
أنا لا أبدأ من الحب،
أبدأ من التعب.
من جسدٍ يجرّ يومه
كما تُجرّ عربةٌ مكسورة في شارعٍ بلا نهاية،
من صوتي الذي يتلعثم
كلما حاول أن يبدو عاديًا.
أقول: صباح الخير
ولا أعنيها،
أبتسم كأنني أؤدي واجبًا مدرسيًا قديمًا،
ثم أمضي وأنا أحمل وجهي كشيءٍ زائدٍ عن الحاجة.
الناس هنا يشبهون نشراتٍ مؤجلة،
كل واحدٍ منهم يخفي خبرًا سيئًا في صدره،
ويؤجله حتى إشعارٍ آخر.
أما أنا، فأمشي بخفةٍ مصطنعة،
كأن الأرض ليست مثقلةً بكل هذا الألم،
كأنني لا أرى
ما يتساقط من عيون الآخرين
في الطريق.
كنتُ أريد أن أكتب شيئًا بسيطًا،
شيئًا يشبه كأس ماء، أو ظل شجرة،
لكن الكلمات كلما اقتربتُ منها تقدمت نحوي كجرحٍ مفتوح.
في بلادي لا أحد يملك رفاهية الشعور الكامل،
نحن نحب على عجل،
نحزن على عجل،
ونكبر كما لو أن أحدًا يدفعنا من الخلف.
أفكر أحيانًا:
هل الخطأ فينا
أم في هذا العالم الذي يطلب منا أن نكون بخير
بينما كل شيءٍ حولنا يقول العكس؟
أحيانًا لا أصدق ما أكتبه،
ولا أنتظر من أحدٍ
أن يربّت على كتفي ويقول: هذا يكفي.
أكتب لا لأنني واثق، بل لأن شيئًا في داخلي
يرفض أن يبقى بلا صوت.
تأتيني الفكرة كأنها صرخةٌ تبحث عن فم،
وأنا بفمٍ ناقصٍ أو مؤجل أمنحها الورق.
وحتى المرأة الوحيدة في حياتي،
أخاطبها بعدة أسماء:
أحيانًا باسم ظلها،
وأحيانًا باسم الضوء
الذي يحرق أصابعي قبل أن يلمس وجهي،
وأحيانًا باسم الوجع الجامح
الذي يركض كخيول برية في صدري،
يصهل بلا توقف،
ويتركني أصرخ بصمت،
كأن الكلمات تحترق قبل أن تصل إليّ.
يا أصدقائي،
لقد جئتُ إلى هذه الحياة
وفي لساني احتراقٌ صغير،
شيءٌ يمنع الكلمات أن تخرج كاملة.
لم أتعلم أن أقول ما أشعر به،
تعلمت فقط أن أسمعه من بعيد،
كأن العاطفة تخص الآخرين وأنا مجرد شاهد.
لذلك لا تستغربوا إن رأيتموني أكتب كثيرًا،
أنا فقط
أحاول أن أستعير صوتًا،
أن أجرّب فمًا آخر،
أن أقول ما لا يُقال دون أن أنكسر أمامكم.
هذا ليس شعرًا،
هذا ما يتبقى مني بعد كل يومٍ طويل.
ليس استعارة،
بل محاولةٌ رديئة لشرح ما لا يُشرح،
كأنني أضع إصبعي على جرحٍ لا أراه
وأقول: هنا،
هنا تحديدًا يحدث كل شيء.
إن بدا لكم الكلام عاديًا، فلأنه خرج متعبًا،
وإن بدا قاسيًا، فلأنه لم يجد وقتًا
ليتجمّل.
أنا لا أكتب لأُعجبكم، ولا لأضيف جملةً جديدة
إلى أرشيف الحزن،
أنا فقط أدوّن ما يمرّ بي
قبل أن يمرّ منّي
وأفقده إلى الأبد.