
استيقظت في صباحٍ بلا اسم، ووجدت نفسها جالسة على حافة جبلٍ لم تصعده قطّ،لم تتذكّر طريقًا قادها إلى هناك ولا يدًا أمسكت بها، ولا قرارًا اتّخذته.
كانت فقط جالسة كما لو أنّ العالم نسيها في ذلك الموضع ثمّ انصرف.
الهواء بارد لكنّه لم يكن يُؤذيها والريح تمرّ خلال شعرها كما تمرّ الأصابع في صفحات كتاب قديم. أغمضت عينيها لا لتستريح، بل لأنّها كانت تخشى أن ترى الحقيقة إن فتحتهما.
في الأسفل، امتدت الوديان مثل أفواه صامتة، وفي الأعلى تجمّعت الغيوم كموظفين ينتظرون توقيعًا من السّماء، كل شيء بدا رسميًا، منظّمًا وباردًا.
وضعت يدها على حقيبتها الجلدية الصغيرة حيث كانت الحقيبة أثقل من المعتاد، فتحتها ببطء لتجد بداخلها أوراقًا كثيرة كلّها مختومة بختم أحمر، وكلّها تحمل اسمها.
لم يكن الاسم غريبًا، لكنّه لم يبدُ اسمها أيضًا،تصفّحت أوّل ورقة فوجدت جملة قصيرة:
( تمّ استدعاؤك للمثول أمام نفسك)
ارتجفت لكنّها لم تعرف لماذا، وفتحت الورقة الثانية لتقرأ:
(التّهمة: العيش بوجهٍ لا يخصك)
وفي الثالثة وجدت:
(الأدلة: سنوات من الصّمت، علاقات ناقصة، أحلام مهملة، وابتسامات مستعارة)
أغلقت الحقيبة فورًا كمن يُعيد وحشًا إلى قفصه، فنهضت مذعورة لكنّها لاحظت أنّ الجبل قد تغيّر والطّريق الذي خلفها اختفى ولم يبقَ سوى الحافة وصخرة تجلس عليها وسماء لا تبدو معنية بما يحدث. حاولت الصّراخ، غير أنّ صوتها خرج على هيئة تنهيدة.
ثمّ سمعت وقع خطوات فالتفتت لتجد امرأة أخرى تصعد من بين الضباب، كانت ترتدي الثياب نفسها وتحمل الحقيبة نفسها ولها الوجه ذاته، إلاّ أنّ عينيها كانتا مفتوحتين تمامًا بنظرة حادّة لا تعرف الرّحمة.
توقفت المرأة الأخرى أمامها وقالت بهدوء:
— تأخرّتِ كثيرًا.
سألتها بصوت مكسور:
— من أنتِ؟
ابتسمت الأخرى ابتسامة شاحبة:
— أنا التي كنتِ ستصبحينها، لو لم تخافي.
شعرت أنّ الجبل يهتزّ تحت قدميها.
أرادت الإنكار، الاعتراض، البكاء، لكنها اكتشفت أنّ الكلمات لا تعمل هنا، ففي هذا المكان لا يُسمح إلاّ بالحقائق.
جلست المرأة الأخرى على الصّخرة كما لو أنّها صاحبة المكان منذ الأزل وقالت:
— كلّما اخترتِ السّلامة كنتُ أنا من يسقط. وكلّما صمتِّ اختنقتُ، وكلّما قبلتِ حياةً لا تريدينها دفنتِني خطوة أخرى.
ثمّ أشارت إلى الوادي:
— انظري جيدًا.
نظرت فرأت في الأعماق آلاف النّساء يشبهنها، يجلسن على حواف جبال أخرى ويحملن حقائب مُمتلئة بالأوراق نفسها وينتظرن بدورهنّ أن يصلن متأخّرات إلى أنفسهنّ.
سألتها:
— وهل ما زال هناك وقت؟
أجابت الأخرى بعد صمت طويل:
— الوقت موجود دائمًا، لكنّه لا ينتظر أحدًا.
ثمّ بدأت المرأة الثانية تتلاشى مع الضّباب شيئًا فشيئًا، بينما كانت الأولى تمدّ يدها لتمنعها، لكن يدها عبرت الهواء فقط.
وحين فتحت عينيها تمامًا كانت وحدها من جديد،غير أنّ الحقيبة أصبحت فارغة والطّريق إلى الأسفل عاد ظاهرًا.