محمد المحسن يكتب :الثورة الفلسطينية المعاصرة وإعادة كتابة التاريخ*
"بوصلة لا تشير إلى القدس مشبوهة.." (مظفر النواب)

-إن فلسطين،على كل حال،ليست مكانا عاديًا،إنها متوغّلة بعمق في كل التواريخ.”
(إدوارد سعيد)
-“رحلة النجاح لا تتطلب البحث عن أرض جديدة.. ولكنها تتطلب الأهتمام بالنجاح والرغبة في تحقيقه والنظر الى الأشياء بعيون جديدة” ( الكاتب والمدرب والمحاضر المصري الراحل إبراهيم الفقي)
1 جانفي/كانون الثاني 1965،ليس مجرد تاريخ على التقويم،بل هو يومٌ فُتحت فيه صفحة جديدة في سفر النضال الفلسطيني.في ذلك اليوم، انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة،لتقول للعالم إن إرادة شعبٍ لا تُقهر،وأن حلم العودة لا يموت. كانت هذه الانطلاقة تحولا جذريا من حالة الانتظار والاستجابة إلى الفعل والمبادرة،حيث أمسك الشعب الفلسطيني بزمام قضيته،وصار صانع قراره ومصيره.
بدأ كل شيء في ليلة 31 ديسمبر/كانون الأول 1964،متصلة مع فجر الأول من جانفي/كانون الثاني 1965.في تلك الليلة،تحركت “أجنحة من القوات الضاربة” وفق البلاغ العسكري الأول لحركة فتح.ونفذت المجموعات الفدائية التابعة للحركة عملية عيلبون،حيث فجرت النفق الذي كان يستخدم لسحب مياه نهر الأردن إلى المستوطنات الإسرائيلية في صحراء النقب.في هذه العملية،قدمت الثورة باكورة شهدائها،الشهيد أحمد موسى سلامة،لتعمد مسيرتها بدماء الأبطال منذ اللحظة الأولى.
لم تكن هذه الطلقة مجرد عمل عسكري،كانت رسالة واضحة: الفلسطيني لم يعد لاجئا سلبيا يتلقى الأوامر،ولا ورقة في صراعات الآخرين،بل أصبح فاعلا في معركة تحرير وطنه السليب والمستلب.لقد أعادت الثورة إحياء الهوية الوطنية الفلسطينية وجعلتها الهوية المعبرة عن كل فلسطيني،أينما وجد،ونقلت القضية من الهامش إلى صدارة الاهتمام الإقليمي والدولي.
-محطات صنعت التاريخ: من الكرامة إلى بيروت:
شَكّلت ثلاث محطات حلقات متصلة في مسيرة النضال الفلسطيني المشرق،وجسّدت تطور أشكال المواجهة وصور الصمود.فكانت معركة الكرامة في مارس/آذار 1968 الشرارة الأولى والنصر المعنوي المُؤسس،حيث صمد المقاتلون الفلسطينيون والأردنيون أمام آلة الحرب الإسرائيلية وأجبروها على الانسحاب.ثم جاء حصار بيروت عام 1982 ليكون امتحاناً أسطورياً للثبات،حيث صمد المقاتلون في قلعة شقيف وتحملت بيروت حصارا وقصفاً مدمراً لـ 88 يوما،لتنتهي بخروج المقاتلين بحفاظهم على الإرادة والمشروع.أما انتفاضة الحجارة عام 1987،فقد مثلت تحولا جذريا نحو المقاومة الشعبية الجماهيرية،حيث اندفع الأطفال والنساء والرجال في المدن والمخيمات،مُحَوِّلين الحجارة رمز الضعف إلى سلاح معنوي هادر قادته حركة فتح بروح القائد الشهيد أبو جهاد،لتهزّ أركان الاحتلال وتؤكد أن المسيرة مستمرة رغم كل التضحيات.
وتمر السنون،لكن ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة تبقى نبراساً يضيء درب الأجيال.هي ذكرى تخبرنا أن المقاومة حق طبيعي،وأن الكرامة لا تُهدر،وأن الأرض لا تُنسى.لقد أثبتت هذه الثورة، عبر محطاتها الدامية والمشرقة،أن الشعب الفلسطيني هو “الرقم الصعب” الذي لا يمكن تجاوز حقوقه أو القفز فوق إرادته.
في كل عام،مع إشراقة الأول من جانفي/ كانون الثاني،،نستذكر الشهداء الأوائل،ونستلهم من عملية عيلبون الأولى معنى التحدي،ومن معركة الكرامة معنى الصمود،ومن انتفاضة الحجارة معنى الإبداع الشعبي في المقاومة.
هذه الذكرى هي عهد يجدده الفلسطينيون مع الأرض والهوية،وهي رسالة يوجهونها للعالم بأن شعبا أعاد كتابة تاريخه من تحت ركام النكبة،قادر على إكمال المسيرة حتى تحقيق الحرية والاستقلال.ودماء الشهداء لم ولن تذهب سدى، فالثورة مسيرة،والمسيرة مستمرة.
أما اليوم..
الفرق واضح بعد -عقود عجاف من الزمن المتخم بالمواجع-يعيش الغاصب الدموي تحت وطأة الخوف ودون هوية.بينما يستطيع العربي الفلسطيني أن يشعر بالفخر بهويته ويعدّ ما تبقى من وقت كي ينبلج الصبح على فلسطين الجريحة..
متابعة محمد المحسن
*ذكرى الانطلاقة للثورة الفلسطينية المعاصرة هي 1 يناير 1965،حيث أعلنت حركة فتح انطلاق الكفاح المسلح بعملية تفجير نفق عيلبون،لتُعيد فلسطين إلى مسرح التاريخ وتوحد الفلسطينيين حول الهوية والهدف،مُتجاوزة مرحلة الشتات لتبدأ مسار المقاومة المسلحة والعمل السياسي لإعادة الحقوق،وهو حدث يُخلّد كفاح الشعب الفلسطيني لإعادة كتابة مصيره وتأكيد حقه في دولته المستقلة وعاصمتها القدس.









