة مشتركة في ميثولوجية الوجود على الإطلاق . وهي تحمل رسائل السلام ، تسكنها الأرواح الطاهرة وقد تمثلت بها روح القدس وهي تنزل على العذراء مريم .وحضورها في الشعر وفي الفنون الجميلة عمق دلالاتها وتداعيات تلك الايحاءات . لا تنكر الذاكرة ان اللوحة توحي بالنار وهي تحرق الكائنات التي تضمن جمال الارض ، وهي نظرة تكتسح حاسة البصر التي تستنكر الفعل نفسه . فعل الانغراس هذا تجلى في نبات شوكي يمارس سلطته على الطائر في فعل إرادي يحمل أكثر من دلالة . الطائر وهو يحتضر ،يوهم الرائي بالفرح وبالرقص وهو في الحقيقة يعيش أقسى مراحل الوجع …تذكرنا اللوحة بقول ابي الطيب المتنبي : لا تحسبوا رقصي بينكم طربا
فالطير يرقص مذبوحا من الالم ..
هذا الطائر الاسطوري ،يختار زمن الانتحار قبل انتشار الحريق حوله . واللافت أنه وحيد وسط ألوان نارية أشعلت اللوحة واكسبتها طابع قيامة يتفرد بها الفاعل حتى لا يشهد غيره زمن الفجيعة . الطائر الاسطوري يضع حدا لحياته حتى لا يواجه واقعا حادا يعصف بكل معتقداته السابقة . هو يوفر على نفسه مذلة مواجهةحقيقة جديدة جارحة . لقد اصبحت الحروب اليوم بداية ربيع مزعوم انقلبت اثره كل الموازين . واختفت الحقيقة في اكثر الغياهب عتمة . هي قيامة جديدة وضعت حدا للمعتقدات السابقة ووضعت في الميزان أكثر هذه الحقائق رسوخا في ذهن الإنسان . الا ان الاسطورة انتعشت من جديد في بعث للنفس وهي تبحث عن تموقع جديد ضمن لائحة الشك واليقين . حين يعجز العلم ويحتار العقل ،تعود الإنسانية من جديد إلى زمن البدء ، حيث كانت الذاكرة شبه صفحة بيضاء وهي تراكم من جديد منعطفات جديدة لحركة التشظي . اللوحة اسرة وهي توقض فينا الرغبة في قراءتها من جديد وفي قراءة أنفسنا عبرها. ففعل التلقي هو الذي يولد ما باللوحة كنص غامض صامت من طاقة معنى ليصبها في دلالات إنسانية مشتركة لم تكن موجودة قبل فعل القراءة 

 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: