رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :الهجوم على فنزويلا ليس استثناءً… بل إشارة

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

ما يجري تجاه فنزويلا لا يمكن قراءته كحادثة معزولة، ولا كسوء تفاهم داخل نظام دولي مضطرب؛ إنه بروفة كاملة، تمرين عملي على عالمٍ قرر أن يخلع أقنعته. حين تُستهدف دولة لأنها تمتلك ما لا يُراد لها أن تمتلكه، فذلك إعلان صريح بعودة منطق القوة، بلا حاجة حتى إلى ذرائع مُقنعة.
ضمن هذا السياق، لا يبدو الحديث عن اعتقال نيكولاس مادورو ومحاكمته في الولايات المتحدة تفصيلاً قانونيًا، بل حلقة متقدمة في السلسلة نفسها. فمحاكمة رئيس دولة ذات سيادة خارج بلاده، وفق تشريعات دولة أخرى، ليست سعيًا للعدالة بقدر ما هي رسالة سياسية واضحة: من يخرج عن المسار المرسوم يُنزَع عنه الاعتراف، ويُعاد تعريفه كـ«مجرم عابر للحدود».
هكذا تُستكمل الحرب بأدوات قضائية، ويُستبدل الغزو التقليدي بتجريم مُعولم يمهّد للعزل، أو للإطاحة، أو لكليهما معًا.
لاحقًا، سيتصرف نتنياهو بالطريقة ذاتها. لن يحتاج إلى ملف، ولا إلى مسرحية دبلوماسية، ولا إلى قرار دولي. قصف أي دولة في المنطقة سيُقدَّم بوصفه «ضرورة أمنية»، حتى لو كان الأمن هو الاسم الجديد للتوسع، والعدوان هو الاسم الصريح للسيطرة. الهدف الأولي إيران، لا لأنها الخطر الأكبر، بل لأنها العقدة التي تعيق إعادة هندسة الإقليم. وبعدها تبدأ محاولة خنق النفوذ التركي، لا عبر حرب مباشرة، بل عبر الاستنزاف، والتطويق، وتفريغ المجال الحيوي، حتى تعود الأناضول إلى حجم «مسموح به».
نحن لا نعيش فوضى، بل عودة قديمة. ما نشهده ليس انهيار النظام الدولي بقدر ما هو استبداله بنظام أقدم بكثير؛ عودة إلى منطق القرن التاسع عشر، حين كانت الدول تشنّ الحروب لأنها تستطيع لا لأنها مُجبرة، وتُشعل النزاعات لأنها تحتاج موارد وأسواقًا وممرات، لا لأنها تدافع عن «قيم». في ذلك العصر لم تكن الأخلاق جزءًا من السياسة، واليوم لم تعد حتى جزءًا من الخطاب. الدول الكبرى لم تعد تُجيد الكذب الطويل؛ صار الصمت أبلغ من البيانات، والقوة أصدق من التبرير.
الأمم المتحدة لم تُخالف ميثاقها، بل جرى تجاوزه بالكامل. لم يعد أحد يشعر بالحاجة إلى انتهاكه أصلًا. القوة الآن تعمل خارج اللغة، خارج القانون، خارج حتى فكرة الشرعية.
الفيتو لم يعد أداة تعطيل، بل شهادة وفاة، و«المجتمع الدولي» لم يعد كيانًا حقيقيًا، بل تعبيرًا صحفيًا بلا مضمون.
العالم لا ينزلق نحو الفوضى، بل يختارها بوعي. يختار عالمًا تُدار فيه العلاقات بالقوة الصافية، وتُقاس فيه الدول بقدرتها على الإيذاء لا بحقها في الوجود.
في هذا العالم لا يُسأل: من على حق؟ بل: من يملك القدرة على الفرض؟
الخطر الحقيقي ليس الحرب، بل الاعتياد عليها. الأخطر من القصف أن يصبح القصف طبيعيًا، وأن تمر أخبار الهجمات كما تمر حالة الطقس، وأن تُستبدل الحروب بالدعاوى، والاحتلالات بالمحاكمات العابرة للحدود. هكذا تبدأ الحروب الكبرى دائمًا: لا بالضربة الأولى، بل باللحظة التي يتوقف فيها العالم عن الدهشة.
نحن هناك الآن.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock