رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : إدارة التوحش

عندما يقول الرئيس الامريكي دائماً إنه يخوض الحرب من أجل السلام، كما لو انه يردد عبارة في رواية جورج أورويل 1984 الذي يمارسه الحزب الحاكم في الرواية عن طريق الدعاية وقلب المفاهيم:
“الحرب هي السلام، الحرية هي العبودية، الجهل هو القوة” ،
هي شعارات الحزب الحاكم في رواية جورج أورويل “1984” ومع الوقت يتقبل الناس هذه الشعارات بالتكرار من خلال الاعلام والافراد تبعا لذلك لا يصبحون احراراً إلا اذا صاروا خاضعين خانعين وهذا الخنوع المريح يعفي من الصراع ومن الحرية بل هو قوة.
لم تكن الولايات المتحدة في كل حروبها مهددة بخطر وجودي جوهري ومع ذلك دخلت في حروب تحت شعار” الامن الأمريكي” أو” الاستقرار الداخلي” لكن النتائج في كل الحروب بلا استثناء جاءت معاكسة اذا خلقت عدم الاستقرار في امريكا نفسها وهددت الامن الداخلي وحتى احداث 11 ايلول 2001 وحسب الفيلسوف جان بودريار ” نحن حطمنا حياتهم وهم جاؤوا الينا” وحمل الولايات المتحدة مع الفيلسوف جاك ديريدا وغيرهما مسؤولية الارهاب.
عندما تحطم حياة مجموعة بشرية تحت أية شعارات وتهدم كيانها وتقاليدها وتقتلها وتسرقها وتفقرها، لا تتوقع سيخرج منها حكماء وفلاسفة بل شخصيات محطمة مجنونة متذمرة ثأرية ليس عندها ما تخسره.
بدل الامن الداخلي خلقت الحروب الخوف الداخلي من الانتقام. لكن لنفكك العبارة أكثر من الظاهر” الحرب هي السلام” لكن سلام من؟ سلام النخبة الحاكمة والطبقة المالية والشركات والكارتلات الكبرى التي ترفع قبل كل حرب شعار” الاعمار” قبل بداية ” التخريب” وتوزيع حصص ” الاعمار”.
يقول الصحفي بوب وودورد مؤلف” خطة الهجوم” وهو أكثر كتاب أمريكا مصداقية ومن أسقط الرئيس نيكسون في فضيحة وترغيت:
” قبل غزو العراق كانوا يجلسون في المكتب البيضاوي وأقدامهم على الطاولة في وجوه بعضهم على طريقة الكابوي ويتقاسمون اعمار مؤسسات ستدمر” ويتكلمون عن العرب بلغة سوقية لان بوش الابن والجنرال تومي فرانكس الذي قاد الحملة من تكساس ويستعملون اللغة التكساسية السوقية الشارعية ولغة الحثالات التي يعتذر بوب وودورد عن ذكرها لانها مخزية.
كل حروب الولايات المتحدة الامريكية في دول بعيدة خارج الامن القومي، مما يخلق حالة طوارئ وسيطرة باثارة المخاوف لكن انهاء الحرب هو ما يهدد استقرار النخب الحاكمة والمالية ويبدأ الناس بطرح الأسئلة: ما جدوى الحرب؟
الامبريالية الجديدة حسب المفكر الماركسي المستقل دافييد هارفي ليست نقيض الامبريالية القديمة بل شكلها المتطور في نزع الملكية من الجماعات والافراد والدول الذي أطلق عليه التراكم ــــــــــــــــــ رأس المال ـــــــــــــ عن طريق نزع الملكية Accumulation by Dispossession ويقترب من تحليل ماركس في ان الرأسمالية في طورها الامبريالي المتوحش ستنهار لكنه يختلف عنه في قدرة الرأسمالية على تلقيح نفسها عن طريق العلوم والاختراعات وليس عن طريق العنف كما النظم الايديولوجية، لكن لا تستطيع الامبريالية الجديدة الى ما لا نهاية البقاء قوية في وجه العنف الداخلي الذي تخلقه، عنف الطبقات المهمشة وخاصة طبقة البريكاريا Precariat التي ليست بروليتاريا رثة كما في لغة ماركس التي كانت مهمشة كليا ومقصية من العمل والحياة والفرح البشري بل البريكاريا ـــــــــــ نحت من كلمتين: مهمش وطبقة عاملة ــــــــــــــــ من قبل عالم الاجتماع الاقتصادي البريطاني جاي ستاندينغ لــــ وصف” الفئة التي تعيش حالة من الهشاشة وعدم الأمان الوجودي، وهي سمة أساسية لنظام الرأسمالية النيوليبرالية المعولم” عمل هش، مؤقت، قصير، بلا ضمانات، حالة اغتراب، مشاعر اذلال، بلا هوية مهنية.
يؤكد ديفيد هارفي” إن البريكاريا هي نتاج عمليات الإمبريالية الجديدة التي تعتمد على “التراكم عن طريق نزع الملكية حيث يتم تفكيك شبكات الأمان الاجتماعية والوظائف المستقرة لخلق قوة عاملة مرنة ورخيصة يسهل التخلص منها” وهي ليست البروليتاريا الرثة التي تحدث عنها ماركس وانجلس رغم شراكة في التهميش العام ، لكن طبقة البروليتاريا الرثة من العاطلين والمتسولين والمشردين ومستبعدين من الانتاج وهي الفئة التي رأى فيها ماركس قابلية التجنيد للشرطة السرية والأمن والعصابات، في حين طبقة البريكاريا من المتعلمين الذين يقومون باعمال مؤقتة وعقود قصيرة وهي واعية لمأزقها وتعيش في قلق دائم بسبب عدم الامان الوظيفي لكنها شريكة في الانتاج بعقود مرتجلة عكس الطبقة الرثة وعلى هذه الطبقة يراهن ستاندينغ على التغيير كقوة يدفعها القهر والخوف والقلق الى هيكلة نفسها في تنظيمات بين العنف والمقاومة الثقافية وبهذه الطريقة من طرق كثيرة تخلق الامبريالية عدم الامان الداخلي عكس ما تدعي وتخلق عدم استقرار السلم الاجتماعي داخلها ومع الوقت ستنظم اليهم فئات” رثة” ومهمشة وكل من نزعت ملكيته عن طريق الاستغلال في العقارات والمصارف والعمل وفقد السيطرة على مصيره .
هارفي كماركسي مبدع وخلاق رأى تفسير ماركس في انفصال الطبقة الرثة عن العمل المنتج كلياً لم يعد ممكنا الان بصورته القديمة، لكن رأي هارفي ان الامبريالية الجديدة اعادة هندسة الهشاشة والاقصاء بهيكلة جديدة عن طريق الاندماج الهش والعمل القصير المؤقت لكن بلا حقوق. البشر اشياء تنتهي صلاحيتها وترمى.
لا تفرق الامبريالية الجديدة بين سلاح الارهاب او سلاح المقاومة بل الخطر عندها في فكرة” الولاء” بصرف النظر عن الجماعة المسلحة. قضية نزع السلاح من الحركات المسلحة ليس بسبب عقائدي او خلاف فكري بل تقاطع مصالح ولا مانع للامبريالية الجديدة من العمل مع جماعات ارهابية مسلحة ومصنفة دوليا على انها ارهابية ـــــــــــــــــ بل التحالف مع نظم بدائية سلالية متخلفة ـــــــــــــــــ اذا كان العمل معها يحقق مصالحها : المثال السوري . بل ان حلف الناتو اول من خلق منظمة ارهابية هي كلاديو وكوندور : غلاديو GLADIO ومعناه السيف أول منظمة إرهابية سرية في القرن العشرين أسسها حلف الناتو عام 1948، أو داعش حلف الناتو، وتولت تصفية آلاف في كل أنحاء أوروبا بدعم وتمويل المخابرات الأمريكية،
تقتل وتنسب القتل للمنظمات اليسارية، من البرتغال وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وباقي أجزاء أوروبا وكانت حصة الحزب الشيوعي الايطالي الاكبر في الاغتيالات لمدنيين عزل.
أما منظمة أوعملية كوندور :condor operation” فرع منظمة غلاديو التابعة للناتو التي بدأت عام 1968 كانت تصفيات جماعية واغتيالات في قارة أمريكا الجنوبية،
الشركاء حكومات الأرجنتين، تشيلي، أوروغواي، باراجواي، بوليفيا و البرازيل، الإكوادور والبيرو.
الضحايا من معارضين يساريين، قادة إتحادات العمال والفلاحين والكهنة والراهبات والطلاب والمعلمين والمثقفين وأفراد من فئات أخرى،
تجاوزت 60:000 ضحية، ولم يكن حلف الناتور بعيداً عن عملية كوندور بل كان شريكا .
كان الجنرال الدكتاتور بينوشت الذي قام بانقلاب دموي في تشيلي عام 1973 برعاية الولايات المتحدة وقتل الرئيس الشرعي سلفادور الليندي عضوا فيها لذلك تجنبت بريطانيا، الذي تواجد فيها للعلاج ، محاكمته في 16 اكتوبر 1998 بعد صدور مذكرة توقيف دولية بناءً على طلب من القاضي الإسباني بالتاسار غارزون.
لقد هدد بفتح علبة الاسرار والشركاء واطلق سراحه، وكان البابا السابق فرنسيس كان على علاقة وثيقة بأفراد عملية كوندور في أمريكا اللاتينية المتحالفة مع المافيا والناتو والمخابرات الامريكية وخاصة مذابح الدكتاتورية في الارجنتين بلده – المتفرعة من عملية غلاديو الجيش السري للناتو وهو سبب صعوده كرسي البابوية كما في كتاب” عملية غلاديو” للكاتب والمؤرخ باول ويليامز وغيره من المصادر.
في الوقت الذي تدعي الولايات المتحدة محاربة الارهاب والعنف لكنها خلقت في دول كثيرة مناخ العنف والارهاب والجريمة الذي شمل تدمير ونهب الدول وتخريب مؤسساتها الصحية والتعليمية والخدمات الاساسية كالكهرباء والماء النقي وبيئة ملوثة، فهذا وغيره يشكل عنفاًُ وجريمة ضد الكرامة الانسانية.
هذا العنف لن يخلق الامان الكاذب والاستقرار للولايات المتحدة وأوروبا الاستعمارية السياسية التي غيرت القفازات فقط بل سيجلب لها المزيد من الويلات والكوارث من داخلها ومن خارجها كالجريمة المنظمة التي تصاعدت في السويد أكثر دول العالم أمناً ورفاهيةً، ومنظمات تمرد غير تقليدية، وحركات احتجاج ستتحول بالقمع الى حركات مسلحة كما حدث في المانيا بظهور منظمة بادر ماينهوف المسلحة وفي ايطاليا منظمة الالوية الحمراء المسلحة التي اختطفت رئيس الوزراء آلدو مورو عام 1978 وقتلته ورمته في محل للنفايات في سبعينات القرن الماضي اضافة الى اغتيالات للقضاة والشرطة والساسة وغيرهم وهي منظمات بطابع يساري ثم منظمة الباسك الاسبانية وتفجيرات الشوارع والاماكن العامة.
الرأسمالية المتوحشة تحارب من يقف في طريقها وليس الارهاب بل تستعمل عصابات ومافيات في عملها ولقد استطاعت المافيا الايطالية في نابولي انقاذ الاقتصاد الاوروبي من الانهيار في اواخر التسعينات بضخ سيولة نقدية كما يذكر روبرتو سافيانو في روايته الوثائقية” كامورا” الذي تطارده المافيا منذ عشرين عاما وتهدد بقتله بعد ان نشر غسيلها من داخلها ويعيش في قبو في حماية الشرطة الايطالية تحت الارض وتحولت حياته الى جحيم. كشف عن تداخل المحاكم والاعلام ومافيا ايطاليا والشرطة والزعماء وشركات الطيران والمصارف في عمل مشترك كان صدمة للشعب الايطالي.
اذا كان النظام الامريكي الاوروبي قد نجح هنا وهناك عن طريق القوة او التلويح بها في تفكيك حركات مسلحة بالتعاون مع نظم محلية مأجورة، لكنه في الوقت نفسه يخلق العنف العشوائي غير المهيكل الذي من المستحيل السيطرة عليه كما في دول امريكا الجنوبية وفي الشرق الأوسط وآسيا.
هذا التناقض في السلوك العدواني الشرس، الزعم بمكافحة الارهاب وخلق بيئته، هو الرهان الكبير على نهاية هذا التوحش الجديد من قبل ضحايا التوحش وهو في الوقت الذي ينزع السلاح من حركات مقاومة ويسلح حركات ودول ارهاب يخلق أزمته القاتلة التي تحتاج الى وقت كي تظهر النتائج: إنها ترحل الأزمات ولا تحلها ويهمها الربح السريع ولا يهمها المستقبل.
وليس من مصلحة الرأسمالية الجديدة نزع سلاح حركات الارهاب أو المقاومة وهي لا تفرق بين الاثنين إلا في المصلحة، لأن فقدانها للصراعات والحروب يفقدها الحصول على مجالات جديدة للاستثمار الذي سيدخلها في أزمة عميقة مع نفسها ومع الشركاء في حين لا يخسر الضحايا شيئا لا يملكونه بعد نزع الملكية والثروة والأرض والانسانية. لن تكون تلك اللحظة نهاية العالم بل مرحلة مفصلية في تحول البشرية وفرصة مختلفة جديدة ولدت من صراع قرون في حياة أكثر عدالةً وأمناً وولادة تاريخ للبشرية مختلف حتى على انقاض رأسمالية متهاوية لم تمت نهائيا ولكنها لم تعد تتحكم في مصير البشر كما في عصرنا.
قصة الرأسمالية المتوحشة لا تختزل في نصر عسكري صغير هنا او هزيمة صغيرة هناك وهذا خارج قاموسها بل هي قصة مسار طويل من الجرائم والنهب والحروب ونزع الثروات بترسانة ضخمة من القوانين الدولية المكيّفة ومؤسسات دولية مدجنة وتحت السيطرة يعلن : انطلاق وحش.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى