رؤي ومقالات

د. فيروز الولي تكتب:عندما تنسحب الجيوش بـ«تغريدة»

قراءة نفسية–سياسية ساخرة في بيان عبدالملك المخلافي وذكاء النخبة المُصاب بالحول الاستراتيجي

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

في السياسة اليمنية، لا تحتاج إلى دبابة لتحتل الأرض، يكفيك بيان أنيق، أو تغريدة دبلوماسية، أو وزير خارجية سابق قرر فجأة أن يكتشف «الحكمة الإماراتية» بعد عقدٍ من الوقائع والجزر والقواعد والميليشيات.
عبدالملك المخلافي، الناصري سابقًا، الهارب سياسيًا لاحقًا، ووزير الخارجية الذي وظّف القرية مخلاف دولةً داخل الدولة، خرج علينا ليبشرنا بأن الإمارات استجابت لدعوة رشاد العليمي وسحبت قواتها من اليمن.
هكذا… ببساطة.
انسحبت الجيوش لأن البيان قال ذلك.
والسيادة عادت لأن اللغة كانت منمّقة.
أولًا: التحليل النفسي – متلازمة التصديق القهري
ما يعانيه المخلافي – ومعه نخبة كاملة – ليس حسن نية، بل اضطراب نفسي سياسي اسمه: التصديق القهري للراعي.
هو ذلك المرض الذي يجعل الضحية ترى العصا حماية، والاحتلال شراكة، والميليشيا «قوة محلية صديقة».
العقل هنا لا يقرأ الوقائع، بل يبحث عن جرعة طمأنينة مؤقتة:
“قالوا انسحبنا… إذًا انسحبوا”.
ثانيًا: التحليل الاجتماعي – نخبة بلا شارع
اجتماعيًا، هذا الخطاب منفصل تمامًا عن الشارع اليمني.
اليمني في سقطرى وعدن وشبوة لا يرى انسحابًا، بل إعادة تموضع.
لا يرى سيادة، بل أعلامًا غير علمه.
ولا يرى دولة، بل شركات أمنية بلهجة أخرى.
النخبة تتحدث من الصالونات، والناس تعيش في الجغرافيا.
والفرق بينهما؟
النخبة تشاهد اليمن على Google Maps، واليمني يمشي فوقه.
ثالثًا: التحليل الثقافي – ثقافة البيان بدل الفعل
ثقافيًا، نحن أمام مدرسة البيان المنتصر:
بيان = إنجاز
تصريح = سيادة
مجاملة = نصر دبلوماسي
لا أحد يسأل:
أين القوات؟
من يسيطر على الموانئ؟
من يمول التشكيلات؟
لأن السؤال مزعج، والبيان مريح.
رابعًا: التحليل السياسي – دولة بالريموت كنترول
سياسيًا، فكرة أن الإمارات انسحبت «استجابة لدعوة رشاد العليمي» تفوق الخيال السياسي.
رشاد العليمي نفسه لا يستطيع الاستجابة لدعوة نفسه دون موافقة.
نحن أمام دولة تُدار بـريموت خارجي، ورئيس مجلس لا يملك إلا وظيفة واحدة:
إضفاء الشرعية على ما تقرره العواصم.
خامسًا: التحليل الاقتصادي – الانسحاب الذي لا يغادر
اقتصاديًا، لو انسحبت القوات فعلًا:
من يدير الموانئ؟
من يتحكم بالثروات؟
من يحمي خطوط المصالح؟
الانسحاب العسكري مع بقاء النفوذ الاقتصادي ليس انسحابًا،
بل خصخصة للاحتلال.
سادسًا: التحليل العسكري – خروج الجنود وبقاء البنادق
عسكريًا، لا يُقاس الانسحاب بعدد الجنود، بل بـ:
من يحمل السلاح؟
من يتلقى الأوامر؟
من يملك القرار؟
طالما السلاح خارج مؤسسة الدولة، فالانسحاب مجرد تغيير زي.
سابعًا: التحليل الدبلوماسي – لغة بلا أسنان
دبلوماسيًا، البيان مليء بالعبارات الجميلة:
حرص
أخوة
سلام
استقرار
لكن بلا أدوات إلزام، بلا جدول زمني، بلا ضمانات.
دبلوماسية «رجاءً لو سمحتم».
ثامنًا: التحليل الإعلامي – صناعة الوهم
إعلاميًا، هذا النوع من التصريحات يُستخدم كـ:
مسكّن للرأي العام
تغطية على الفشل
تلميع لعجز سياسي
الإعلام يصفق، والواقع يضحك.
تاسعًا: التحليل القانوني والدستوري – السيادة المؤجلة
قانونيًا ودستوريًا:
أي وجود عسكري دون تفويض دستوري = انتهاك
أي دعم لمليشيات خارج الدولة = جريمة سيادية
والبيانات لا تُسقط الجرائم، بل توثقها.
الخاتمة اللاذعة:
في اليمن، لا تُسحب الجيوش بالتصريحات،
ولا تُستعاد السيادة بالابتسامات،
ولا تُبنى الدولة بأقلام كانت تبرر الهروب ثم تفسر الاحتلال ثم تحتفل بالوهم.
الذكاء الحقيقي ليس أن تصدّق البيان،
بل أن تسأل: من ما زال على الأرض؟
أما النخبة التي “تنظر الهلال منذ عقود”،
فما زالت تفطر على الوهم…
وتريد من الشعب أن يصوم عن الحقيقة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock