الرئيسية / ثقافة وفنون / أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد بهيجة حافظ

أشرف الريس يكتب عن: ذكرى ميلاد بهيجة حافظ

يوافق اليوم الذكرى السنوية الـ 111 لميلاد ” سيدة السينما الأولى ” و ” مُبدعة الموسيقة التصويرية ” الموسيقية و المُمثلة و المُخرجة و الكاتبة المصرية الكبيرة و القديرة ” بهيجة إسماعيل محمد حافظ ” الشهيرة ببهيجة حافظ التى تُعد من إحدى رائدات السينما المصرية و مع ذلك لم تحظ بنفس شهرة رائدات السينما المصرية مثل ” فاطمة رشدى ” و ” اَسيا داغر ” و على رأسهن أم السينما ” عزيزة أمير ” حيث بدأت السينما المصرية فى الأساس على يد مجموعة من السيدات اللاتى عشقن مجال السينما و التمثيل فاتجهن إلى هذا العالم بأقدام ثابتة و عزمٍ من حديد و المُثير فى مسيرة بهيجة الفنية أنه لم يقف عند حد التمرد على التقاليد المُجتمعية أو دخول مُعترك لم تسبقها إليه امرأة أخرى رغم أنه كان لا يزال فى مهده و نجاحه لا يوازى أى نجاحٍ أخر و إنما يمتد إلى الصمود الذى اتسمت به خلال مسيرتها الفنية و للاَسف بعد كل هذا العطاء ماتت بهيجة وحيدة و لم تحظ بما حظيت به كُل فنانات جيلها من الشُهرة ! و قد وصفها الناقد ” سمير فريد ” بحسب ما يذكره كتاب « موسوعة صانعات الأفلام العرب » بالمثقفة الحقيقية فى جيل الرائدات و ربما يعود ذلك إلى سببين كان أولهُما لتعلُمها الموسيقى و اللغات و انفتاحها على الثقافة الغربية منذ الصغر و ثانيهُما لتأسيسها صالوناً ثقافيّاً كان واحداً من أكثرها جذباً للفنانين حتى رحيلها أما الإقتصادى العظيم فقال عنها « لقد نجحتِ هذه الموهوبة فى إنجاز ما عجز عنه الرجال » .. ولدت بهيجة فى 4 / 8 / 1908م فى حى مُحرم بك بمُحافظة الأسكندرية و كان والدها هو ” إسماعيل باشا حافظ ” ناظر الخاصة السُلطانية فى عهد سُلطان مصر ” حسين كامل ” و كان ” إسماعيل صدقى ” رئيس وزراء مصر فى عهد الملك فؤاد الاول من أقربائها و تُعتبر الراحلة هى اول امراة قامت بتاليف المُوسيقى التصويرية للأفلام فى السينما المصرية و كانت من أوائل الرائدات فى صناعة السينما و أكثرهم تثقيفاً ,, درست بهيجة فى مدرسة ” الفرنسيسكان ” و مدرسة ” الميردى ديه ” ثم سافرت الى فرنسا عندما كان عمرها 15 عام و حصُلت على شهادة جامعية من الكونسرفتوار فى الموسيقى عام 1930م و قد إختارت بهيجة الموسيقى نظراً لإنحدارها من عائلة موسيقية حيثُ كان والدها إسماعيل حافظ باشا هاوياً للموسيقى و قد مارس تأليف الأغانى و تلحينها و كان يعزف على العود و القانون و الرق و البيانو و كانت والدتها تعزف على الكمان و الفيولنسيل بينما شقيقاتها يعزفون على الآلات المُختلفة أما بهيجة فكانت تعزف على البيانو فقط و لقد كان للمايسترو الإيطالى ” جيوفانى بورجيزى ” و الذى كان يقود الفرقة الموسيقية بالإسكندرية أثر كبير فى حياة بهيجة لتردده على قصرهم فى حى محرَّم بك بحُكم صداقته لوالدها لذلك درست بهيجة قواعد الموسيقى الغربية على يديه و بدأت تعزف على البيانو و هى فى سن الرابعة ! و ألّفت أول مقطوعة موسيقية و هى فى التاسعة حيث أعجب والدها بهذه المقطوعة و أسماها ” بهيجة ” ثم ألفت بعد ذلك مقطوعتين الأولى إسمها ” من وحى الشرق” و الثانية ” معلهشى” و لم يتوقف عطاء بهيجة الفنى على التأليف الموسيقى فقط فقد أنشأت شركة إنتاج سينمائى تحت أسم ( فنار فيلم ) و أنتجت فيلم ” ليلى بنت الصحراء ” و ” الضحايا ” كما أخرجت أفلام ” ليلى البدوية ” و” الضحايا ” و ” ليلى بنت الصحراء ” الذى كان أول فيلم مصرى ناطق يُعرض فى مهرجان برلين السينمائى الدولى و ينال جائزة ذهبية و هو يمثل حدثاً تاريخياً فى الأوساط السينمائية فى ذلك الوقت لما تضمنه من ديكورات ضخمة و أزياء شدت المُتفرج و خاصة ملابس البطلة فضلاً عن الموضوع الذى كان جديداً على السينما المصرية و الفيلم هو أول فيلم مصرى يستخدم اللغة العربية الفصحى بسهولة و سلاسة و شارك فى بطولته الفنانين « حسين رياض » و « زكى رستم » و « عبدالمجيد شكرى » و « راقية إبراهيم » و قد رشح هذا الفيلم للعرض فى مهرجان البندقية عام 1938م و لكنه مُنع فى آخر لحظة لصدور قرار بمنع عرضه داخلياً و خارجياً لما تضمنه من إساءة إلى تاريخ ” كسرى أنوشروان ” ملك الفُرس و ذلك بناء على شكوى و إعتراض من الحُكومة الإيرانية و على الرغم من مكانة هذا الفيلم فى تاريخ السينما المصرية إلا أنه كان السبب فى إفلاس شركة « فنار فيلم » و إضطرت بهيجة للتوقف عن الإنتاج لمدة تصل إلى عشر سنوات لما تكبدته من خسائر نتيجة منع عرضه و مصادرته كما يُذكر لبهيجة فى مسيرتها السينمائية إجادتها لكل العناصر السينمائية فإلى جانب التمثيل و الإنتاج و الموسيقى التصويرية كانت بارعة فى تصميم الأزياء أيضاً .. تزوجت بهيجة من رجل للأسف الشديد لم يكن يُحب الموسيقى مُطلقاً ! و بذلك لم يُشاركها هوايتها لذلك طلبت مِنه الطلاق و بعد طلاقها من زوجها و بعد وفاة والدها قررت أن تترك بيت الأسرة فى الأسكندرية و تستقر فى القاهرة لتبدأ صفحة جديدة من حياتها تعتمد فيها على نفسها و تُكافح فى سبيل العيش و الفن فاشتغلت بالموسيقى و قامت بتدريس العزف على البيانو لبنات العائلات و نسخ النوتة الموسيقية للفرقة الموسيقية بالقاهرة فى مُقابل جنيه واحد للصفحة الواحدة هذا إضافة إلى الاستمرار فى التأليف الموسيقى و فى ذلك الوقت قامت بتسجيل مؤلفاتها الموسيقية لدى شركة “ كولومبيا ” بالإسكندرية و “ أوديون ” فى القاهرة فاشترت منها شركة كولومبيا أربع مقطوعات اثنتان منها “ تانجو” و الثالثة “ فالس” أما الرابعة فهى “ أنشودة إيطالية ” أما الشركة الثانية فقد اشترت مقطوعتين سجلتهما على أسطوانة واحدة و فى عام 1932م كوَّنت بهيجة ( كما نوهنا سلفاً ) شركة ” فنار فيلم ” للإنتاج السينمائى بالاشتراك مع زوجها ” محمود حمدى ” الذى تزوجته أثناء تصوير فيلمها الأول أما باكورة أعمال هذه الشركة فكان فيلم ” الضحايا ” و هو فيلم صامت يدور حول ضحايا المُخدرات و قد قامت هى ببطولته أمام  ” زكى رستم ” و عطا الله ميخائيل أما إنتاج الشركة الثانى فكان فيلم الاتهام أخرجه “ ماريو فولبى ” و قامت هى بوضع الموسيقى التصويرية و فى عام 1937م عاودت بهيجة نشاطها الفنى الموسيقى و أنشأت أول نقابة عمالية للموسيقيين و ظلت هذه النقابة قائمة حتى عام 1954م كما أنشأت صالونها الثقافى الخاص عام 1959م داخل قصرها المُجاور لقصر هدى شعراوى فى شارع قصر النيل بوسط البلد و الذى كان له نشاط ثقافى و فنى بارز و كان من الحضور الفنان ” محمد القصبجى ” و قد ظلَّت بهيجة فى سنواتها الأخيرة طريحة الفراش لا يطرق بابها إلا القليل من معارفها حتى إكتشف الجيران وفاتها بعد يومين من حدوث الوفاة و بعد حضور شقيقتها سومه و ابن شقيقها من الاسكندريه شُيع جُثمانها لمثواه الأخير دون أن يمشى فى جنازتها أحد من الفنانين ! و دفنت فى مدافن الاسره فى القاهره و لم يتم كتابة النعى فى الصحف ! أو حتى اقامة العزاء ليلا ! و رحلت بهيجة حافظ فى صمت ! بعد أن عاشت شبابها بين أضواء النجاح و الشهرة و هى التى جعلت من بيتها مزاراً لمُحبى الفن و الأدب و الموسيقى و بالرغم من أنها بدأت حياتها بالتأليف الموسيقى و كانت أول مصرية تُقبل عضواً فى جمعية المؤلفين بباريس و تحصل على حق الأداء العلنى لمؤلفاتها الموسيقية إلا أننا لا نجد الآن أية تسجيلات لهذه المؤلفات حتى كتابة هذه السُطور ! و رحلت بهيجة فى سكُنٍ تام ! بعد أن كان بيتها يضم مكتبة كبيرة و نادرة يقدر عدد ما بها من مؤلفات بنحو خمسين ألف كتاب من مختلف الآداب و الفنون العالمية كما كان بحوزتها ثلاثة آلاف مؤلَّف موسيقي و أندر النُّوت الموسيقية للأعمال العالمية و مجموعة نادرة من كتب القانون و التاريخ و الفلسفة باللغات الإنجليزية و الفرنسية و الإيطالية و الألمانية و عاشت سنواتها الأخيرة قبل المرض تقرأ وتكتب المقالات بالفرنسية وتبعثها للصحف فى الخارج كى لا تعيش عالة على أحد .. رحم الله بهيجة حافظ و تجاوز عن سيئاتها و أسكنها فسيح جناته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: