الإثنين , سبتمبر 21 2020

إعدام المفكر السوداني محمود محمد طه (1909-1985) ★

✯ عارض طه “قوانين سبتمبر 1983” المعروفة بقوانين الشريعة، وأصدر منشوراً طالب فيه بتنقية الدين من التشويه الذي ألحقته به تلك القوانين .
وقال أنها :”مخالفة للشريعة ، حيث أباحت قطع يد السارق من المال العام، مع أنه في الشريعة، يعزر ولا يحد لقيام شبهة مشاركته في هذا المال.. بل إنها أضافت إلى الحد عقوبة السجن والغرامة، مما يخالف حكمة هذه الشريعة ونصوصها..
ثم إن الحدود لا تقوم إلا على أرضية من التربية الفردية ومن العدالة الاجتماعية، وهي أرضية غير محققة اليوم..
إن هذه القوانين هددت وحدة البلاد، وقسمت الشعب في الشمال والجنوب بما أثارته من حساسية دينية . “.
✯ وعلى إثر هذا المنشور قامت قوات نظام النميري باعتقاله و سرعان ما صدر الحكم بإعدامه ، بتهمة التحريض ضد قوانين الدولة. و أيدت محكمة الاستئناف الحكم، بعد أن حولته إلى الردة عن الإسلام. و صدَّق النميري على حكم الإعدام، وتم تنفيذه صبيحة يوم الجمعة 18 يناير1985.

✯ في شهادة عيان تصف مراسلة نيويورك تايمز إعدام طه :
⚔ بدا أن كثيرا من الحاضرين، الذين يقدرون ببضع مئات، يعرفون بعضهم البعض. ظلوا يحيون بعضهم البعض ، بتحية الإسلام ” السلام عليكم” .
⚔ الرجال يتضاحكون ويتجاذبون أطراف الحديث، حول حالة الطقس، بشائر محصول تلك السنة، والحرب التي لا تنتهي في جنوب السودان. 
ورويدا رويدا، جلس كل واحد على الرمل، تحت وهج الشمس، التي بدأت حرارتها تزداد قسوة مع كل دقيقة تمر. 
⚔ كان الموعد المعلن لتنفيذ الحكم هو الساعة العاشرة.
⚔ قبل الزمن المحدد بقليل، قيد طه إلى الساحة ، كانت يداه مربوطتان خلف ظهره، بدأ لي أقل حجما مما كنت أتوقع ، وبينما كان الحراس يسرعون به إلى الساحة، بدا لي أصغر من عمره البالغ ستة وسبعين عاما.
⚔ سار مرفوع الرأس، وألقى نظرة سريعة على الحشد. عندما رآه الحاضرون، انتصب كثيرون منهم، وطفقوا يومئون ويلوحون بقبضات أيديهم نحوه. ولوح قليلون منهم بالمصاحف في الهواء.
⚔قبل أن يضع الحارس الذي قام بالتنفيذ، كيسا ملونا على رأسه . ولن أنسي ما حييت، التعبير المرتسم على وجهه. 
⚔ كانت عيونه متحدية، وفمه صارما، ولم تبد عليه مطلقا أية علامة للخوف. 
⚔ بدأ الحشد في الهتاف، بينما كان مجندان سودانيان يضعان عقدة الحبل على المكان المفترض أن تكون فيه رقبة طه. 
⚔ ورغم أن ضجيج الحشد قد ابتلع أصوات الجنديين، إلا أنه بدا وكأنهما كانا يصيحان ضده. 
⚔ فجأة تراجع الحراس للوراء، ثم سُحبت أرضية المنصة. فاشتد الحبل، واهتز الغطاء الموضوع على جسد طه في الهواء.
⚔ اشتعل الهدير في الساحة “الله أكبر”. 
وتكثف الهتاف عندما بدأ الحشد في تكرار الهتاف بشكل جماعي، “الإسلام هو الحل”.
⚔ الرجال الذين امتلأوا حماسة، عانقوا وقبلوا بعضهم البعض. 
⚔ أحد الرجال الذين كانوا بجانبي صرخ، “أخذت العدالة مجراها”، ثم جثا على ركبتيه، ووضع جبهته على الرمل وتمتم بصلاة إسلامية. 
⚔ الحالة الاحتفالية التي جرت من حولي، صعقتني، وأصابتني بالغثيان. وقد كنت بالفعل، عاجزة عن النطق . 
⚔ لويت عنقي لألقي نظرة أخيرة على المشنقة. 
⚔ كان الكيس، وجسد طه لا يزالان متدليان على الحبل. 
فتساءلت في نفسي : متى سينزلونه؟.
⚔ لدى كثير من السودانيين الذين هللوا لإعدامه في ذلك اليوم، فإن طه قد اقترف أسوأ جريمة يمكن أن ترتكب. 
لقد أدين بتهمة الردة ، وهي تهمة نفاها طه، الذي أصر حتى النهاية، أنه ليس مهرطقا، أو مرتدا ، وإنما مصلح ديني، ومؤمن وقف في وجه التطبيق الوحشي للشريعة الإسلامية، “قانون المسلمين المقدس” والطريقة التي فهمها ونفذها بها نميري. 
من وحي الموقف، أحسست، أنا أيضا، أن طه لم يقتل بسبب يتعلق بنقص في قناعته الدينية، وإنما بسبب من نقصهم هم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: