كتاب وشعراء

بين بريق التراث وظلال الدجل تُبعث الخرافة في ثوب العلاج بالأعشاب في اليمن… بقلم د/ فؤاد المزاحم

لقد تحول العلاج بالأعشاب في الآونة الأخيرة من “طب شعبي تكميلي يعتمد على الخبرة المتوارثة المحدودة، إلى تغول عشوائي يقوده أشخاص لم يطأوا عتبات كليات الطب ولا فقهوا أبجديات “علم العقاقير” (Pharmacognosy). إننا نشهد اليوم ولادة خرافة المستحضر السحري الذي يعالج المستعصي من الأمراض، ويُروج له بمصطلحات علمية مسروقة لتضليل الوعي العام، وهو في الحقيقة خلطات عشوائية تفتقر لأدنى معايير السلامة.
في زمنٍ بلغ فيه الطب الحديث درجات عالية من الدقة في التشخيص والعلاج، تعود الخرافة اليوم لا بصورتها القديمة الصريحة، بل في هيئة جديدة أكثر قدرة على الخداع: لغةٌ علمية مستعارة، ومظهرٌ مهنيٌّ مصطنع، وادعاءٌ بالعلاج بالأعشاب على أيدي أشخاص لا صلة لهم بالطب، ولا درسوا علومه، ولا تلقّوا تدريبًا سريريًا، ولا يملكون تأهيلًا علميًا أو ترخيصًا مهنيًا. وهنا لا نكون أمام معرفة شعبية بريئة، بل أمام خرافة حديثة ترتدي معطف العلم، وتستثمر ثقة الناس وآلامهم وحاجتهم إلى الشفاء.

المشكلة ليست في الأعشاب من حيث الأصل؛ فالنباتات كانت ولا تزال مصدرًا مهمًا لعدد من المركبات الدوائية، وبعض الأدوية الحديثة تعود في جذورها إلى مواد نباتية فاعلة. لكن الفارق الحاسم بين الطب المبني على الدليل وبين الدجل المغلف بالتراث هو أن العلم لا يكتفي باسم العشبة ولا بالخبرة المزعومة، بل يسأل عن المادة الفعالة، والجرعة الدقيقة، والسمية، والتداخلات الدوائية، والآثار الجانبية، ونقاوة المستحضر، وطريقة تصنيعه، والدراسات السريرية التي تثبت فعاليته وأمانه. أما الخرافة الجديدة، فإنها تقفز فوق هذه الأسئلة كلها، وتستبدل المنهج العلمي بالدعاية، والبرهان بالحكاية، والتخصص بالثقة الزائفة.

ومن هنا يصبح من الضروري التفريق بين الطب النباتي المنظم وبين الفوضى العلاجية المحلية. ففي كثير من الدول، لا تُتعامل الأعشاب بوصفها وصفات مرتجلة، بل بوصفها مواد دوائية محتملة تخضع للاستخلاص والتحليل والتقييس والرقابة والتصنيع المنضبط. أما حين تُطحن الأعشاب في البيوت، وتُخلط بوسائل بدائية، وتُقدَّم للمرضى بجرعات جزافية، ومن غير فحوص، ومن غير ضبط للجودة، ومن غير معرفة بالتلوث أو التداخلات أو المحاذير، فنحن لا نكون أمام طب بالأعشاب، بل أمام عبثٍ بالصحة العامة.

ومن حق المجتمع والاعلامي، بل من واجبه،
أن يسأل: أين الشهادات العلمية لهؤلاء الذين يتصدرون المشهد؟
أين دراستهم الطبية أو الصيدلانية أو البحثية؟
أين تدريبهم السريري؟
أين أبحاثهم المنشورة؟
أين الجهات العلمية أو المهنية التي اعتمدتهم؟ وأين المصانع أو المختبرات المرخصة التي تُحضَّر فيها هذه المنتجات وفق معايير الجودة والسلامة؟
هل الإعلاميين والمروجيين سالتم عن شهادة ودراسة وابحاث من تنشرون له الخبير بالأعشاب
هل درس الطب وعرف تشريح وفسلوجيا الجسد

هل يوجد مصنع موحد يصنع الأعشاب للخبراء

هنا مزولة مهنة علاج جسد الإنسان لا تقبل ادعاء الخبرة بدون العلم ودراسة الطب

وكيف يستقيم عقلًا ومنهجًا أن يَدّعي شخص أنه خبير أو طبيب، ثم يخلط “العلاج” في منزله، ويعبّئه بطرق بدائية، ويصفه للناس كما لو كان دواءً خضع للتحليل والاختبار والرقابة؟

الأشد خطورة أن هذه الظاهرة لا تنتشر وحدها، بل تجد من يلمّعها ويمنحها شرعية رمزية في بعض المنابر الإعلامية. وهنا يبرز الدور السلبي لبعض الإعلاميين وصناع المحتوى الذين يفتحون شاشاتهم وصفحاتهم لمن يقدّم نفسه “خبير ودكتور يعالج الامراض المستعصية من غير تحقق علمي جاد. لماذا لا تُطرح الأسئلة البديهية قبل الترويج؟
لماذا لا يسأل الإعلامي: ما مؤهلك الدراسي يا سعادة الخبير ؟
أين درست؟ هل يمكن تعطينا شهادتك الجامعية ننشرها مع الترويج لسعادة خبرتك أيها العالم بالخبرة
ما ترخيصك؟
ما دليلك العلمي؟
أين بحوثك؟
أين الجهة الرقابية التي أجازت ما تصفه للناس؟ إن الإعلام حين يتخلى عن وظيفته ، ويتحول إلى منصة ترويجية، لا يكون محايدًا، بل يصبح شريكًا في تضليل الوعي العام، وفي منح الثقة لمن لا يستحقها. بل يصبح شريك ويرتكب تضليل
مبني على جهل
والخطر الحقيقي في هذه الخرافة الجديدة أنها ليست ساذجة في ظاهرها؛ فهي تأتي بعبوات أنيقة، ومصطلحات طبية، وشهادات غير واضحة، وقصص “شفاء” فردية، وصور مؤثرة، وخطاب يوهم الناس بأنهم أمام معرفة راسخة. لكنها في جوهرها لا تختلف عن كل بنية خرافية قديمة: ادعاءٌ كبير، ودليلٌ ضعيف، واستثمارٌ لحاجة الإنسان وخوفه وألمه. وكلما استعارت الخرافة لغة العلم من غير منهجه، صارت أشد خطرًا؛ لأنها لا تصطدم بالوعي مباشرة، بل تتسلل إليه من باب الثقة. يرسخها الإعلاميين والمروجيين
فصحة الإنسان ليست مجالًا للاستعراض، ولا حقلًا للتجريب الإعلامي، ولا سوقًا مفتوحة للبطولة الزائفة.
إن الاعلامي الذي لا يسأل عن الشهادة لخبير العلاج بالاعشاب ولا عن الترخيص، ولا عن الدليل ولا عن الابحاث
ولا عن نوع الاعشاب وكيف صنعت
وماذا عن الابحاث والتجارب عنها
وعن المصانع المعتمدة في صناعتها ، يترك الخرافة تعود إلى المجتمع من جديد، لكن هذه المرة بلغة علمية مستعارة ومعطف أبيض مزيف.
باقلام وحناجر المشهورين
إن الترويج لهؤلاء تحت لافتة “الخبير” أو “الدكتور” ليس مجرد خطأ مهني، بل هو اشتراك في جريمة ضد الصحة العامة وتجهيل متعمد للمجتمع. بل أصبح الإعلاميين هم شهادة الخبير
وهم الجامعة التى تخرج منها الخبير وعالم الأعشاب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى