أصدقائي الذين لا يشيخون، في صحبة العقل العربي من المعجم إلى الفلسفة….بقلم: عماد خالد رحمة _ برلين.

ليسوا أسماءً مصطفّة في هوامش الكتب، ولا ظلالًا بعيدة في ذاكرة التاريخ؛ إنهم أصدقائي الذين ألتقيهم كلما فتحت كتابًا، وأصغي إليهم كلما ضاقت اللغة أو اتّسع السؤال. معهم تعلّمت أن القراءة ليست استهلاكًا للنص، بل تعايشًا مع العقل، وأن الفكر لا يُزار، بل يُسكن.
في حضرة الخليل بن أحمد، لا أقرأ معجمًا، بل أسمع اللغة وهي تكتشف إيقاعها الأول، كأن الحروف كانت تنتظر من يوقظ موسيقاها. ومع سيبويه لا أتعلّم النحو، بل أرى العقل وهو يفرض النظام على الفوضى، ويحوّل الكلام من انفعال إلى بنية، ومن الفطرة إلى الوعي. أما ابن فارس، فيقنعني أن لكل كلمة أصلًا أخلاقيًا قبل أن يكون لها معنى لغوي، وأن الجذر ليس لغويًا فحسب، بل أنطولوجيًا.
وحين أصادق ابن منظور، أشعر أنني أمشي في مدينة من الكلمات، كل بيت فيها مأهول بذاكرة، وكل لفظة تحمل سيرة أمة. لا يقدّم لي لسان العرب تعريفات، بل يمنحني حق الانتماء إلى المعنى. ثم يأتي الفيروزآبادي بقاموسه، لا ليغلق اللغة، بل ليكثّفها، ويجعلها قابلة للحمل في زمن الترحال. ويُتوج الزبيدي هذه الصحبة، لا ناسخًا ولا شارحًا، بل ناقدًا عاشقًا، يعيد للغة نبضها، ويصالحها مع تاريخها الطويل دون تقديس أعمى.
لكن صداقتي لا تقف عند بوابة المعجم. مع الكندي أتعلّم أن الفلسفة ليست ترفًا، بل شجاعة عقلية. ومع الفارابي أكتشف أن المدينة الفاضلة ليست حلمًا سياسيًا، بل امتحانًا أخلاقيًا للعقل. أما ابن سينا، فيعلّمني أن الوجود سؤال لا يُختزل في الفيزياء، وأن النفس أوسع من الجسد. ويأتي ابن رشد، صديقي الأكثر إلحاحًا، ليذكّرني أن العقل إذا لم يدافع عن نفسه، سيُنفى باسم الإيمان أو باسم السلطة.
وفي مجلس الجاحظ أضحك وأفكّر في آن، إذ لا يفصل بين السخرية والمعرفة، ولا بين البيان والنقد. ومع ابن خلدون أتعلم أن التاريخ ليس ما حدث، بل ما نفهمه مما حدث، وأن العصبية حين تفقد معناها الأخلاقي تتحول إلى خراب مؤجّل.
هؤلاء جميعًا لا أقرأهم بوصفهم «تراثًا»، فالكلمة خانتهم كثيرًا، بل أعيش معهم بوصفهم زمنًا موازيًا. هم أصدقائي لأنهم لا يطلبون مني الولاء، بل اليقظة؛ لا يمنحونني أجوبة جاهزة، بل يدربونني على السؤال. معهم أفهم أن اللغة ليست أداة تعبير فقط، بل أداة تفكير، وأن الفلسفة ليست ترفًا نظريًا، بل مقاومة صامتة ضد التبلّد.
إن التعايش مع أفكارهم علّمني أن الاستقلال الحقيقي لا يكون بالقطيعة، بل بالاختيار؛ أن نقرأهم لا لنقيم في الماضي، بل لنحرّر الحاضر من فقره المفهومي. فهم لم يكتبوا ليُحفظوا، بل ليُستأنف التفكير من حيث توقف الآخرون.
هكذا أعيش بينهم:
أصادق الخليل حين أبحث عن الإيقاع،
وأستشير ابن رشد حين يختنق العقل،
وألوذ بالزبيدي حين تلتبس الدلالة،
وأعود إلى ابن خلدون كلما ادّعى الواقع أنه قدر.
إنهم أصدقائي لأنهم لم يطلبوا مني أن أكون نسخة عنهم، بل أن أكون امتدادًا نقديًا لهم. وفي زمنٍ يكثر فيه الضجيج ويقل فيه المعنى، يكفيني أنهم علّموني أن الصداقة الحقيقية قد تكون كتابًا… وأن أعظم أشكال الوفاء للفكر هو أن نواصل مساءلته.









