الكفالة الصامتة …..قصه قصيره بقلم بن حمزة نادية

في قريتي، حيث كان الناس يُعدّون على الأصابع، لم تكن الأسرار تملك متّسعًا للاختباء. العائلات قليلة، وكل بيت يعرف تفاصيل البيت الآخر، بل أحيانًا يعرف ما لا يُقال. البيوت متصلة ببعضها، على الطريق نوافذ تطلّ بلا حرج، ومن الخلف حدائق صغيرة يزرعون فيها الأشجار المثمرة والخضر. أحيانًا يكون للبيوت مدخل واحد، تتفرع عنه مداخل أخرى، كأن الجميع يسكن بيتًا واحدًا بقلبٍ واسع.
في تلك القرية، كانت خالتي خديجة، زوجة عمي قدور مؤذن المسجد الوحيد. امرأة بلا صخب ولا حضورٍ ملفت، لا تجتمع مع النسوة، ولا ترفع صوتها، ولم أشهدها يومًا في خصام مع جارة. كانت هادئة إلى حدّ أن وجودها يكاد يُنسى، رغم أنها أمٌّ لبنين وبنات كُثُر. وأنا في السادسة من عمري، لم أكن أظن أنها تلاحظني أصلًا.
لكن حكايتها علِقت في قلبي.
في ذلك اليوم، كنت ألعب وحدي أمام البيت. جائعة، دون أن أعرف كيف أسمّي ذلك الإحساس. اللعب كان يشغلني عن الجوع، أو لعل الجوع كان خفيفًا إلى حدّ لا يُسمع، لكنه حاضر. فجأة، أطلت خالتي خديجة من بابها الذي لا يُغلق. باب بلا قفل، كأن البيت نفسه لا يعرف الإغلاق. نادتني بصوت منخفض:
«يا بنت… تعالي، نحتاجك.»
استدرت بدهشة، وأشرت إلى نفسي:
«أنا؟»
أشارت بيدها أن أسرعي. دخلت بخطوات خجولة، وطلبت مني النزول عبر درجٍ قليل العدد. في الأسفل، أشارت إليّ أن أجلس فوق رفٍّ قصير من الإسمنت، ملاصق للجدار، بارد وثابت، كأنه وُضع ليشهد هذا اللقاء الصامت.
كان لخالتي خديجة بيتٌ مكوَّن من ثلاث غرف منفصلة، مصطفّة جنبًا إلى جنب، أبوابها ليست سوى ستائر من قماش الكتان الخشن، مرسومة بأزهار كبيرة. وفي المقابل، فناءٌ تتجمّع فيه ظلالُ البيت، يربط الغرف ببعضها كما يربط الصمت بين القلوب.
رفعت ستار إحدى الغرف، وخرجت وهي تضم قندورتها بيديها. كانت النساء في ذلك الزمن يرتدين القندورة، وتحتها لباسًا طويلًا آخر. فتحت طيات قندورتها، فإذا بها تخبئ خبز الدار، تمرًا، فواكه، بطاطا مغلية، وبعض الحلوى. وضعت الطعام أمامي بهدوء وقالت:
«كُلي.»
ثم عادت إلى أشغالها، دون أسئلة، دون تفسير، ودون انتظار امتنان.
أكلت. كنت جائعة فعلًا، لكن شهيتي لم تكن قوية. الطعام كان كثيرًا، أكثر مما أستطيع. وحين انتهيت، طلبت مني أن آخذ البقية معي:
«خذي هذا… لأخواتك.»
وضعت الطعام بين يديّ الصغيرتين. كان ثقيلًا، شهيًا، دافئًا. شعرت لأول مرة أنني أحمل شيئًا أكبر من عمري، شيئًا ليس لي وحدي. لم تأمرني، لم تُلحّ، فقط قالتها كما يُقال أمر بديهي، كأنها تعلم أن الخير لا يكتمل إلا إذا تقاسمناه.
جلست آكل وحدي، ثم خرجت أحمل الطعام لغيري. وفي تلك اللحظة، دون أن أفهم، تعلّمت درسًا كاملًا عن العطاء.
لم تسألني لماذا كنت جائعة، ولم تُشعرني أن ما فعلته فضل. كان الأمر طبيعيًا، كأن إطعامي وإرسال الطعام معي جزء من نظام الحياة. كنت أسمع حركة المكان: وقع أقدام، همسات أطفال، صوت قماش يُطوى… بينما أنا هناك، أتعلم دون أن أدري معنى الكفالة الصامتة.
في تلك اللحظة، لم تكن خالتي خديجة امرأة تطعم طفلة فقط، بل كانت تزرع داخلي فهمًا مبكرًا:
أن العطاء الحقيقي لا يحتاج إعلانًا،
وأن الرعاية الأصدق لا ترفع صوتها،
وأن بعض القلوب ترى جوعك
قبل أن تعترف به أنت.
كبرتُ، وكبرت القرية في ذاكرتي. تفرّق أهلها، تغيّرت البيوت، واختفت مداخل كثيرة. لكن خالتي خديجة بقيت كما هي في داخلي:
باب مفتوح بلا قفل،
قندورة تخبئ الحياة،
وفناءٌ تتجمع فيه ظلال البيت،
ورفٌّ قصير من الإسمنت
جلستُ عليه طفلة…
وقمتُ عنه إنسانة
تعرف أن أبسط الأفعال
قد تصنع أثرًا لا يُمحى.









