حمزه الحسن يكتب :نهاية بائع الأوهام

ــــ ـ نحن في زمن حلّ النصابون فيه محل الرفاق وحلّت البلاهة التجارية محل الايديولوجيا. * ميلان كونديرا عن التحولات العاصفة في بلده التشيك.
عندما كان هاني الفكيكي في المستشفى في فراشه الأخير في لندن كتب لي رسالة تعليقاً على مقال لنا في جريدة ” الوفاق” المعارضة الصادرة في لندن وكان المقال يتحدث عن العقل السياسي الرث سواء في السلطة يومذاك أو في المعارضة وكلام كثير على أن هذه المعارضة ستعيد انتاج النظام يوماً مع اختلاف الشكل لأن العقل السياسي نفسه مبني على فكرة الاحتكار والاقصاء ومُلكية الحقيقة والشرف والتاريخ والخ. عقلية الحيازة.
هاني الفكيكي 1936-2004 أحد انقلابيي الثامن من شباط عام 63 الذي أطاح بالزعيم عبد الكريم قاسم وعين وزيراً وكان في منتصف العشرين من العمر حال أغلب الانقلابيين في 17 تموز 1968، لكنه أجرى مراجعة وكتب مؤلفه” أوكار الهزيمة” وهو سيرة ذاتية حزبية ونقد لتلك التجربة.
في تلك الرسالة وكانت بخط اليد يقول فيها إنه يخجل اليوم من تلك الخطابات والبيانات الحزبية التي كان يكتبها عند قراءتها على ضوء تجربة جديدة ووعي مختلف ويصف تلك البيانات التي كانت تقود الشباب الى السجون والموت بالسذاجة والسخف والانشاء المدرسي الباهت.
لكن هذه الخطابات لا تقتصر على حزب الفكيكي فحسب وجميع الأحزاب العراقية في تلك السنوات كان خطابها انشائيا سطحياً تحريضياً لا يحمل مشروع دولة مدنية وكمية الببغاوات الملقنة من تلك الأحزاب مخيفة اليوم في نهاية السرديات الكبرى والأفكار الشمولية المفسرة لكل شيء تفسيراً لغوياً غوغائياً.
لقد اتيحت لنا فرصة الاقتراب من هذا الجيل الملقن سواء في العراق أو في المنافي عن قرب ومتابعة مراحله من فترة الى أخرى ورغم الادعاءات الضخمة من هؤلاء أنهم تركوا الأحزاب وبعضهم تركها فعلاً لكنهم لم يتركوا العقلية، عقلية الغطرسة والمحو ومشاعر عظمة فارغة وثقافة سياسية سطحية تافهة قائمة على تحيزات مسبقة وعلى أفكار مقولبة والأخطر من ذلك على الشعور بأنهم أدوا رسالة كونية مما يقتضي التعامل معهم كفصيلة منتقاة استثنائية. لكن في الواقع لا شيء من هذا.
بعض هؤلاء نتيجة الخيبة والفشل في الوصول الى السلطة وليس تحقيق حلم الحرية لأن معركتها لا تتوقف على نهاية النظرية، لجأ الى الأدب لتنظيف مسامير تابوته الصدئة، فخرب لغة الأدب كما خرب لغة السياسة: لا هو سياسي ولا هو أديب بعد أن حوله حزبه الى أنقاض وانتهى زمن التلقين لكنه من طول التجربة لا يملك قواعد حياة جديدة لا سياسية ولا فكرية وتحول بعض هؤلاء الى زبون في البرامج المتلفزة للحديث عن نقد التجربة ودوره الفكري المزيف في معارضة الحزب ولا نعرف بأية أدوات فكرية يعارض الحزب وهو حتى اليوم يستعمل لغة شعاراتية باهتة تفتقر الى مفردة واحدة من لغة الفكر الحديث.
في كتابه” نهاية الداعية: الممكن والممتنع فى أدوار المثقفين ” تعرض البروفسور المفكر والروائي المغربي عبد الإله بلقزيز الى نهايات وأدوار هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم كرسل انقاذ انتهت بحمامات دم وفشل مشاريع وخداع شعوب.
صدر الكتاب منتصف تسعينات القرن العشرين عن حال المثقفين العرب ودورهم التبشيري الرسالي المضخم ونظرتهم المتعالية لانفسهم،
داعياً هؤلاء الى الانصراف والكف عن الاوهام، فلا أحد يحتاجهم اليوم:
الدولة العربية أفلست وتغولت ولم تعد بحاجة الى مثقف يسوغ برامجها لأنها بلا برامج،
وهي لا تحتاج المثقف بل الجنرال والمخابرات وحلفاء الخارج.
ولا الحزب المعارض” الثوري الطبقي الاشتراكي الخ التسميات” يحتاج المثقف لتسويغ المشروع لافلاس المشروع نفسه، وانهيار الحكايات الكبيرة المفسرة لكل شيء،
ولم يعد الحزب يحتاج للمثقف بل للممول، ولو كان من العدو الطبقي السابق أو شيخ خليجي كان يشنع عليه كرجعي، وفكرة العدو الطبقي التي ذبحوا فيها اجيالا ودفعوها للموت في السجون تحت الاحذية بلا مشروع ثورة،
يقولون اليوم انها فكرة قابلة للتسويات، لذلك تحول المحتل الى صديق والرجعي الى حليف والاقطاعي الى رفيق درب والشيخ الى رفيق والخ هلم جرا.
أليست هذه هي نهايات الاحزاب عندما يقودها أميون وسطحيون؟ كيف انتهى هؤلاء” المثقفون” أصحاب المشاريع الضخمة الطنانة التي إنتهت بحمامات دم ومجازر؟
أين الخطاب الثوري الذي كان يقدس أوهام الناس من أجل الكسب الحزبي وليس نقد الاوهام؟
هؤلاء وجدوا أنفسهم في زمن صعب يختلف عن أزمنة ما قبل نهاية القرن العشرين،
دخل منافسون جدد الساحة من علماء وأطباء وخبراء أجناس ونجوم وطقس وعلم نفس وفضاء،
ولم تعد اللغة السياسية السطحية التي كانوا يفسرون بها كل ظاهرة
طبيعية واجتماعية ونفسية وكونية، لم تعد مقنعة بل مضحكة.
كما ان زمن الايديولوجيا المفسرة كل شيء انتهى ودخلنا عصر الثقافة والفنون والآداب وعصر المعلومات والتنوع وليس زمن المنشور والافتتاحية
والتوجيه والتلقين وحملات التشهير ضد المختلفين التي تصل الى أقصى حالات الإسفاف والدونية والمحتوى الهابط لم يتأسس اليوم بل منذ منتصف القرن العشرين وأبعد.
نحن في زمن الاسئلة الكبرى بلا وصاية وكان المثقف الداعية الثوري يحرّمها لأن التفكير من اختصاصه كما ان الحقيقة والشرف والمستقبل والحياة ايضا من اختصاصة .
هذا الدوغمائي الثورجي نفسه تخلى عنه حزبه لأنه لم يعد حزباً بل أقرب الى الشركة،
يحتاج الى شركاء ومساهمين وممولين أكثر من حاجته الى مثقفين وكتاب.
أين صار مصير هؤلاء؟ أين ذهب المثقف الداعية في نهاية أدواره؟
هؤلاء انتهوا نهايات مختلفة لكنها جميعاً نهايات تراجيدية اختلطت فيها المأساة بالسخرية أحياناً،
كما لو أننا في ملحمة شكسبيرية أو مشهد كربلائي فاجع بتعبير بللقزيز.
فريق من هؤلاء دعاة الثورة والتغيير الجذري صاروا أجراء في قناة شيخ خليجي يغدق عليهم أو في صحيفته.
فريق آخر من هؤلاء بحث عن ممول وقلب القاموس الثوري على البطانة وتخلص منه لانه لم يجن منه غير السجن والمنفى او الافلاس وسجائر المزبن،
وظهر بطبعة جديدة عن المثقف الاستراتيجي خبير في الانفجارات والعبوات واسعار البورصة والبصل وفي كل شيء. كل شيء.
بعض هؤلاء يتقاضون عدة رواتب من مؤسسات مختلفة ولحسوا الخطابات السابقة عن البروليتاريا والارامل واليتامى والفقراء لأنهم لم يجنوا منها غير الافلاس المالي والفكري والنفسي وصار يكتب مذكرات انشائية كيوميات مناضل عراقي في لندن او السويد ولا نعرف أين وكيف تم هذا النضال إلا اذا اعتبرنا التدخين والثرثرة وغرف الدخان والخمر والصهيل على أبواب العجائز الاجنبيات نضالاً.
لو دققنا في ” قائمة المطالبين بالاحتلال” من كتاب وادباء وشعراء وروائيين دفنوا رؤوسهم اليوم، لوجدنا ان غالبية هؤلاء من اليسار العراقي الذين طالبوا الرئيس الامريكي ورئيس وزراء بريطانيا باحتلال العراق وعددهم 350 موقعاً ثم كتبوا رسالة شكر لهما بعد الاحتلال في سابقة لم تحدث في التاريخ لان دور المثقف ضد كل انواع الطغيان سواء دكتاتورية او احتلال هو مشروع هيمنة وخراب مما يثبت ان هؤلاء الملقنين يجهلون تماما دور المثقف في رفض كل الاوصياء وكل الاكراهات ولا ينساق خلف اوهام الحشود حتى لو كان الثمن العزلة والاقصاء لانه ثمن الاستقلالية الفكرية المشرف. المثقف ليس مطربا يسلي الجمهور ويكون محبوب الجماهير بل يرهن كل أفكاره ضد الجمهور لانقاذه من الخداع والأوهام بصرف النظر عن رضا او غضب العامة لان هؤلاء ليسوا معيارا للخطأ والصواب عبر التاريخ. الحقيقة دائما انتاج افراد قلائل.
لسنا ضحايا المثالية المفرطة ونعرف ان الناس ، بتعبير نيتشه ” تحب وتكافئ من يستطيع تخديرها بالأوهام، منذ القدم والبشر يعاقبون من يقول الحقيقة، اذا أردت البقاء مع الناس شاركها أوهامها، الحقيقة يقولها من يرغبون في الرحيل”.
فريق منعته كرامته من الانحدار وصار يعاشر صور الالبوم القديم عن أيام” النضال” والفلقة وعبور الحيطان والتسلل والاختباء في التنانير وهذه هي كل سنوات” النضال”،
لا انتاج فكر ولا معرفة ولا ثقافة، ويروي للصغار قبل النوم قصة حياة تشبه
الكابوس وعن فشل مشروع وفشل لغة وفشل قصة كاذبة ضخمة عن دور رسالي لمثقف هو ببغاء ملقن ومدجن إنتهى اليوم كما تنتهى كل الأشياء بعد الاستعمال.
فريق رابع من هؤلاء ما زال يكابر ويعاند ويحلم ويرفض الاستسلام واخترع قصة وهمية ساخرة جديدة لتنظيف التابوت المغبر،
عندما صار يصرح في كل مناسبة وبلا مناسبة إنه كان مختلفاً مع الجماعة
وأخرج لنفسه قصة إضطهاد وهمية للحزب،
وفي الحقيقة ومن خلال لسانه ومنطقه وقاموسه الهزيل نعثر على مخلوق مثير للشفقة ولا يعرف انه يتحدث الى جمهور مختلف عن السابق وكما يحمل بعض الوزراء عبارة” الوزير السابق” صار بعض هؤلاء يحمل لقب” الشيوعي السابق أو البعثي السابق أو القومي السابق” وفي الحقيقة ان هؤلاء جميعا واحد في العقلية وفي النهايات وفي اللغة وفي السطحية.
لم يعد يحتاجهم الحزب في مشروع ثورة لأن الحزب دخل في مشروع شركة ولم تعد هناك أصلاً ثورة ولا بطيخ.
قبل سنوات كنت اتابع حلقات برنامج ـــ شهادات خاصة : قصة شيوعي سابق .ــ عندما شاهدت أحد هؤلاء يتحدث عن ماضيه كثوري وعن خلافاته مع الحزب، وليست أية خلافات، بل يقول ” خلافات فكرية” وفي الحقيقة لم تكن هناك خلافات فكرية كما يدعي بل عندما هرب الى الجبال والتحق بالحزب كانت لدى الحزب شكوكه وحذره من كل خارج من السجن بعد تجارب اندساس خطرة.
تحدث كيف صمد في مديرية الامن العام ورفضه الاعتراف مع اني كنت في الزنزانة المجاورة له في التاريخ نفسه مع شيوعيين ومثقفين مستقلين عندما اعترف على رفاقه من الالف الى الياء ثم حاول الانتحار وخرج من السجن بعد 3 اسابيع قال في البرنامج خرج بعد 3 شهور بعفو عام .
لم يحدث أن خرج سياسي منظم من السجن حياً ما لم يعترف في تلك الفترة. إما الاعتراف أو التعاون أو الموت.
في الحلقة نفسها اعترف انه حاول الانتحار لكنه كذب في السبب الذي كان بسبب صدمة الانهيار.
لكن الغرابة في انه يفكر بمشروع تشكيل” جبهة انقاذ” كما لو ان فتح جبهة انقاذ كفتح بقالية أو مقهى دون توضيح من اين يأتي بالاتباع؟ ومن هؤلاء المنقذين؟ ومن أي مكان قدموا؟ لكنها الغطرسة القديمة والانتفاخ الذاتي المرضي.
وهذا ليس ظاهرة نادرة أو استثنائية بل شريحة واسعة من هؤلاء تعاني من هذا الوهم المرضي بالاستحقاق بلا اية مؤهلات فكرية وثقافية.
عند الاختلاف مع هذا الصنف ينسى كل ادعاءاته الفكرية المزعومة وينسى الانقاذ واهله لان لغة السياسة والثقافة لغة لطش ولم تتجذر في حين تتداخل لغة السب والشتم السوقية تداخل أنياب الكلب لأنها لغة عميقة الجذور من الشوارع الخلفية. ينتهي المنقذ ليولد الطاغية الكامن خلف باب اللاوعي. لم تعد هذه النماذج تثير الحيرة كما في السابق وبعد تجارب صرنا نعرف كيف نتعامل مع هؤلاء المخصيين عقلياً والمخ اليابس.
فريق من هؤلاء أطلق عليهم مؤلف نهاية الداعية” اللاجئون الى الأدب”،
بعد انهيار أحلام السياسة لجأوا الى الأدب وهؤلاء كما خربوا لغة السياسة، خربوا لغة الأدب، وأضاعوا المشيتين: لا ديكة ولا طواوويس، بل مخلوقات مهجنة محطمة من الفشل والاوهام واهتزاز القناعات والثقة بالنفس ومحاولة البحث عن دور جديد على مسرح مختلف تماماً لا يتحمل هذا الصنف في زمن مختلف مفتوح على العلم والمعرفة والثقافة.
آن الأوان لهؤلاء المهرجين أن يختفوا بعد كل أنواع الفشل: فشل أدوار وفشل مشاريع وفشل لغة، والشعوب تحتاج الى المثقف النقدي الذي يكشف لها الأوهام المعقلنة والأساطير ويضيء لها طريق المستقبل أكثر من حاجتها الى ببغاء ملقن في قفص يعيد عليها الحكاية البائرة نفسها كل مرة في زمن مختلف صارت المعلومات تهبط من السماء في الحواسيب حتى في الغرف المغلقة والجدران العالية.









