رؤي ومقالات

علي الحفناوي يكتب :تساؤلات عن المستقبل

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

الأهمية الوحيدة لتغير رقم في النتيجة مشيرًا إلى بدء عام جديد، هي دعوتنا للتفكر والتأمل فيما نحن فيه وما قد ينتظرنا في المستقبل القريب. وتمضي الأعوام تلو الأخرى غالبًا بدون الاحساس بتغيير ملموس، إلا إذا نجحنا في إلقاء نظرة تحليلية على مجمل السنوات المنقضية، فإذا بنا ننتفض ونندهش من حجم التغيير في كل مناحي الحياة، وكيفية تأثيرها علينا دون أن نشعر بها وقت حدوثها. فهناك من سيقول: كيف انهار الجنيه المصري عشرة أضعاف قيمته خلال بضع سنوات؟ وآخر سيقول: كيف سقطت وانقسمت دول مثل سوريا والعراق وليبيا والسودان من حولنا في غفلة من الزمن؟ وثالث سيندهش من هيمنة دول النفط على العقل الجمعي العربي لتتبوأ السيادة السياسية والثقافية والرياضية على شعوب الشرق خلال مرحلة زمنية لا تزيد عن ثلاث عقود… تغييرات جسيمة وعداد السنوات يعدو، وغفلتنا باقية منغمسة في محاولة حل معضلة الحياة اليومية التي تتلخص في إيجاد مخرج للاستمرار في الطفو على سطح المياه الهائجة.
عندما نتفحص الدائرة المحيطة بنا، يصعب علينا ألا ندرك حجم المخاطر والتهديدات الخارجية والداخلية. آخر تلك التهديدات هو ما يقوم به أعداء الأمس واليوم بتركيب كماشة جنوب البحر الأحمر بين فكي خليج عدن، حيث جنوب اليمن المشتعل من جانب وأرض الصومال الملتهبة من الجانب الآخر. تحرك خبيث قد يهدف إلى خنق الملاحة في قناة السويس لضرب أحد أهم مصادر الدخل المصري. ويأتي ذلك امتدادًا لخنق مياه النيل في إثيوبيا، والذي يصعب حدوثه بفاعلية في المدى القصير، إلا أنه دخل حيز التنفيذ البطيء. وفي نفس النطاق العدائي، لا يمكننا إغفال مشروع إغراق مصر بالمهاجرين من كل جانب عبر كل حدودها الجغرافية، سواء من غزة أو السودان أو ليبيا. نضيف إلى ذلك مختلف التهديدات الداخلية من جماعات يتم تحريكها من الخارج لكسر البناء الاجتماعي المصري وإفشال استقراره.
قد يرى البعض أن وصف الصورة القاتمة المحيطة بنا هي نتاج فكر “بارانويا” أي عقدة الاضطهاد. ولكن التحليل التاريخي للبعد “الجيو-بوليتيك” أو الجغرافيا السياسية التي نعيش فيها منذ بداية القرن العشرين، يؤكد لنا أن التهديدات لم تتوقف يومًا، والأطماع الاستعمارية في الهيمنة على موقعنا الجغرافي مستمرة منذ احتلال البطالسة والرومان والفرس لبلادنا، مرورًا بالحروب الصليبية وحملة لويس التاسع، ثم الاحتلال المملوكي فالعثماني، وصولًا إلى حملة نابليون وفريزر، وأخيرًا احتلال بريطانيا لمصر مع قيامها برسم خريطة الشرق الأوسط حولنا مع سايكس وبيكو، وزرع الكيان الصهيوني على حدودنا الشرقية.
ولأني متأكد من إدراك كل حكام مصر لتلك المخاطر منذ عقود طويلة، فقد حاول بعضهم مواجهتها بأساليب مختلفة، فنجحت أحيانًا لبعض الوقت في منع التوغل الاستعماري في بلادنا، وفشلت في أحيان أخرى في مواجهة الضغوط الخارجية، بأشكالها العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية… عمومًا، نلاحظ من السياق التاريخي للأحداث أن أي نجاح تحقق في إحدى الفترات تحقق بتماسك المصريين كجبهة داخلية واحدة، بكلا قوتيها الناعمة والعسكرية معاً، مؤديًا إلى توحيد الجبهات العربية دعمًا للموقف المصري الصلب. أما في أوقات المواقف العربية الرخوة، فنجدها تتزامن مع مواقف مفككة للجبهة الداخلية المصرية، أدت في معظم الأوقات إلى زيادة النفوذ الاستعماري في منطقتنا… حرب العراق ليست ببعيدة، والتصدع الليبي والسوري خير مثال.
يقودنا هذا التحليل إلى التأكيد على أن العرب يحتاجون لمصر القوية قبل أن تكون مصر هي التي تحتاج للدعم العربي. إن أدركنا ذلك، وعرفنا أن قوتنا في تماسك جبهتنا الداخلية، وأن هذا التماسك يتم اجتماعيًا وسياسيًا في ظل حكم مستقر يقوم على مبادئ صيانة الحريات العامة واحترام الدستور والقوانين والقواعد الديمقراطية، سيمكننا سويا كشعوب عربية فرض احترام العالم لحقوقنا الوطنية، ومنع الكيانات الاستعمارية من التلاعب بمقدراتنا، سواء في باب المندب أو في الخليج العربي أو في سيناء أو في منابع النيل.
بالفعل، الشرق الأوسط الجديد يحتاج لمصر قوية داخليًا. وإلا فستكون الهيمنة للمشروع “الصهيو-غربي”… وعلى المتضرر الصمت والرضوخ.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock