أشرف شبانه وسؤال التناقض: حين يصبح المعنى سيولةً بين المنظور والمستور.. بقلم: د. عبدالكريم بعلبكي

تنهض قصيدة أشرف شبانه على جدلية دقيقة بين المرئي والمخبوء، حيث لا يعود الحضور حالة ثابتة، بل يتحوَّل إلى ومضٍ متحرِّكٍ يتشكَّل بين الإدراك والانفلات. منذ الاستهلال “بين المنظور والمستور”، يضع أشرف شبانه قارئه أمام تجربة إدراكيَّة تتجاوز الحواس، لتغدو اللغة نفسها وسيطاً لالتقاط ما لا يُرى، وما لا يُمسك بسهولة.
يعتمد الشاعر في بناء نصِّه على تفكيك الثبات وإعادة تشكيله عبر صور ديناميكية، فالشخصية المخاطَبة ليست كياناً محدَّداً، بل طاقة متحوّلة، تتسرَّب من “مسام المعنى” وتتمدَّد في “الفراغات” كضوءٍ سائل. هنا تتجلَّى براعة أشرف شبانه في استدعاء مفاهيم علمية مثل “البلازما” بوصفها استعارة دلالية، تُضفي على الصورة الشعرية بُعداً حداثياً يربط بين الفيزيائي والميتافيزيقي في آن.
وتتعمَّق هذه الجدلية لدى أ. أشرف في توصيف الكينونة بوصفها “الهلاميَّة المتماسكة”، وهي مفارقة لافتة تختصر روح النص، حيث يتجاور التناقض دون أن يتصادم، بل يتآلف في بنية تتحدَّى المنطق التقليدي. فالمرايا، رمز الانعكاس واليقين، تعجز عن احتواء هذا الطيف، في إشارة واضحة إلى محدودية الأدوات الإدراكية أمام فيض المعنى كما يقدِّمه أشرف شبانه.
أما في المقطع الأخير، فيرتقي الكاتب بالنصِّ إلى مستوى التساؤل الفلسفي، حيث يتحوّل التناقض من حالة إلى موطن، ومن إشكال إلى هوية. الاستفهام هنا ليس طلباً للإجابة بقدر ما هو انخراط في دهشة الوجود، خاصة في صورة “نهر من جمر وثلج”، التي تختزل صراع الأضداد داخل وحدة واحدة عصيَّة على التحديد أو الاحتواء.
لغة شبانه مشغولة بعناية، تميل إلى التكثيف والانزياح، وتُحسن توظيف الإيقاع الداخلي دون الارتهان للوزن التقليدي، ما يمنحها حرية التعبير عن هذه الحالة السيّالة من الوجود.
في المحصلة، يقدِّم أشرف شبانه نصَّاً يشتغل على تخوم المعنى، ويؤسِّس لرؤية شعرية تجعل من التناقض طاقة خلَّاقة، ومن الغموض أفقاً مفتوحاً للتأويل، في تجربة لافتة تحمل عمقاً جمالياً وفكرياً واضحاً.
القصيدة:
بَيْنَ المَنظورِ وَالمَستور،
تَتَأَلقِيْنَ كَوَمِيْضٍ؛
يُدهِشُ الكَافّة،
وَ عَلَىٰ النَّقِيْضِ؛
تتقمَّصِيْنَ الظِّلالَ،
بَيْنَ المَلمُوسِ وَالخَيَال،
رَقْصَاً عَلىٰ الحَافَّة
تَتَسَرَّبِيْنَ..
مِنْ مَسَاْمِ المَعنَى،
فِيْ أنْحَاءٍ مُتَعَدِّدَة
بِلا حَائِل،
تَتَدَفَّقِيْنَ فِي الفَرَاغَات،
طَاقَةً مُتَجَدِّدَة،
كضَوْءٍ سَائِل.
أيتها النَجْمَةُ المُتوهِّجَةُ..
البَعِيْدَة،
كَيْفَ تَنْثُرِيْنَ البَهْجَة؟!
وتُثِيْرينَ الشّّغفَ وَالدهْشَة
كَيْفَ تَتَحَوَّلِيْنَ..
مِنَ الصُّورَةِ الهَشَّة،
إلىٰ بلازمَا جَدِيْدَة؟!
مَادةً فِي حَاْلتِهَا الرَّابِعَة
أيَّتُهَا النَّاْسِكَةُ الطائعَة،
الهُلاميَّةُ المُتَمَاسِكَةْ؛
بِكلِّ نعُوْمَةٍ؛
تَتكَسَّرُ المَرَايَاْ عَجْزَاً؛
عَنِ احْتِوَاءِ طَيفكِ،
لِتَظلِّي بسيُوْلَةٍ رَاْئِعَةْ.
أَيَاْ لُغزَاً فَاصِلاً،
بيْنَ روحِ الجنَّةِ وَوَهجِ النَّار؛
لسْتِ جَسَدَاً،
فَلَمْ أعَانِقْ وَهْمَاً مِنْ قَبل
لَسْتِ شَبَحَاً
فَأنَا مَازلْتُ بِبَقِيَّةٍ مِنْ عَقل؛
عَلِّمِيْنِيْ؛
كَيْفَ يَصِيْرُ التنَاقُضُ وَطَنَاً؟!.
أيَا نَهرَاً مِنْ جَمْرٍ وَثَلج؛
كلَّما حَاوَلْتُ..
أَنْ أَرسُمَ لَهُ ضِفَافَاً؛
غيَّرَ مَجْرَاهُ،..
فكَيْفَ بِيْ؛
إِذَا هَمَمْتُ بالسبَاحَةِ فِيْهِ؟!.