محمد عبد الباسط عيد يكتب :”أم كلثوم”علامة إنتاج جمالي

كانت أم كلثوم – بتعبير النقاد الاجتماعيين – علامة إنتاج جمالي، وكل إنتاج يرتبط بالضرورة بحاجات المجتمع، ولذا فقد كانت جزءًا من تحولات المجتمع، في حقبتيه الكبيرتين: الملكية والجمهورية، وظلت – رغم التحولات السياسية – جزءًا من الوعي الجمالي واللغوي والقومي النامي… ظلت جزءًا من الباقي وليس العابر، من طاقة التنوير التي يحتاجها المجتمع بصرف النظر عن نوع السلطة الحاكمة وإيديولوجيتها، ومن ثم كان الجميع في حاجة إلى صوت أم كلثوم الذي يتعالى بجمالياته الفريدة السياسة وتقلباتها، وكانت هي في حاجة إلى جمهورها ومسرحها الذي ستشدو فوقه، وترسل خطابها إلى الناس.
لقد اختصرت أم كلثوم عقودًا من الغناء واختصر معها موسيقيوها عقودًا من التطوير، وقدم الجميع رفقة موهبتها الاستثنائية إنتاجًا جماليًّا فريدًا، لا يناوئ تراثه، ولا ينفصل عن حاضره، ولا ينطق بغير لسانه… والأهم أن هذا الجيل أعاد إلى عالم الفن تقديره واحترامه، وإلى الفنان مكانته وهيبته، فانتقل المطرب من عالم البارات والمقاهي ودنيا السكارى، إلى المسارح الفخمة التي ينتظره فيها جمهوره، وهو يتطلع إلى الستارة الحمراء التي سوف تفتح عقب ثلاث دقات متتالية، أقرب ما تكون إلى الطقس، لتطل بعدها أم كلثوم ومن خلفها فرقتها، يستقبلها جمهورها بالتصفيق ثم يجلس الجميع منصتين، بعد أن ينحسر عنهم الضوء، ويتركز على وجه «كوكب الشرق» وهي تشدو فوق خشبة المسرح..
(أم كلثوم هي لساننا الجمالي المبين).
وهذه الهيبة وذلك الاحترام كانا حلم الفتى الفاذّ محمد عبدالوهاب في عشرينيات القرن الماضي… والعجيب – ونحن لم نزل في دنيا الفن- أن الأدب الروائي- في تلك الفترة- كان في حاجة أيضًا إلى من يسمو به اجتماعيا وجماليا، ونحن نتذكر كيف خجل الدكتور هيكل من وضع اسمه على روايته الرائدة «زينب» وآثر الاختباء – خجلا- خلف قناع «فلاح مصري» الذي مهر به روايته.. حتى جاء نجيب محفوظ ومنحت جهودُه الروايةَ والروائي الاحترام اللائق بهما… ومن هذه الزاوية تحديدًا، وعلى مستوى الدور والنقلة الجمالية والاجتماعية، يلتقي دور محفوظ الحضاري والتنويري بدور أم كلثوم..!
(وهذا مبحث ثقافي يحتاج إلى من يقوم به).
رحلت أم كلثوم عام 1975م، وهي لحظة فارقة بين زمنين: زمن الإنتاج الجمالي وزمن الاستهلاك العابر، زمن الألقاب الضخمة التي حمل عبئها هذا الجيل وحاول كل فرد أن يكون جديرًا بلقبه وزمن الألقاب الدعائية الاستهلاكية..
كان رحيل أم كلثوم فاصلاً بين زمن الامتياز الفردي وزمن الجموع العادية، واللافت أن رحيلها تزامن مع رحيل الكبار في مختلف المجالات: فقد سبقها العقاد والنحاس وطلعت حرب وطه حسين، وبعد رحيلها بسنوات ترجل الشيخ مصطفى إسماعيل وتوفيق الحكيم..
رحلت أم كلثوم قبل خمسين عامًا، ولكن فنها بقي صادحًا، يُشكِّل وجداننا، وينساب في تفاصيل حياتنا في بعديها : الفردي والجمعي.. ولعلك تتفق معي في قدرته على البقاء لأزمنة أخرى؛ فهذا فن يحمل طابع الخلود ■









