قصة محاولة اعتقال أميركية فاشلة لمادورو في 2020

كتب:محمد شهود
قبل ست سنوات، شواطئ فنزويلا شهدت واحدة من أفشل عمليات الانقلاب ومحاولات الاعتقال لرئيس دولة. قبل ست سنوات كان في محاولة أكثر درامية حتى من عملية الاعتقال التي جرت فجر اليوم في كاراكاس حتى أنها حملت اسما دراميا «عملية جدعون».
فكرة العملية (ببساطة) كانت تبدو في خيال أصحابها كأنها ضربة خاطفة تقلب النظام في ساعات… لكنها على أرض الواقع تحولت إلى واحدة من أغرب الحكايات السياسية في أميركا اللاتينية، تفاصيله: هجوم صغير، زوارق صيد، عدد صغير من المقاتلين، وكاميرات تلفزيون رسمية تُعلن النهاية قبل أن تبدأ القصة أصلًا.
القصة تبدأ من 2020، حين وصلت الأزمة الفنزويلية إلى ذروة الغليان. واشنطن كانت تضغط بشدة على نظام مادورو، بعد ما رفضت الاعتراف عن إعادة انتخاب مادورو في 2018، ودعمت خوان جوايدو باعتباره “الرئيس المؤقت”، ووسعت العقوبات، ثم رفعت السقف أكثر في مارس 2020 باتهامات مرتبطة بالمخدرات والإرهاب، ومكافأة ضخمة – 15 مليون دولار – لمن يساعد في القبض على مادورو. كان المناخ كله يقول إن الرجل “مطلوب”، وإن إسقاطه بات هدفًا معلنًا، لكن من دون تدخل عسكري أميركي مباشر.
في هذه اللحظة، ظهر اسم جوردان غودرو، وهو جندي أميركي سابق من “القبعات الخضر” يدير شركة أمن خاصة في فلوريدا. غودرو كان مقتنعًا أن الحل ليس في السياسة ولا في العقوبات، بل في “غارة كوماندوز”.
يعني عملية سريعة تهبط على الساحل، تُشعل تمردًا شعبيًا، وتفتح الطريق للمعارضة كي تستلم الحكم… وفي النهاية يُنقل مادورو إلى الخارج لمواجهة العدالة. كانت خطة كبيرة على الورق، حتى إن الحديث دار عن تجميع قوة قد تصل إلى 300 رجل من المنشقين العسكريين وتدريبهم في معسكرات سرية بكولومبيا.
لكن كلما اقترب التنفيذ اكتشف غودرو حقيقة الأمر الواقع على الأرض، فلا تمويل كافي، لا تجهيز حقيقي، ولا عدد كما وُعد. و
بحلول أواخر أبريل 2020، كانت القوة التي تحركت فعليًا أقرب إلى مجموعة صغيرة: نحو 60 مقاتلًا فقط، بأسلحة خفيفة وإمدادات شحيحة. ورغم ذلك، ظل غودرو يتحدث بثقة عن نجاح “مضمون”، وكأن الجرأة وحدها ستعوض النقص في كل شيء.
ثم جاءت ليلة التنفيذ. فجر 3 مايو 2020، وفي ظلام ما قبل الشروق، تحرك فريقان على متن قوارب صيد هشة باتجاه الساحل الكاريبي لفنزويلا. كان الهدف الوصول قرب العاصمة، وأن تكون الضربة مفاجئة. القارب الأول وصل قرب ماكوتو، على مسافة نحو 30 كيلومترًا من كاراكاس… لكن المفاجأة كانت أن السلطات الفنزويلية كانت تنتظر. بحسب رواية حكومة مادورو لاحقًا، أجهزة الاستخبارات اخترقت المخطط مسبقًا، ونصبت كمينًا للمهاجمين لحظة نزولهم إلى الشاطئ. انتهى الأمر باشتباك سريع، وسقوط قتلى، واعتقالات فورية. قُتل ما لا يقل عن ثمانية، وأُلقي القبض على آخرين قبل أن يفهموا أصلًا كيف انكشف كل شيء بهذه السرعة.
القارب الثاني حاول بعد ساعات في منطقة تشواو، لكنه لم ينجُ من المصير نفسه. صيادون محليون تابعوا المشهد بذهول، كما لو أن فيلمًا عسكريًا ظهر فجأة أمام بيوتهم.
وبين المقبوض عليهم كان هناك عنصر مفاجئ ومفيد لمادورو: أميركيان، آيران بيري ولوك دينمان، وهما جنديان سابقان في قوات خاصة أميركية كانا ضمن المجموعة كمدربين.
وفي اليوم التالي، 4 مايو، ظهر مادورو على التلفزيون وهو يعرض جوازي سفرهما وبطاقات هويتهما أمام الكاميرات، واصفًا إياهما بالمرتزقة وبأنه “دليل” على مؤامرة مدعومة من الولايات المتحدة. التلفزيون الرسمي بث صورًا لهما تحت الحراسة، وبث اعترافات مصورة قال فيها دينمان إن الخطة كانت السيطرة على مطار ثم نقل مادورو جوًا إلى الولايات المتحدة. وبعد أشهر، أصدرت محكمة فنزويلية حكمًا بسجنهما 20 عامًا.
أما غودرو، العقل المدبر، فلم يكن على القوارب أصلًا. كان يراقب من بعيد. والمشهد الأكثر غرابة أنه نشر فيديو في اليوم نفسه يعلن أن “غارة برمائية جريئة” جارية، ويدعو الفنزويليين للانتفاض… في الوقت الذي كانت فيه كاراكاس تعلن رسميًا أن العملية أُحبطت. خلال ساعات بدأت روايته تتراجع؛ اعترف في اتصالات لاحقة أن الأمور “سارت خطأ”، وأن رجاله في خطر، ثم أقرّ بالقبض على الأميركيين وبسقوط قتلى. ووسط هذا الارتباك، راح يناشد مسؤولين أميركيين التدخل لإنقاذ الرجلين الأميركيين، مذكرًا بأنهما أميركيان ومن القوات الخاصة سابقًا.
لماذا فشلت «جدعون» بهذه السرعة؟ هنا تدخل تفاصيل تكشف كيف أن العملية كانت مثقوبة منذ البداية. قبل الهجوم بيومين فقط، كانت وكالة “أسوشيتد برس” قد نشرت تحقيقًا يكشف تفاصيل خطة الغزو بعد مقابلات مع بعض المشاركين. ومع هذه التسريبات، صار السؤال منطقيًا: إذا كانت الصحافة عرفت، فكيف لنظام مادورو ألا يعرف؟ ثم جاءت شكوك عن اختراق معسكرات التدريب، واتهامات بأن عملاء مزدوجين كانوا ينقلون المعلومات إلى كاراكاس. مادورو نفسه تباهى لاحقًا قائلًا: “كنا نعرف كل شيء”، حتى ما الذي كان الرجال يأكلونه ومن يمولهم. وفوق ذلك كله، كان هناك خلل قاتل في ميزان القوة: مجموعة صغيرة بلا إسناد جوي، بلا سلاح ثقيل، بلا خطة بديلة… أمام دولة مستنفرة على الساحل بآلاف الجنود. لذلك شبّهها مراقبون بنسخة مصغرة من “خليج الخنازير” الكوبي، بينما سخر آخرون بتسميتها “خليج الخنازير الصغيرة”.
في واشنطن، كان رد الفعل رسميًا: نفي سريع. ترمب قال وقتها إن الحكومة الأميركية لا علاقة لها بالأمر. بومبيو قال إنه لا تورط مباشر، وأضاف جملة لافتة: لو كانت الولايات المتحدة متورطة “لكان الأمر سار بشكل مختلف”. لكن خلف الكواليس، ظهرت لاحقًا تقارير عن تحقيقات واستجوابات مرتبطة بالغودرو وشركائه، وسط تساؤلات عن السلاح والتمويل.
أما في كاراكاس، فمادورو خرج من الحكاية بمكسب دعائي ضخم. قدّم العملية كدليل على أن “مؤامرة خارجية” تستهدفه، وعرض أسلحة وعتادًا أمام الكاميرات، واستخدم المشهد لحشد مؤيديه وترسيخ روايته عن “غزو إمبريالي” تم إفشاله.
اليوم، بعد إعلان ترمب أن مادورو صار في قبضة واشنطن، يعود سؤال «جدعون» بشكل تلقائي: بين محاولة 2020 التي انتهت على الشاطئ، وما يحدث الآن، فرق كبير في النتيجة… لكن الرسالة واحدة: ملف مادورو ظل لسنوات ساحة مواجهة مفتوحة، تتبدل أدواتها بين العقوبات، والضغط السياسي، وأحيانًا… مغامرات تتحول إلى فضيحة على الهواء.









