تاريخ العرب

محمد بن علي بن سعد،

دعمك للعربي اليوم كفيل باستمرارنا

في أواخر القرن الخامس عشر، في قلب جبال #الأندلس الخضراء، ولد طفلٌ في قصر الحمراء سيُكتب اسمه في صفحات التاريخ بدمٍ ودموع. اسمه محمد بن علي بن سعد، من نسل بني الأحمر، ولم يكن أحد يعلم بعدُ أنه سيكون آخر أمراء #غرناطة. لقّبه الإسبان بـ”بو عبديل” الصغير، وأطلق عليه العرب لقب “الزغبي”، لكن في قلوب كثيرين ظلّ “أبو عبد الله الصغير”.
كان والده أبو الحسن، أمير غرناطة، رجلاً قوياً لكنه محاطاً بالمكائد. تزوج من امرأةٍ ولدت مسيحية، اعتنقت الإسلام في صغرها، ثم عادت إلى دينها الأول بعد سنوات. هذه الزوجة، التي أنجبت له أبناءً، كانت تحلم بأن يرث أحد أبنائها العرش. لكن الأميرة عائشة الحرة، والدة أبي عبد الله، كانت امرأةً ذات عزيمةٍ حديدية. لم تكن لتترك ابنها يُسلب حقه.
في عام 1482، وبينما كانت غرناطة تنزف من الصراعات الداخلية، نفّذت عائشة انقلاباً . بمساعدة بعض القادة المخلصين، خلعت زوجها أبا الحسن، ونصّبت ابنها الشاب أبا عبد الله أميراً على ما تبقّى من الإمارة المنهكة. كان عمره آنذاك في الثانية والعشرين، وكان يحمل على كتفيه وطناً يتداعى.
في تلك الأثناء، كان في الشمال ملكان كاثوليكيان، #فرناندو وإيزابيلا، قد وحّدا قواهما بالزواج، وقررا أن تكون غرناطة آخر قطعة فى لوحة الاندلس. بدأت الحرب تشتعل من كل جانب.
ذات يومٍ في عام 1483، وأثناء معركةٍ قرب لوشة، وقع أبو عبد الله في الأسر. تخيّل الشاب الأمير، مكبل اليدين، يُساق أمام الجنود المسيحيين. بقي أسيراً عامين كاملين، حتى أُطلق سراحه مقابل وعدٍ ثقيل: دفع جزية سنوية باهظة، والاعتراف بتبعية غرناطة لقشتالة.
عندما عاد إلى قصره، وجده ممزقاً. والده أبو الحسن يحكم جزءاً، وعمّه محمد الزغل يسيطر على ملقة ويطالب بالعرش. كانت غرناطة قد أصبحت القلعة الأخيرة. وسط هذا الاضطراب، استطاع أبو عبد الله، بدعم أمه عائشة، أن يستعيد الحكم في غرناطة عام 1486. لكن الفرحة لم تطل.
استمرت الحرب. عاماً بعد عام، كانت المدن الإسلامية تسقط: إيلورة، مالقة، باسة… حتى بقيت غرناطة وحيدة، محاطةً بجيوش الملكين الكاثوليكيين. في عام 1489، أرسل فرناندو رسولاً إلى أبي عبد الله يطالبه بتسليم المدينة. رفض الشاب الأمير، وقرر الدفاع حتى النفس الأخير.
إلى جانبه وقف رجلٌ عظيم: القائد موسى بن أبي غسان، الذي ألهب حماس المقاتلين وأطال أمد الصمود. حاول أبو عبد الله أن يستنجد بسلاطين المغرب ومصر، لكن الرسائل ذهبت هباءً؛ كلٌّ مشغولٌ بمشاكله.
في خريف 1491، بدأ الحصار الكبير. أغلق #الإسبان مضيق جبل طارق، فقطعوا الطعام والدواء. داخل الأسوار، بدأ الجوع يفتك بالناس، وانتشرت الأمراض. كانت الأميرة عائشة تجوب الشوارع تحثّ على الصبر، وكان موسى بن أبي غسان يقود طلعاتٍ يائسة لكسر الحصار، لكنها كانت تتحطم على صخرة التفوق العددي للعدو.
مع حلول الشتاء، صار الوضع ميؤوساً منه. الناس يموتون جوعاً في الطرقات، والأطفال يبكون بلا صوت. وقف أبو عبد الله على شرفة قصر الحمراء، ينظر إلى معسكرات العدو التي تحيط بالمدينة كطوقٍ من حديد. سأل نفسه: هل يستمر في القتال فيحرق العدو المدينة ويذبح أهلها؟ أم يتفاوض ليحفظ أرواحهم؟
اختار الخيار الأصعب. في الثاني من يناير 1492، وقّع معاهدة التسليم في قاعةٍ من قاعات الحمراء. سبعون بنداً تضمنت حماية المسلمين في دينهم وأموالهم وأعراضهم. رفع المقاتلون المسلمون راياتهم للمرة الأخيرة، وفتحت أبواب المدينة.
نزل أبو عبد الله من قصر الحمراء، على جواده، متجهاً نحو الخروج من المدينة. تقول الروايات إنه توقف عند موقع يُعرف اليوم بـ”مطلة أبي عبد الله الصغير”، فالتفت إلى غرناطة الجميلة، فتنهدت أمه عائشة وقالت له:
“ابكِ مثل النساء ملكاً لم تحافظ عليه مثل الرجال”.
غادر الأندلس، وعبر إلى #المغرب. استقر في فاس، عاش هناك حياةً هادئة بعيداً عن السلطة، حتى توفي عام 1535، في الخامسة والسبعين من عمره.
ظلّ اسمه معلقاً بسقوط غرناطة، آخر معاقل الإسلام في الأندلس. بعضهم يلومه على التنازل، وبعضهم يرى فيه أميراً واجه مصيراً أكبر منه،
وهكذا انطوت صفحةٌ من تاريخٍ امتدّ ثمانية قرون،

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock